قال أبو نزار: أنشدنا شيخي الفصيحي﵀- للأعشى:
آنس طملًا من جديلة مشـ ـغوفًا بنوه بالسمار غيل
فسأل عن غيل فقلت: قد جاء: ماد بها ساعد غيل، للممتلئ. ألا ترى إلى قوله:
بيضاء ذات ساعدين غيلين
والسمار: اللبن. كأنه يقول: إن بني هذا الصائد امتلؤوا من شرب اللبن. إلا أن الواحد بناه على (فعال) فقدر (غيلا) على
[ ٢ / ٨٣٨ ]
زنة حمار وكتاب، ثم جمعه على غيل [١٧٥/ آ]، كما قالوا: حمر وكتب. فإن قيل: فما سمعنا (غيالًا) قيل: قد أسلفنا أن العرب قد تنطق بجمع لم يأت واحده فهي تقدره وإن لم يسمع.
فأجيب بأن قيل له: قد أتعبت الأسماع بلغطك وغلطك وأزعجت الطباع بخطائك وسقطك. يا هذا، إن تفسيرك للغيل بأنهم الذين امتلؤوا من شرب اللبن قياسًا على الغيل، وهو الساعة الممتلئ= شيء لم يذهب إليه أحد من أهل اللغة. وإنما ذهبوا إلى أن الغيل هي أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
واسم ذلك اللبن أيضًا (الغيل)، ولم يقل أحد منهم: إن الغيل هو الامتلاء من شرب اللبن. وإنما فسرت لفظة الغيل في بيت الأعشى على غير هذا، وهو:
[ ٢ / ٨٣٩ ]
إني لعمر الذي حطت مناسمها تخدي وسيق إليه الباقر الغيل
على وجهين، أحدهما: أنها الكثيرة، من قولهم: [ماء] غيل، أي كثير. وقيل: الغيل ههنا السمان، من قولهم: ساعد غيل، أي: سمين. والغيل، بمعنى الكثير، هو المراد في البيت الأول، لأنه يصف هذا الصائد بالفقر، وكثرة الأولاد، وأنهم ليس لهم غذاء إلا السمار، وهو اللبن الرقيق.
وأما قولك: إن غيلا جمع غيال، واحد لم ينطق به= فمن أفحش غلطاتك، وأفضح سقطاتك. بل هو جمع غيل، والغيل: الماء الكثير وجمعه: غيل، ونظيره: سَقف وسُقف؛ وكذلك الغيل السمان واحدها غيل أيضًا. وإنما غلطك في ذلك أن الغالب في (فعل) أن يكون جمعًا لـ (فِعال) أو (فَعال) مثل حمار وحمر، وقذال وقذل، فقضيت أن غيلا جمع غيال.
وأما تفسيرك السمار بأنه اللبن على الإطلاق، فغلط يجوز على مثلك من أهل التحريف. وإنما صوابه أن تقول: السمار: اللبن الرقيق أو اللبن المخلوط بالماء؛ لأن تسمير اللبن هو خلطه بالماء [١٧٥/ ب]، فإن أكثر فيه الماء سموه (المضيح)؛ وعليه
[ ٢ / ٨٤٠ ]
قول الشاعر:
فبات ابن شماخ يفسخ عجوة ولم يسقنا غير السمار المضيح
وتفسير البيت على وجه الصواب أنه يصف حمار وحش أو ثور وحش آنس طملًا، أي صائدًا، والطمل: الذئب، شبهه به: والطمل أيضًا: اللص. يقول: هذا الثور الوحشي آنس صائدًا له عائلة وأطفال ليس لهم غذاء إلا اللبن المخلوط بالماء، فهو لذلك أشد الناس اجتهادًا في أن ينال صيد هذا الثور الوحشي ليشبع به عياله وأولاده.
[ ٢ / ٨٤١ ]