قال أبو نزار: روى سيبويه في كتابه عن العرب أنهم قالوا: (ليس الطيب إلا المسك)، برفع المسك، والقياس نصبه؛ لأنه خبر (ليس) و(ليس) لا يبطل عملها بنقض النفي؛ إلا أن سيبويه والسيرافي تخبطا في هذا، وما أتيا بطائل.
فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنها لا تعمل وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم [١٦٥/آ]؛ وهذا لا يعرف، فقد أخطأ سيبويه. ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها الشأن والحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره. وقيل له: هذا باطل بأن (إلا) الناقضة خبر؛ إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية. واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها على الجملة قد تقدمها نفي؛ وهذا كله متهافت.
والذي صح أن قولهم: (ليس الطيب): ليس واسمها، و(إلا)
[ ٢ / ٧٩٥ ]
ناقضة للنفي، والمسك: مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره؛ والحملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب؛ لأنها خبر ليس، وفيه وجه آخر، وهو أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، وذلك وجه في (إلا) معروف، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلا أو مرغوبا فيه، أو ما شابه ذلك فاعرفه.
فقيل في الرد عليه: أيها المتعالي المتعالم، والمتعاطي المتعاظم قد نسبت سيبويه والسيرافي إلى أنهما تخبطا في هذه المسألة، ولم يأتيا بطائل، وقلت حكاية عنهما: (فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنه لا تعمل، وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم، وهذا لا يعرف) وكان تخبطك فيما عنه نقلته؛ وإليه نسبته بما أسقطته من كلامه وزدته هو عين التخبط الحقيقي.
والذي ذكره سيبويه على فصه ومنقولا عن نصه هو:
وقد زعم بعضهم أن (ليس) تجعل كـ (ما)، وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد، وقول حميد بن ثور:
[ ٢ / ٧٩٦ ]
.. ..
وليس كل النوى يلقي المساكين
وقال هشام:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول
والوجه والحد فيه أن تحمله على أن في (ليس) إضمارا، وهذا مبتدأ، كقوله: إنه أمة الله ذاهبة. إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيب [١٦٥/ب] إلا المسك وما كان الطيب إلا المسك). إلى هذا انتهى كلام سيبويه؛ فأحلت عبارته عن الصواب بتحريفك وتجزيفك، فقلت: (قال سيبويه: لغة في
[ ٢ / ٧٩٧ ]
(ليس) أنها لا تعمل) فبدأت بنكرة في اللفظ لم تأت لها بخبر، وزدت في كلامه أنها لا تعمل؛ ولم يذكر سيبويه ذلك ولا يصح أن يذكره؛ لأنه لم يقطع بكونها غير عاملة.
ثم قلت عنه: (وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم) فزدت ما لم يذكره. وكيف يجعلها مثل (ما) التميمية التي قد حصل القطع بإبطال عملها، وهو يقول بعد ذلك: (والوجه أن يكون فيها إضمار الشأن).
ثم قلت عنه أيضا: (وهذا لا يعرف) فأسقطت (يكاد)، وبإسقاطها يتناقض الكلام؛ لأن سيبويه قد ثبت عنده معرفة هذا، وهو قولهم: ليس الطيب إلا المسك؛ بدليل قوله: إنه يجوز أن يكون عليه قولهم: ليس خلق الله أشعر منه. وصح ذلك بما حكاه الأصمعي، وأبو حاتم عن أبي عمرو بن العلاء.
قال أبو حاتم حكاية عن الأصمعي: جاء عيسى بن عمر إلى
[ ٢ / ٧٩٨ ]
أبي عمرو بن العلاء وأنا عنده، فقال لأبي عمرو: بلغني عنك شيء!! فقال أبو عمرو: وما هو؟ قال عيسى: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك، وترفع. فقال أبو عمرو: نمت، يا عيسى، وأدلج الناس!! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع. ثم قال: قم يا يحيى- يعني اليزيدي-، وأنت يا خلف- يعني الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب.
قال اليزيدي وخلف الأحمر: فأتسينا أبا المهدي، فوجدناه يصلي فوق تل وقد غرس أمامه قصبة يستقبلها، وإذا هو يقول: اخسأنان عني- وكان به عارض- فأمهلناه حتى قضى صلاته، فقال: ما هذه القنمة كأن حولنا حششة؟ فقلنا: إنك منها لعلى ثبج ضخم، فقال: ما خطبكما؟ فقلنا: جئناك
[ ٢ / ٧٩٩ ]
لنسألك عن شيء من كلام العرب، فقال: هاتيا. فقلنا: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبر سني؟ فأين الجادي، وأين بنة الإبل الصادرة [١٦٦/آ]، وأين كذا، وأين كذا؟. فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، فقال: فما تصنع بسودان هجر؟ ليس لهم شراب غير هذا التمر.
قال اليزيدي: فلما رأيت ذلك قلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل به، ونصب، فقلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت؛ فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي، فكتبنا ما سمعناه منه. ثم أتينا المنتجع التميمي فوجدناه رجلا يعقل، فلقناه النصب، وجهدنا به فلم ينصب، وأبى إلا الرفع.
فأتينا أبا عمرو، وعنده عيسى لم يبرح، فأخبرناه بما جرى. فأخرج عيسى خاتمه من إصبعه، ورمى به إلى أبي عمرو، وقال:
[ ٢ / ٨٠٠ ]
هو لك، بهذا-والله- فت الناس.
فقد ثبت من هذه الحكاية أن قولهم: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، معروف في كلام العرب؛ فلا يصح إذًا أن يكون كلام سيبويه إلا بزيادة (يكاد)، وذلك أنه إذا قال الإنسان لا يكاد يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان [كلامه صحيحًا، فإن قال: لا يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان] قوله غير صحيح؛ لوجود الفعل وفيه لام التعريف، فيما حكاه أبو زيد، وأنشد:
يقول الخنا، وأبغض العجم ناطقًا إلى ربنا صوت الحمار البجدع
ومثله قول الفرزدق:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجلد
[ ٢ / ٨٠١ ]
وعلى هذا المنهاج جريت فيما حكيته عن السيرافي، وقلت عند فراغك من حكاية كلام سيبويه، بزعمك: (ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها شأن وحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره. وقيل له: هذا باطل فإن (إلا) الناقضة خبر، إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية. واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها، على الجملة، قد تقدمها نفي) فإذا بك فيما حكيته عن السيرافي أيضًا قد مسخت ما نسخت، وغيرت ما عنه عبرت، وذلك أن نص [١٦٦/ ب] كلام السيرافي في هذه المسألة هو ذا:
(وقد احتجوا له بشيٍء آخر هو أقوى من الأول، وهو قول بعض العرب: ليس الطيب إلا المسك، قالوا: فلو كان في (ليس) ضمير الأمر والشأن لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمًة بنفسها، ونحن لا نقول: الطيب إلا المسك، وليس الأمر كما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها النفي في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيد أبوه قائم، فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت: ما [أبو]
[ ٢ / ٨٠٢ ]
زيد قائٌم؛ فعلى هذا يجوز أن تقول: ما زيٌد أبوه إلا قائٌم، كأنك قلت: ما أبو زيد إلا قائٌم) هذا كلام السيرافي ﵀.
فأما توجيهك المسألة، على ما صح في زعمك، وهو أن تجعل الطيب اسم ليس، والمسك مبتدأ وخبره محذوٌف تقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره، أو على أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه= فشيٌء لم يسبقك إليه أحد، ولم يخطر مثله قبلك ببال بشر، وهو تقديرك الاسم مبتدأ وحذف خبره، وهو أفخره، مع كون اللفظ لا يقتضي هذا الخبر ولا يدل عليه؛ وتقديرك، في الوجه الآخر، (إلا) بمعنى (غير) تشير إلى أنها وما بعدها صفة للطيب، على حد قوله ﷿:﴾ لو كان فيهما آلهة إلا الله ﴿، أي: غير الله، وجعلك الخبر محذوفًا، وهو (مفضلًا) أو (مرغوبًا فيه)، فيكون المعنى عندك: إن الطيب لا يرغب الناس فيه، وإنما يرغبون في المسك؛ لأن هذا تقدير قولك: ليس الطيب غير المسك مرغوبًا فيه. وعلى أن سيبويه ذكر في حكايتهم ما أوجب التوقف عما أجازه، من أن الوجه أن يكون في (ليس) إضمار، ولا يكون
[ ٢ / ٨٠٣ ]
حذفًا، فقال بعد أن قدم الوجه في قوله:
. وليس منها شفاء الداء مبذول
وقولهم: ليس خلق الله أشعر منه=: (إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال ليس الطيب إلا المسك، وما كان الطيب إلا المسك).
ووجه توقفه عن أن يحمل (ليس) في لغتهم على ضمير الشأن والقصة [١٦٧/ آ] أنه وجدهم يرفعون المسك في (ليس) وينصبونه في (كان)، فيقولون: ما كان الطيب إلا المسك، فلو كان في (ليس) إضمار لوجب أن يكون في (كان) إضمار أيضًا، فكونهم يختصون الرفع بـ (ليس) دون (كان) حتى لا يوجد أحد منهم يرفع المسك في كان، ولا ينصب في ليس= دليل على أن (ليس) هنا حرف لا عمل لها، وبهذا يبطل قولك: إنه لو كان على
[ ٢ / ٨٠٤ ]
إضمار (أفخره) في الوجه الأول أو إضمار (مرغوبًا فيه أو مفضلًا) في الوجه الثاني لوجب مثل ذلك في (كان)، فيقال: ما كان الطيب إلا المسك، على تقدير: إلا المسك أفخره، أو على تقدير: غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه.
ولو وجهت -أيها المتعسف- هذه المسألة على ما وجهه النحويون لأرحت واسترحت. وهو أن تجعل (الطيب) اسم (ليس)، و(إلا المسك) بدل منه، والخبر محذوف، وتقديره: ليس في الدنيا الطيب إلا المسك.
وعلى ذلك حملوا قول الشاعر:
لهفي عليك للهفة من خائف يبغي جوارك حين ليس مجير
يريد: حين ليس في الدنيا مجير.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وقد أجاز أبو علي أن تكون اللام في (الطيب) زائدة على حد زيادتها في قولهم: ادخلوا الأول فالأول، فيصير: ليس الطيب إلا المسك، على تأويل: ليس في الوجود طيب إلا المسك، أي: إن كل طيب غير المسك؛ فليس بطيب، على طريق المبالغة في وصف المسك.
وبالجملة؛ فإن هذا القول الذي ذهب إليه النحويون لا يصح بما حكاه سيبويه من قولهم: وما كان الطيب إلا المسك، على ما قدمت ذكره، وليس ذلك لغتين فيقال: إن (ليس الطيب إلا المسك) لغة قوم، و(ما كان الطيب إلا المسك) لغة قوم آخرين، بل القوم الذين يقولون: ليس الطيب إلا المسك، فيرفعون هم القائلون: ما كان الطيب إلا المسك، فينصبون، على ما حكاه سيبويه؛ وبهذا السبب توقف عن حمل (ليس) في لغتهم على أن فيها إضمارًا، وهذه اللغة ليست [١٦٧/ ب] هي المشهورة، وليس الشاذ النادر الخارج عن القياس يوجب إبطال الأصول.
ثم قال الراد على أبي نزار: وأنا أكشف خبء هذه المسألة، وأوضح السبب الموجب لما تفرع عنها، فإنها من أشكل مسائل العربية التي اضطربت أقوال النحاة في تحقيقها.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
وسبب ذلك تعارض الأدلة وتكافؤها في (ليس): هل هي فعل أو حرف؟ وقد حكي عن أبي بكر بن السراج، على مكانته في هذه الصناعة، أنه قام أربعين سنة يتردد في (ليس): هل هي فعل أو حرف.
والصحيح فيها أنها فعل مشبه بالحروف، بمنزلة (نعم) و(بئس) و(عسى) ونحوها من الأفعال المضارعة للحروف.
فمن الأدلة على أنها فعل:
كونها تتصل بها ضمائر الرفع على حد اتصالها بالأفعال في نحو قولهم: لست، كضربت، ولسنا، كضربنا، ولستم. كضربتم، وليسوا، كضربوا، ولستن، كضربتن.
وكونها يسكن آخرها عند اتصالها بضمير المتكلم والمخاطب في نحو: لست، ولست، كما تقول ضربت، وضربت.
وكونها يستتر فيها الضمير الغائب كما يستر في الفعل وذلك في مثل قولك: زيد ليس قائمًا، ولا تقول: زيد ما قائمًا، حتى تقول: ما هو قائمًًا.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
وكونها تنصب خبرها مقدمًا، ومؤخرًا، وموجبًا، ومنفيًا، ولا يجوز ذلك في (ما).
وكونها تمتنع من أن تكون جوابًا للقسم، لا تقول: والله ليس زيد قائمًا، كما تقول: والله ما زيد قائمًا.
وأما وجه شبهها بالحروف:
فكونها لا تأتي إلا لمعنى في غيرها، كحروف المعاني، ولا تأتي لمعنى في نفسها؛ ألا ترى أنها تنفي الفعل الحاضر كما تنفيه (ما)؟.
وكونها لا تدل على حدث وزمان محصل من صيغتها، ولا تدل على الزمان المحصل الذي قد جرد من الحدث كدلالة الأفعال الناقصة مثل (كان) وأخواتها.
وما حكي أنه قد جاء في الشعر (ليسي) على حد قولهم (ليتي)، وذلك نحو قوله:
قد ذهب القوم الكرام ليسي [١٦٨/ آ]
[ ٢ / ٨٠٨ ]
ومثال (ليتي) قول الشاعر:
كمنية جابر إذ قال: ليتي أصادفه وأفقد بعض مالي
وإنما قوى كونها فعلًا مضارعًا للحروف أنه قد توجد في كلام العرب أسماء كثيرة مضارعة للحروف، مثل: أين، وأنى، ومتى، وكيف، ونحو ذلك؛ وليست حروفًا على الحقيقة بمشابهتها للحروف. وكذلك في كلامهم أسماء قد شابهت الفعل في كونها تقع أمرًا ونهيًا، مثل: مناع، ولحاق، ودراك، ونزال، بمعنى: امنع، وأدرك، والحق، وانزل، ولم يوجبوا لذلك أنها أفعال، بل قطعوا على أنها أسماء. وليس مشابهة الشيء الشيء في معنى من المعاني يوجب أن تجعله نفس الشيء للشبه به.
[ ٢ / ٨٠٩ ]