قال أبو جعفر: سألني هذا الفتى فقال: كيف تقول: ضرب زيد؟ فقلت ضرب زيد. فقال: كيف تتعجب من هذا الكلام؟ فقلت: ما أكثر ما ضرب زيد!! فقال: فلم لم يجز التعجب من المفعول بلا زيادة كما جاز التعجب من الفاعل بلا زيادة؟
فقلت: لأن التعجب يكون الفعل فيه لازما، فإذا قيل: أخرجه إلى باب التعجب، فمعناه: اجعل الفاعل مفعولا، كما تقول: قام زيد، ثم تقول: ما أقوم زيدا؛ فمعناه على مذهب الخليل: شيء أقوم زيدا. فإذا جئنا إلى ما لم يسم فاعله لم يجز أن نتعجب منه حتى نزيد في الكلام لأنه لا فاعل فيه.
فقال: ليس يخلو المتعجب منه في حال الزيادة من أن يكون كان فاعلا في الأصل أو مفعولا. فإن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك بأنا لا [١١٧/آ] نتعجب إلا من الفاعل؛ وإن كان فاعلا فقد لزمك أن نتعجب منه، على ما قدمت من القول، بلا زيادة.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
فقلت: ألزمتني ما لم أقل؛ إن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك، وإلا فقد قلت: إني لا أتعجب منه إلا على كلام آخر، فكيف تلزمني أن تعجبت منه؟
فقال: أما قولك: إني ألزمتك ما لا يلزمك فدعوى لا بينة معها. وأما قولك: إني لا أتعجب منه إلا بزيادة، فليس يخلو تعجبك من أن يكون واقعا عليه في نفسه، أو على الزيادة؛ فإن كان واقعا عليه فقد لزمك ما ألزمتك؛ وإن كان واقعا على الزيادة فقد تعجبت مما لم أسألك عن التعجب منه.
فإن قلت: إني إنما تنكبت التعجب منه، وتعجبت من الزيادة التي لم تسألني التعجب منها لأنه لا يجوز التعجب منه إذ كان مفعولا قلنا: ولم لا جاز ذلك؟ وصرت في هذا إذا سألتك [لم] لا تتعجب منه تعجبت من غيره وهي الزيادة.
فقلت: قد أجبناك فيما مضى من الكلام لم لا يجوز أن يتعجب منه، فليس لإعادتنا إياه معنى.
قال: قد نقضت العلة التي اعتللت بها في ترك الجواز.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وهو أنه مفعول وأريناك أن ذلك فاسد؛ فإن كانت عندك زيادة فزد.
قلت: هذه المطالبة محال، أن يتعجب من المفعول بما بينا من أن المفعول لا يتعجب منه. فيجب على من أنكر هذا أن يتعجب من المفعول، فكأنه يجعل المفعول مفعولا، وهذا محال.
فقال: نحن إذا قلنا: اجعل الفاعل مفعولا ساغ لنا ذلك في الفاعل إذا تعجبنا منه، ولم يكن في الأصل مفعولا، كان ذلك جائزا فيما قام مقامه وهو مال يسم فاعله، وإلا لم يكن في موضعه ولا في مقامه.
قلت: هو وإن قام مقامه في أنا نحدث عنه كما نحدث عن الفاعل فنحن نعلم أنه مفعول في الأصل؛ فكيف يقال: أقمه مقام المفعول؟! وأيضا فإن أقمناه [١١٧/ب] مقام المفعول فإن الفاعل هو المحدث للفعل، وليس كذلك ما يقوم مقامه.
فقال: قد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة؛ فإنك إن زدت فيه فهو مفعول في الحقيقة، اللهم إلا أن تكون تزعم أنك لم تتعجب منه البتة
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وإنما تعجبت من غيره، ونحن لم نسألك عن التعجب من غيره.
قلت: هذا الذي ألزمتنيه من قولك: (فقد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة) يبين نقضه أنه لا يجوز أن تقول: ما أحمر زيدا، فإذا زدت فيه وقع التعجب فقلت: ما أشد حمرة زيد!!
فقال: أما تشبيهك (أحمر) ونحوه بباب الثلاثي فإنه خطأ؛ وذلك أنهم قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكون لونا ولا خلقة؛ وذلك أن الخليل زعم في قوله: (ما أحمر زيدا) وما أشبهه أنهم لم يتكلموا به لأنه صار عندهم بمنزلة اليد والرجل؛ لأنك لا تقول: ما أيداه ولا ما أرجله! فخالف باب الثلاثي لهذه العلة؛ فقد بان بقول الخليل الفرق بين هذين؛ وشبهت بين شيئين غير مشتبهين.
قلت: هذا الكلام فيه تطويل، لأني إنما شبهته بالألوان من أنهما جميعا لا يجوزان. وليس يلزمني إذا شبهت به من جهة أن أشبهه به من كل الجهات. فأنا أقول- إذا سئلت: كيف يتعجب
[ ٢ / ٥٦٩ ]
من قولنا: انطلق زيد-: لا يجوز؛ فقد صار لا يجوز في هذا كما لا يجوز (ما أحمر زيدا)؛ فهل يلزمني أن أكون شبهت اللون بغير اللون؟ وأنا إنما شبهته به من أن هذا لا يجوز كما أن هذا لا يجوز.
وأما قوله: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا أو خلقة من أعجب الكلام؛ لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي، أو مما [١١٨/آ] يكون أصله الثلاثي، وزيد عليه مثل أعطى وشبهه. وأيضا فإنه لا يعرف في الألوان فعل ثلاثي، فكيف يستثنى ما ليس يعرف في الكلام؟!
وأما ما كان خلقة وهو ثلاثي فلم يترك التعجب منه عند الأخفش إلا أن أصله أكثر من الثلاثة، وذلك (عور) و(حول)؛ والأصل عنده (اعورا) و(احول) و(اعوار) و(احوال). فلم ارآه ثلاثيا ولم يدر ما أصله استثناه من الثلاثي. ولو كان من الثلاثي لما قيل عور ولا حول، ولكان يقال (عار) و(حال)؛ فتنقلب الواو ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. وقولهم (عور) و(حول) يدل على أن
[ ٢ / ٥٧٠ ]
أصله اعوار واحوال واعور واحول. والذي يقول في هذا: إنه لم يتعجب منه وهو ثلاثي لا يعرف أصله؛ وهذا القول مشهور من قول الأخفش.
قال" أما قوله: إنه استثنى اللون والخلقة من الثلاثي، إنه من أعجب العجب، فليس ذلك بعجب لأني إنما استثنيت ذلك من الثلاثي؛ لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا، كقولك عور الرجل، فاستثنيت لك لهذه العلة.
وأما قولك: (انطلق زيد) لا يجوز أن يتعجب منه، فهذا نقض لما قدمته في الكتاب. وذلك أنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه، وجعلت ذلك علة التعجب منه وهو أنه فاعل، وجعلت علة الامتناع من التعجب أن يكون مفعولا؛ فقد لزمك أن تتعجب من زيد في قولك: انطلق زيد.
قلت: قوله: (إنما استثنيت من الثلاثي لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا كقولك: عور الرجل) يدل على أنه لا يدري ما أصل (عور)؛ وقد بينا أن أصله عند النحويين [١١٨/ب] اعور واعوار.
[ ٢ / ٥٧١ ]
وإنكاره منعنا أن نتعجب من (انطلق زيد) فهذا شيء قد أجمع النحويون على منعه إلا بزيادة؛ فما معنى إنكاره ما أجمع النحويون عليه؟!
وأما قوله: (إنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه وجعلت ذلك علة للتعجب منه وهو أنه فاعل) فنحن لم نقل: إنا تعجبنا منه لأنه فاعل، وإنما قلنا: إنه لا يتعجب من المفعول، وبينا لم ذلك. وأما الفاعل فإنه يتعجب منه في أكثر المواضع. وإنما منع الفاعل، في قولك: انطلق زيد، أن يتعجب منه؛ لأن الفعل قد جاوز ثلاثة أحرف، فلا يجوز أن ينقل إلا بزيادة نحو قولك ما أكثر انطلاق زيد، وما أشبهه.
قال محمد بن بدر النحوي: أعطي أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: (إنما معنى التعجب ان أجعل الفاعل مفعولا)؛ ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو أقمته وأجلسته، ونجد معنى التعجب والفاعل موجود كقولنا: جل الله وعز الله على معنى ما أجل الله وما أعزه!! لا على معنى الخبر بأنه صار جليلا، ولا بأنه صار عزيزا؛ وهكذا: عظم شأنك، وعلت منزلتك، إذا لم ترد الخبر. قال الله ﷿: ﴿كبرت كلمة
[ ٢ / ٥٧٢ ]
تخرج من أفواههم﴾، وقال جل وعلا: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، وقال ساعدة:
هجرت غضوب وحب من يتغضب وعدت عواد دون وليك تشعب
أي: ما أحبها متغضبة. وقال الشاعر:
لم يمنع الناس منهم ما أردت ولا أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
أي: ما أحسن هذا أدبا. ومما حكاه النحويون من اللفظ ومعناه التعجب: لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولله دره، ولله أنت، وتالله
[ ٢ / ٥٧٣ ]
ولله؛ وأنشد سيبويه:
لله يبقى على الأيام ذو حيد بمشمخر به الظيان والآس [١١٩/آ]
وقال: هذا الرجل تعجب. و(ياللماء): تعجب، وأنشد:
لخطاب ليلى يالبرثن منكم أدل وأمضى من سليك المقانب
وأعطى علة أخرى قياسية فقال: لا يتعجب مما لم يسم فاعله؛ لأنه لا فاعل فيه. ويبطل هذه العلة قول العرب في (جن زيد): ما أجنه وما أعتهه، وما أشبه ذلك.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وأما قوله: (أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا ولا خلقة من أعجب الكلام، ثم قال: (لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي أو ما يكون أصله الثلاثي ثم زيد عليه مثل أعطى). وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد لا يتعجب إلا من الثلاثة. ألا ترى أن قائلا لو قال: إنما صلاة الظهر أربع لم يكن في قوله دليل على أن غيرها من الصلوات لا يكون أربعا، أو قال: إنما في الرقة ربع العشر، لم يكن هذا دليلا على أن غير الرقة لا يكون فيه ربع العشر؛ وهذا موضع من مفهوم الخطاب أنت معذور في جهله إذ لست من أهله.
وأقول: لا يخفى على العلماء ميل هذا الرجل وحيفه على أبي جعفر، وتخليطه فيما يتكلم به. ألا تراه يقول: (وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد: لا يتعجب إلا من الثلاثة ظنا منه أن هذا كلام أبي العباس، وأخذا في الجواب عنه؛ وهذا إنما هو كلام أبي جعفر. وأما ابو العباس فإنما قال: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو
[ ٢ / ٥٧٥ ]
خلقة)، فأنكر عليه أبو جعفر استثناءه اللون والخلقة من الفعل الثلاثي؛ لأن الألوان ليس فيها فعل ثلاثي. ولو قال أبو العباس: إنما يتعجب من الثلاثي، لأنحصر التعجب في الثلاثي، وليس هذا كقوله: إنما صلاة الظهر أربع، وإنما ذلك لمن يمنع أن يكون أقل من أربع أو أكثر.
وقوله: (هذا موضع من مفهوم الخطاب [١١٩/ب]) خطاب من ليس بمفهوم الخطاب. وقوله: (أعطى أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: إنما معنى التعجب أن أجعل الفاعل مفعولا، قال: ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو: أقمته وأجلسته)؛ وهذا لا يلزمه لأنه لم يقل: لا يصير الفاعل مفعولا إلا في التعجب، إنما قال: إن قولك: ما أحسن زيدا أخرجت فيه الفعل الذي كان لازما فجعلته متعديا، وكان الأصل: حسن زيد، فصار فاعل (حسن) مفعول (أحسن). وما أورده عليه، من الكلمات التي معناها التعجب، لا يرد عليه لأنه إنما يتكلم في التعجب المبوب له؛ ألا ترى أن من تكلم في باب التأكيد لا يرد عليه ما يجيء فيه معنى التأكيد من (إن) و(اللام)، وما أشبه هذا.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ثم قال محمد بن بدر: وقوله (مثل أعطى وما أشبهه) ركاك في العبارة، كما قال: لا يجوز التعجب من قولنا: انطلق زيد، كما لا يجوز ما أحمر زيدا، فهلا قال: لا يجوز، كما لا يجوز أن تصلي الظهر ثلاثا ولا المغرب أربعا؛ فإنه أظهر.
قلت: وأين هذا من ذاك؟ إنما شبه ممتنعا في التعجب بممتنع فيه، وأنه يتعجب من القبيلين بأشد ونحوه.
ثم قال محمد بن بدر: على أن بعض النحويين قال: لا يجوز التعجب من (أفعل) إلا على شريطة. قال: وأما قوله أيضا: (فلا يعرف في الألوان فعل ثلاثي) فقد قال سيبويه: أدم يأدم أدمة، وأدم يأدم، وشهب يشهب، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب، وكهب يكهب، وصدئ يصدأ صدأة، وسود يسود؛ وأنشد لنصيب:
[ ٢ / ٥٧٧ ]
سودت فلم أملك سوادي وتحته قميص من القوهي بيض بنائقه
وقال غيره: ذرئت عينه ذرءا والذرأة: البياض؛ وقال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنهض في تشددي
وقال الشاعر: [١٢٠/آ]
[ ٢ / ٥٧٨ ]
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر كما كل ضبي من اللؤم أزرق
وأما قوله: (إنما ترك الأخفش التعجب في عور وحول لأن أصله اعور واحول) فخلاف ما عليه أهل العلم؛ لأنهم مجمعون على أن الأصل الثلاثي وما فيه الزيادة فرع، فـ (حول) أصل لـ (احول واحوال).
قال سيبويه: (وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء) فضرب واستضرب مأخوذان من الضرب، لا أن ضرب من استضرب، ولا استضرب من ضرب.
قلت: هذا لا يلزم أبا جعفر لأنه رد على الأخفش لا عليه، وإنما يلام لو نقل عن الأخفش ما لم يقل. وأيضا، فإن ما ذكره عن سيبويه لا يلزم منه تخطئة الأخفش فيما ذهب إليه؛ لأنه لم يقل: إن عور مأخوذ من اعوار واعوار، ولا إن حول مأخوذ من احول واحوال؛ وإنما قال: إنه في معناه، فكما لم يتعجب من ذاك لم يتعجب من هذا.
ثم قال محمد بن بدر: وأما قوله (ولو كان من الثلاثي لما
[ ٢ / ٥٧٩ ]
قيل: حول وعور، ولقيل: حال وعار، بالقلب) فليس كما توهم وإنما صحت الواو لأنهم أرادوا بـ (حول) من المعنى ما أرادوا بـ (احول)، فأجروه مجراه، لا أن أصل فعل افعل ولا أفعال؛ ألا ترى أنهم قالوا: احتال واعتاد، واقتاد، بالإعلال، وإنما أصحوه حين أرادوا معنى ما يصح فقالوا: اجتوروا، واعتونوا، واحتوشوا؛ لأنهم أرادوا معنى تجاوروا، وتعاونوا، وتحاوشوا، لا أن أحدهما أصل للآخر؛ فهكذا عور وحول. يدل على هذا أنهم إذا أرادوا غير هذا المعنى أعلوه فقالوا: عار [١٢٠/ب] زيد عين عمرو، وسادها؛ وأنشدوا بيت نصيب على وجهين:
سودت ولم أملك سوادي وتحته قميص من القوهي بيض بنائقه
قال: وأما قوله: (فتقلب الواو؛ لحركتها وحركة ما قبلها) فيلزمه أن يقول في (أدلو): (أدلا) لحركتها وحركة ما قبلها؛
[ ٢ / ٥٨٠ ]
والوجه: لحركتها وانفتاح ما قبلها.
قال: وأما قول الأخفش فإنما أراد به أن افعل وافعال الأصل في الاستثقال؛ لا أن حول مأخوذ منهما، وهذا قول سيبويه استغنوا عن حمر باحمر، كما استغنوا عن فقر بافتقر، والمستغنى به هو الفرع، والمستغنى عنه هو الأصل.
قلت: قوله: (إن الأخفش أراد أنهما الأصل في الاستثقال) فأي استثقال في عور وحول؟ وليس ما قاله بمعنى ما قال سيبويه في حمر واحمر، ثم استدرك خطأه فقال: على أن افعل وافعال مطردان في الألوان نحو: اسود واسواد، وابيض وابياض، واصفر واصفار، إلا أن افعل أكثر لأنه أصل في الاستثقال.
قال: وأما حول وعور فمن باب الأدواء لأنهما عيبان، والعيب أشبه بالأدواء، وليس افعل وافعال في باب الأدواء كثيرا؛ لا يكادون يقولون في اجرب اجراب، ولا في اجذم
[ ٢ / ٥٨١ ]
اجذام، وإنما يجرونه مجرى الداء نحو: جرب، وضلع، وشتر، وهو أدخل في الداء منه في الألوان، إلا أنهم يشبهون الشيء بالشيء إذا قاربه، فيقولون: حول، وعور، وجرب، كما قالوا: وجع، وضمن، وزمن، ولا نكاد نجد في الألوان اسما على (فعل)؛ لا يقولون: حمر، ولا صفر، ولا شهب. قال: فهذا يقوي أن العيوب مخالفة للألوان التي لا يمتنع فيها افعل وافعال، وافعال لا يمتنع من الألوان لأنه مبني له، وأما العيوب [١١٢١/آ] فأقرب إلى الأدواء؛ هكذا ذكر سيبويه.
قلت: قوله: (لا نكاد نجد في الألوان اسما على فعل)، مع أنه أنشد قول نصيب: (سودت )، من العجب.
ثم قال محمد بن بدر: إنما لم يتعجبوا من (ضرب زيد) وأشباهه إلا بالزيادة كراهة أن يلتبس، ففرقوا بين التعجب من فعل الفاعل المفعول. وذلك أنهم فرقا بين فعل الفاعل وفعل
[ ٢ / ٥٨٢ ]
المفعول في غير التعجب، وأرادوا ان يفرقوا بينهما أيضا في التعجب. فلو قالوا في (ضرب زيد): ما أضرب زيدا! لالتبس فعل الفاعل بفعل المفعول، فأتوا بالزيادة ليصلوا إلى الفرق بينهما.
فإن قال: فقد قالت العرب في (جن زيد): ما أجنه!! وهذا يبطل علتك قيل له: إن قولهم (ما أجنه) محمول على المعنى، فاستجازوا فيه ما استجازوا فيما حمل عليه. ألا ترى أن جن زيد فهو مجنون داخل في حيز الأوصاف التي لا تكون أعمالا. وإنما تكون خصالا في الموصوفين بغير اختيارهم، مثل: كرم فهو كريم، ولؤم فهو لئيم: خصال لا يفعلها الموصوف؟؛ فهكذا جن زيد فهو مجنون، إنما هي خصلة في الموصوف لا اختيار له فيها، فأجرى مجرى رقع فهو رقيع، وبلد فهو بليد إذ كان داخلا في معناه. والدليل على صحة هذا أن العرب لا تتعجب من (افعل)، لا يقولون: ما احمره، ولا ما اسوده، ولا ما افطسه ويتعجبون من: أحمق، وأرعن، وألد، وأنوك، فيقولون: ما أحمقه! وما أرعنه وما ألده وما أنوكه؛ لأن أحمق بمنزلة بليد، وألد بمنزلة
[ ٢ / ٥٨٣ ]
مَرِسَ، وأنوك بمنزلة جاهل، فحملوه على المعنى؛ فهكذا (جن زيد) حمل على المعنى لأن العرب تشبه الشيء بالشيء، ويحمل على المعنى إذا واقفه واقترب منه. فمن ذلك قولهم: (حاكم زيد عمرو)، برفع الاثنين جميعا؛ لأن كل واحد منهما فاعل؛ قال أوس [١٢١/ب]:
تواهق رجلاها يداه ورأسه له قتب خلف الحقيبة رادف
وقال القطامي:
فكرت تبتغيه فصادفته على دمه ومصرعه السباعا
لأن السباع قد دخلت في المصادفة. وقال:
[ ٢ / ٥٨٤ ]
لن تراها- وإن تأملت- إلا ولها في مفارق الرأس طيبا
لأن الطيب قد دخل في الرؤية.
وأقول: إنما قالوا: ما أجنه؛ لأن (جن) لا فاعل له، فهو في المعنى تعجب من الفاعل؛ لأنه لا يقال: جنة، إنما يقال: أجنه.
قال محمد بن بدر: فإن قال: فقد قالوا: ما أسرني بكذا وكذا، وهذا دليل على أنه يجوز أن يتعجب من (ضرب زيد) قيل له: ليس في هذا دليل يدل على جواز التعجب من (ضرب زيد)؛ لأنه يجوز أن يكون (ما أسرني) تعجبا من سررت، ويكون محمولا على ما قدمنا ذكره في (جن زيد)، فيكون منزلة: بر حجك فهو مبرور.
قال: ويجوز أن يكون (ما أسرني بكذا) تعجبا من سار، كما يقال: زيد سار، أي: حسن الحال في نفسه وأهله وماله، وفرس سار، أي: حسن الحال في جسمه ولحمه، وضيعة سارة، بمعنى آهلة عامرة، فيكون سار بمعنى قولك: (ذو سرور) ثم يتعجب منه على هذا، كما قالوا: عيشة راضية، أي: ذات رضى، ورجل
[ ٢ / ٥٨٥ ]
طاعم كاس، أي: ذو طعام وسكوة؛ قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فيكون (ما أسرني) جاريا على ما قدمنا، غير خارج عما رتبنا.
[ ٢ / ٥٨٦ ]