قال أبو جعفر: كيف تأمر من قوله ﷿: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾، ومن قوله ﷿: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؟
فقال أبو العباس: هاتان مسألتان:
أما (إدا) فلا يؤمر منه؛ لأنه اسم موضوع للداهية والأمر العظيم.
قال أبو جعفر: قد قالت العرب: أد يؤد [١٢٢/آ]، فنطقت بالفعل، ثم صرفه النحويون فقالوا في الأمر منه: أد يا هذا، بالإدغام، والضم والكسر؛ وبالإظهار نحو: اودد مثل اردد.
قال أبو العباس: التصريف فيها دعوى تحتاج إلى برهان.
قال أبو جعفر: لا يحتاج إلى ذلك. وقد حكوا لها نظائر من المضاعف، منها قول أحمد بن يحيى: (تول: ازرر عليك
[ ٢ / ٥٨٧ ]
قميصك، وزره، وزره، وزره، مثل: مد، ومد، ومد).
قال أبو العباس: هذه الأشياء لا تصرف قياسا، ولا يشبه بعضها ببعض إلا بسماع من العرب، إذ لو كان هذا لجاز أن نقول: وذر يذر، وودع يدع قياسا على قام يقوم، وضرب يضرب؛ وإنما نصرف منه ما صرفت العرب، ونترك منه ما لم تصرفه العرب اقتداء بها.
قال أبو جعفر: ليس هذا قول أحد من النحويين علمناه. وذلك أنه لا يمتنع القياس في شيء من المضاعف على رد يرد فنقول: سن يسن، وأد يؤد، كما قلنا رد يرد، ولو كنا لا ننطق إلا بما نطقت العرب، ولا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام. ولا يجوز قياس وذر يذر، وودع يدع على المضاعف لأنه معتل قل استعمالهم الماضي فيه؛ لاستثقالهم الواو حتى تبدل، فيقولون في وحد: أحد؛ فلما استثقلوا الواو، وكان ترك في
[ ٢ / ٥٨٨ ]
معنى ودع ووذر، استغنوا عنه بـ (ترك). وإن كان بعض العرب قد قال: وذر وودع على القياس فلا معنى لقوله: (لجاز أن نقول: وذر، وودع)؛ لأنه قد قيل.
قال أبو العباس: إنا لم نشبه مضاعفا بمضاعف، وإنما أردنا أن نريك أن العرب قد تصرف شيئا وتمنعه في نظيره. وأما قولك: (إن هذا معتل) فليس بالاعتدال منع من أن يبني له ماض مثل وزن يزن.
قال أبو جعفر: هذا الذي ألزمنيه من أنه قال: إني قلت: (إنه لم يبن منه ماض لأنه معتل) غير لازم، وكلامي يبين خلاف هذا؛ لأني قلت: لم يبن منه ماض لعلة، فكيف ألزم أني اعتللت بأنه لم يقع منه ماض، لأنه معتل؟!
قال أبو جعفر: ولم يجب عن المسألة الأخرى [١٢٢/ب]، وهي: ﴿ولا يؤوده﴾ والجواب أن تقول: أد يا هذا، نظير قل؛ لأن آد يؤود مثل قال يقول.
وأقول: عن أبا جعفر نحوي إلا أنه يضع الأشياء في غير مواضعها، وأبو العباس غير قوي في العربية إلا أنه في غاية من
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الذكاء، فهو يلعب بأبي جعفر كيف شاء.
والدليل على صحة ما قلته أن أبا جعفر قال له: كيف تأمر من قوله ﷿: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾؟ فقال له: لا يؤمر من هذا؛ فقال: (قد قالت العرب: أد يؤد) فلو كانت لأبي العباس قوة لقال: ليس قول العرب: أد يؤد، من قول الله ﷿: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾، إنما الإد: الداهية، وقولهم: أد يؤد، مأخوذ من الإد؛ يقال أدت فلانا الداهية تؤده أدا. فقول أبي جعفر: كيف تأمر من قوله ﷿: ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾ خطأ، وهو كقول القائل: كيف تأمر من (الشيطان) في قوله ﷿: ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾؟ فإذا قال: لا آمر منه لا يصح أن يقال له: بلى، قد قال العرب: تشيطن فلان.
فأخذ أبو العباس يرد تصرف العرب في أد يؤد، وهو تصرف صحيح لا إشكال فيه إلا أنه تصرف في غير ما سئل عنه.
قال محمد بن بدر النحوي: قول أبي العباس: (لا يجوز أن يؤمر من قوله ﷿ (إدا)؛ لأن العرب لم تبن منه فعلا) الذي
[ ٢ / ٥٩٠ ]
عليه عامة أهل العلم والدين.
قلت: قوله: (والدين) ههنا عجيب.
ثم قال: لأن الإد وصف غير جار على فعل، وإنما هو موضوع في كلام العرب للأمر العظيم، فحكمه حكم الأسماء التي جاءت غير جارة على فعل. وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يبنى منه فعل من حيث إن الأسماء ليست مأخوذة من الأفعال، وإنما الأفعال تصدر عنها.
قوله: (لم يجز أن يبنى منه فعل)، لو قال: لم يجز أن يؤمر منه لكان صوابا، وإلا فقد قالوا: تفرعن، وتشيطن، وتمندل، من المنديل، وتدرع، من الدرع.
ثم قال: ولو كانت الأسماء كلها مشتقة لارتفع أن يكون في الكلام اسم البتة. قال: والدليل على هذا أنه ليس أحد من العرب ولا من العلماء يجيز أن يأمر من صاع وفرس، ولا من جعفر وحبرج وضفدع، ولا [١٢٣/آ] من الأوصاف التي ليست بجارية على فعل نحو: خود، وبكر، ولص، وسلهب، وعرطل، وجعشم؛ لأن هذه الأسماء غير جارية على فعل. ما يدل على أن من الأوصاف ما لا يجوز ان يبنى له فعل متصرف في الأمر
[ ٢ / ٥٩١ ]
والدعاء والخبر وغير ذلك الأسماء المبنية للمبالغة نحو: أكال وأكول، لا يجوز أن يصرف منها فعل؛ لأن هذه الأبنية، وإن كانت تعمل عمل الأفعال فهي غير جارية على الفعل. وإذا كان ما يعمل عمل الفعل لا يجوز أن يصرف له فعل فما لا يعمل عمل الفعل أولى أن لا يصرف له فعل؛ هذا قول أهل التحصيل من أهل صناعة النحو. ولا يقال: أد يؤد فهو إد، أد يؤد أدا، فهو آد، وليس الإد هو الآد؛ لأن الآد جار على الفعل، والإد وصف غير جار على فعل.
وقول أبي جعفر (قد صرفه النحويون) تقول منه.
والذين يقولون: أد يؤد فهو آد: إذا ألقاه في الإد، بمنزلة: لحمه يلحمه فهو لاحم: إذا أطعمه اللحم؛ فلو قيل لنا: كيف تأمرون من (اللحم)؟ لقلنا: لا يجوز؛ لأن اللحم اسم غير مشتق من فعل، ولا هو وصف جار على فعل، ولا تكلم من لفظه بفعل، فيكون هو اسما لذلك الفعل؛ وكذلك شحمه، وزبده: إذا أطعمه الشحم والزبد. وقولك أده بمنزلة قولك: زبده، وقولك: يؤده كقولك يزبده، وقولك: آد كقولك: زابد؛ والإد الذي هو
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الأمر العظيم بمنزلة الزبد الذي هو اللبن؛ فكما لا يجوز أن تأمر من الزبد كذلك لا يجوز أن تأمر من الإد، ولا تصرف له فعلا يكون هو اسما له؛ هذا هو الذي عليه [١٢٣/ب] أهل العلم باللغة.
ومعنى قولهم: (كيف يؤمر من الأسماء؟) إنما هو مجاز؛ لأن الأسماء لا يؤمر بها وإنما يؤمر بالفعل إذا كان غير واقع. فإذا قال قائل: كيف يؤمر من ضارب أو من طويل؟ فإنما معناه: كيف يؤمر من الفعل الذي هو جار عليه أو اسم له فتقول: اضرب، وطل؛ لأنهم يقولون: ضرب، وطال. فإن قيل لنا: كيف يؤمر من (بكر) و(خود)؟ قلنا: لا يجوز؛ لأنه ليس اسما للفعل، ولا جاريا على فعل؛ فسبيله سبيل الأسماء التي موضوعة غير مشتقة؛ وكذلك قتال، وأكال، وضروب لا أفعال لها؛ وهكذا سلهب، وجعشم، وعكروت، وما أشبهه، وهو كثير، فهذا حقيقة ما ذهب إليه خصمك، ولا حجة لك فيما حكيته عن ثعلب لأنا لا نخالفك فيه. وحكايتك عن النحويين أنه (لا يمتنع شيء من الأسماء من أن نقيسه على رد يرد)، كذب عليهم. وقولك: (لو كنا لا ننطق إلا بما نطقت به العرب، ولا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام) يدل على جهل باللغة لأن من الكلام ما لا يقاس، ومنه ما يقاس. ثم أخذ بعد هذا في أذاه بما أضربنا عنه وتركناه.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ثم قال بعد ذلك: لو قيل: كيف يؤمر بـ (إد) أو (بكر) أو (صارورة) أو (قتال)، أو ما أشبه ذلك مما ليس بجار على فعل لقلنا: العرب لا تأمر من هذه الأوصاف بلفظ الصفة إلا أن يكون له فعل منطوق به نحو: طل، واقصر، واسهل، واكرم؛ لأنهم يقولون: طال، وقصر، وسهل، وكرم، ولا يأمرون من بكر، ولا خود، ولا غد، ولا لص، ولا ما أشبهه؛ لأنها لا فعل لها فإن آثرنا أن نأمر بشيء منها ألزمناه (كان) وجعلناه خبرا لها، فنقول: كن إدا، أو كوني خودا؛ وذلك أن معنى اضرب: كن ضاربا [١٢٤/آ]، فهكذا ينبغي إذا أمرت بهذه الأوصاف. وكذلك الأسماء يؤمر بها على هذا، فيقال: كن عليه سيفا، وكن له حجرا، وكن فيها أسدا؛ قال الله ﷿: ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا في الأسماء، وقال ﷿: ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى﴾، وقال ﷿: ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾، في الأوصاف. وقال الشاعر:
[ ٢ / ٥٩٤ ]
أحار بن بدر، قد وليت ولاية فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وهو موجود في اللغة.
فإن قال: فكيف يؤمر من طريق ما يتكلم عليه أهل اللغة في التصريف من الأبنية قياسا لم يتكلم به؟ قيل له: نحن نبين ذلك، فنقدم مقدمة للأصول ليعلم أنها أحق بالرد فترد إليه قياسا، فنقول:
إن الأفعال الثلاثية المضاعفة على ضربين: أحدهما يتعدى، والآخر لا يتعدى.
فأما ما لا يتعدى فيجيء على مثالين: (فعل)، و(فعل)، وليس فيه (فعل). وسبيل مستقبل (فعل) أن يجيء على (يفعل) نحو: فر يفر، وقر يقر، وحن يحن؛ وعلى (يفعل) نحو: شك يشك،
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وهب من نومه يهب. و(يفعل)، في مستقبل (فعل) من المضاعف، أكثر من (يفعل). وسبيل مستقبل (فعل) أن يجيء على (يفعل) مثل: لج يلج، وضن يضن، واسم الفاعل منها بمنزلة غيره أيضا، نحو: قار، وجان، وشاك، وهاب، وما أشبه ذلك.
وأما ما كان معتديا فإنه إذا كان على (فعل)، بفتح العين، يجيء المستقبل على (يفعل) بقياس، نحو: شده يشده، وعقه يعقه، وما أشبهه. وليس في كلام العرب فعل ثلاثي مضاعف متعد على (يفعل)، بالكسر، إلا قولهم: يحبه، وهو قليل لا تستعمله العرب، وإنما الأكثر فيه الأفصح: أحبه يحبه. واسم الفاعل منه فاعل [١٢٤/ب] أيضا نحو: شاد، وماد، وما أشبهه.
وما كان على (فعل) فهو كغيره أيضا، نحو: عضه يعضه، وبره يبره، والاسم: عاض، وبار.
وأما ما كان غير عامل فإنه إن كان داء، أو خلقة، أو علة، أو حزازة، أو ما قارب هذه الأشياء، أو كان ضدا لها فإنه يكون على (فعل يفعل) نحو: صم يصم، وشلت يده تشل، وجم يجم، وما أشبه ذلك. فإن كان خصلة فإنه يجيء على (فعل) بفتح العين،
[ ٢ / ٥٩٦ ]
والمستقبل: (يفعل)، بكسرها، نحو: ذل يذل، وقل يقل، وعف يعف، وضج يضج، وصح يصح؛ والصفة منه: قليل، ذليل، عفيف، صحيح. وقد يقال في الاسم منه (فعل) نحو: غث يغث فهو غث، وشف الثوب يشف فهو شف؛ وقد قيل فيه أيضا: (فعل)، نحو: غر، وخل، وهم، وقد يجيء ما كان خصلة على (فعل يفعل)، وهو قليل، نحو: شح يشح فهو شحيح، وقد قالوا: شح يشح، على الأكثر؛ وليس في هذا الباب (فعل) أيضا إلا ما حكاه يونس في (لب) فقال: لببت، والأكثر: لببت.
فهذه حقيقة أمثلة الأفعال الثلاثية المضاعفة، فإذا تكلفنا أن نقيس (إدا) على هذا نظرنا فإذا إد ليس بعمل، ولا هو داء، ولا علة، ولا لون، ولا خلقة، وإنما هو خصلة. وأفعال الخصال لا تكون، على ما قدمنا، إلا على (فعل يفعل) فيكون الفعل من (إد) كالفعل من (حل)، فيكون إد، بكسر الهمزة، كقولك: (حل)؛ وإن شئت قلت: (إد)، بكسر الهمزة والدال كقولك: حل، وإن
[ ٢ / ٥٩٧ ]
شئت قلت: ائدد، كما تقول: احلل وقولك: إد، كقولك: حل؛ هذا هو القياس الذي يعمل عليه، وبالله الثقة.
[ ٢ / ٥٩٨ ]