قال أبو نزار: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من جمع مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر) يسأل عن مادة هاتين الكلمتين، وزيادتهما، ومكان استعمالهما.
قال: فأول ذلك أن تعلم أن (نهوشا) واحد قدر أنه جمع على نهاوش، وهو من الهوش بمعنى الاختلاط.
قال: وكذلك (نهابر) هو جمع، واحده: نهبر، وهو من الهبر بمعنى القطع المتدارك. والمعنى: من جمع مالا من جهات مختلطة لا يعلم جهات حلها وحرمتها قطعه الله عليه.
قال: فإن قيل: ما سمعنا في الواحد نهبرا ونهوشا، قلنا: قد
[ ٢ / ٧٨٩ ]
نص سيبويه على أن العرب تأتي بجموع لم تنطق بواحدها. ثم قال: إن قياسواحد (ملامح) و(محاسن) ملمحة ومحسنة، وما سمعنا بملمحة. وكذلك قدروا أن واحد (أباطيل) إبطيل، أو أبطول، وأباطيل جمع لم ينطق بواحده.
فأجيب بأن قيل له: أبديت عوارك لمناظرك، وأبرزت مقاتلك لسهام مناضلك. إن هذه اللفظة تروى على أوجه مختلفة، وجميعها يرجع إلى أصل واحد، وعدة أوجهها أربعة:
يروى: من جمع مالا من (مهاوش)، بالميم، وهذه هي المشهورة عند العلماء باللغة.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وكسر الواو، وقد صححوه أيضا.
ويروى: من (تهاوش)، بالتاء، وضم الواو، وهو صحيح أيضا.
ويروى: من (نهاوش)، بالنون وكير الواو. وهذه
[ ٢ / ٧٩٠ ]
هي التي أنكرها أهل اللغة، ولم يثبتوا صحتها، والظاهر من كلامهم أنها من غلط الرواة.
وجميع ذلك، على اختلاف الرواية فيه، يرجع إلى أصل واحد وهو النهوش الذي هو الاختلاط. فليس الإشكال في (تهاوش) من جهة [١٦٤/آ] تفسيرها كما ظننته، ولا من جهة كونها جمعا لواحد لم ينطق به. ألا ترى أن (مهاوش) و(تهاوش) هما بمعنى الهوش والاختلاط وكلاهما جمع لم يستعمل واحده؟ وإنما المشكل في هذه اللفظة: هل هي صحيحة في الاستعمال معروفة عند أهل اللغة، أو هي على خلاف ذلك؟! فهذا الذي كان حقك أن تبينه وتثبت صحته.
فإذا صح فسرت حقيقة معناها، واشتقاقها، وتثبت هل هي جمع أو مفرد، وما الزائد منها، وما الأصل.
فأما قولك، في (نهابر): إنه مشتق من (الهبر) وهو القطع المتدارك؛ فليس ذلك بالمعروف عند أهل اللغة. وإنما هو مستعار
[ ٢ / ٧٩١ ]
من (النهابر) و(النهابير)، وهي تلال الرمل المشرفة، فسميت المهالك نهابر من ذلك.
ولذلك قال عمرو بن العاص لعثمان بن عفان﵀-: (إنك ركبت بهذه الأمة نهابر من الأمور فتب عنها)، أراد: إنك ركبت بهذه الأمة أمورا شاقة مهلكة، بمنزلة من كلفهم ركوب التلال من الرمل؛ لأن المشي في الرمل يشق على من ركبه.
وقولك: (إن واحد النهابر نهبر وإن لم ينطق به) ليس بصحيح. بل الصحيح أن واحدها (نهبور) على ما ذكره أهل اللغة؛ لأنهم جعلوا النهابر التي هي المهالك مستعارة من النهابر التي هي الرمال المشرفة، وواحدها (نهبور).
وأسأت العبارة بقولك: (لا يعرف جهات حلها وحرمتها)، وكان الصواب أن تقول: (وحرمها)، لأنه يقال: حل وحلال، وحرم وحرام.
وأخطأت أيضا في تنظيرك نهاوش في كونها جمعا لواحد لم ينطق به، بقولهم: ملامح، وأباطيل، وكان حقك أن تنظرها بـ (عباديد) ونحوه مما لم ينطق له بواحد من لفظه ولا من غير
[ ٢ / ٧٩٢ ]
لفظه. ألا ترى أن (ملامح) لها واحد مستعمل من لفظها وهو (لمحة)، وكذلك (أباطيل) واحده المستعمل (باطل)، وكذلك (مشابه) واحده المستعمل (مشبه) [١٦٤/ب]، وإن كنا نقدر أن واحد الجموع من جهة القياس ليس هو هذا المستعمل، إلا أنه وإن كان الأمر على ذلك فلابد أن يقال: إن هده الآحاد لهذه الجموع، وإن هذه الجموع لهذه الآحاد، من جهة الاستعمال.
ألا ترى أن أبا علي الفارسي قال في كتابه (العضدي): (هذا باب ما بناء جمعه على غير بناء واحده المستعمل. وذلك: باطل وأباطيل، وحديث وأحاديث، وعروض وأعاريض)؟ ولم يختلف أحد من العلماء في أن أعاريض وأحاديث واحدها عروض وحديث من جهة الاستعمال، كما أن قولهم: (ليال) جمع ليلة من جهة الاستعمال، وإن كان في التقدير كأنه جمع ليلاء.
ولو قلت إن العرب قد تأتي بجموع لم ينطق بواحدها الذي يجب من جهة القياس لكنت قد سلمت في قولك من الوهم
[ ٢ / ٧٩٣ ]
والإلباس.
ثم أسألك أولا: ما معنى قولك في صدر مسألتك: (فأول ذلك أن تعلم أن نهوشا واحد قدر [أنه] جمع على نهابر) فإنه كلام لم يستعمله من أهل الجهل والغباوة إلا من ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وأقول: إن الرد الذي رد على أبي نزار في (نهاوش) ما ضربه قائله إلا جدلا ولم يسلم فيه من الإنصاف سبلا؛ لأنه تكلم على هذه اللفظة، وجعل لها مخرجا على تقدير وجودها وصحة ورودها، فكان وجه الرد عليه أن يبين أنه أخطأ في ذلك، وأن لها معنى غير ما ذكر، لا أن يقال له: ليس الإشكال في شيء سوى صحتها، وإن الواجب ألا تتكلم فيها إلا بعد ثبوتها؛ وهذا كلام لا يخفى ما فيه من الجور.
[ ٢ / ٧٩٤ ]