قال أبو جعفر: كيف تقول: إن سارا ساره حديثك كلامك؟ قال أبو العباس: تقدير هذه المسألة: إن حديثك سار ساره كلامك. قال أبو جعفر: هذا التقدير خطأ بإجماع النحويين، لأنهم قد أجمعوا أنه لا يفرق بين (إن) واسمها إلا بالظرف، أو ما قام مقامه. فإن قال قائل: إني أقدم (حديثك) وأجعله يلي (إن) قلت: هذا فرار من المسألة، ومجيء بمسألة أخرى. وأيضا فإنه لم يقدر في جواب تقدير المسألة فيفهم ما بناه عليه من الجواب
قال: أما قوله: (إن هذا التقدير خطأ) فعلى خلاف ما ذكر، إذ كنا لم نفرق بين (إن) وبين اسمها في حال التقدير، وإنما كان تفريقنا بينهما في حال الإلقاء، والتقدير صواب.
وأما قوله: إن هذا التقدير أيضا خطا، فهذا خطأ، وقد كان يجب أن يبين من أي وجه كان خطأ؛ لأن الفائدة في
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الحجة لا في الدعوى.
قلت: قوله: (لم نفرق بين (إن) وبين اسمها في حال التقدير وإنما كان مفرقا في حال الإلقاء) ليس كما قال، ولم يجب عن المسألة بشيء على ما ألقينا، ولم يقل هي صواب ولا خطأ. وقد كان يجب أن يبين من أي وجه كان خطأ، وقد بيناه بقولنا: إنه لا يفرق بين (إن) وبين اسمها إلا بالظرف أو ما أشبهه.
قال: قد بينا أنا لم نفرق، بل رددنا كل شيء إلى حقه.
قلت: قوله: (بل رددت كل شيء إلى حقه) ادعاء، ولم يقل في المسألة من غير تقديم ولا تأخير شيئا.
قال: قد قلنا: إنها صواب على التقدير الذي قدرناه، وأعربناها على ما تستحق من الأعراب وبقي عليه أن يبين من أين صار تقديرنا خطأ.
قلت: قوله: (قد أعربناها على ما تستحق من الإعراب) ليس كما قال؛ لأنه أجاب عن مسألة أخرى، وجوابه أيضا خطأ؛ لأنه قال: إن حديثك سار سره كلامك، فإذا نصب الحديث بـ (إن) فما معنى قله: سار ساره؟ وما معنى هذا الكلام؟ ونحن نريد
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الجواب عن هذه المسألة بلا تقديم ولا تأخير، وهل هي خطأ أم صواب.
قال: ويجوز في هذه: إن سارا ساره حديثك كلامك؛ على أن تجعل سارا اسم النعت، وأقيم النعت مقام المنعوت وتجعل (كلامك) خبر (إن)، كما تقول: إن ضاربا ضاربه زيد عمرو، كأنك قلت: إن رجلا ضاربا يضربه زيد عمرو.
قلت: هذا الجواب خطأ؛ لأنه زعم أنه أقام النعت مقام المنعوت، وإنما التقدير: إن شيئا سارا، فكيف يجوز أن تعود الهاء على مالا يعرف؟ فكلامه هذا لا يحصل منه شيء؛ لأنا لو قلنا: إن شيئا سارا ساره حديثك كلامك لم يكن للكلام معنى، ففي استحالته من أنه لا يعرف معناه كفاية عن أن يرد.
قال: ويجوز فيها أيضا: إن سارا ساره حديثك كلامك، على أن تجعل (ساره) نكرة موصولة، وتكون اسم (إن)، ويكون الكلام بدلا من الحديث ويضمر الخبز، كما قال الأعشى: [١٣٢/]
[ ٢ / ٦٢٥ ]
إن محلا وإن مرتحلا
كأنه قال: إن محلا لنا. وكذلك أراد في هذا: إن سارا من قصته، ومن شأنه لنا؛ فهذا وجه.
قلت: من أعجب ما في هذا الانتقال من جواب إلى جواب، وترك الثبات على جواب واحد؛ أو القول في أول وهلة: إن هذه المسألة فيها وجوه. ومن أعجب ذلك قوله: (نكرة موصولة)، وقد عرفنا النحويون الأسماء الموصولة وهي التي لا تتم إلا بصلة، وقد علمنا أن الصلة إنما تكون أشياء معلومة.
قال: ويكون الكلام بدلا من الحديث، كما قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فزعم سيبويه أن (تعشو) بدل من (تأته).
قلت: هذا كذب على سيبويه، وكسر للشعر، ولحن في الإعراب؛ لأن سيبويه إنما قال: إن (تعشو) في موضع الحال، ولو كان (تعشو) بدلا لكان: (متى تأته تعش إلى ضوء ناره) فلا يتم الوزن، ولو كان هذا، في كلام، لم يجز؛ قال النحويون: لو قلت: متى تأتنا تكلمنا نكلمك، لم يجز؛ لأن قولك: (تكلمنا) ليس بإتيان فلا يكون بدلا، وكذلك قوله: تعشو، ليس بإتيان؛ لأن معنى تعشو: تفعل ذلك من غير أن يكون بك عشاء. يقال: عشا يعشو: إذا تعاشي؛ قال ﷿: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيضا له شيطانا﴾.
قال: الصلة عندنا على نوعين، كما قال الكوفيون: صلة يتم بها الاسم، وصلة يستغنى عنها، وإنما هي زيادة في التبيين، على أن البصريين قد سموها أيضا صلة.
وأما قوله: (متى تأته عشو)، فإن هذا يجوز أن يكون بدلا لو
[ ٢ / ٦٢٧ ]
لم يكن في شعر، فإن أردت ما يتم به [١٣٢/ب] الوزن فبقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
و(تعش) إن جزمته في الكلام صار بدلا؛ لأن الإتيان بمعناه، وإن أردت الحال قلت: (تعشو) كما قال الشاعر يريد: عاشيا.
قلت: أما ادعاؤه أن الأسماء الموصولة تنقسم قسمين فيحتاج إلى أن يبين القسمين. فإن كان قول أحد من المحققين عرفناه. وكيف يجوز أن يكون اسم موصول يستغني عن صلة، والصلة في الموصول بمنزلة الدال من زيد، فهل يجوز ان يستغنى عن الدال من زيد؟.
وأما قوله في البيت: إنه يجوز: متى أته تعش، فخطأ لما بينا، ثم تدارك قوله بأن قال: إنه يجوز في الكلام، وقد بينا أنه
[ ٢ / ٦٢٨ ]
لا يجوز في كلام ولا شعر.
قال: هذا كلام فيه تطويل لا ينتفع به، ولكنا نرد منه ما يستحق الرد.
أما قوله: (إن الصلة بمنزلة الدال من زيد، فلذلك لا يجوز حذف الصلة) فإنا قد وجدنا النحويين يقولون: إن المضاف داخل في الاسم، وقد وجدناهم يستغنون عنه، مثل قولنا: هذا غلام زيد، وهذا غلام فاعلم، فجائز أن يكون بعض الموصولات على هذا السبيل في الاستغناء عن صلته والمجيء بها للتبيين.
قلت: أما قوله: (هذا كلام فيه تطويل) فانقطاع لما تبين عليه من الخطأ؛ لأنا لم نزد على الرد عليه فيما قال وتبيين ذلك.
وأما تشبيهه المضاف إليه بالصلة، فلا يشبه المضاف إليه الصلة من هذه الجهة؛ لأن المضاف إليه وإن كان لا ينفصل فإن الأول قائم بنفسه، وليس كذلك الأسماء الموصولة.
وأما معنى احتجاجه بقول النحويين: إن المضاف داخل في المضاف إليه، فهذا لا يشبه من الصلة [١٣٣/آ] والموصول شيئا؛ لأن الموصول لا يقوم بنفسه، والمضاف يقوم بنفسه.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
قال: أما قوله: (إن الموصول غير قائم بنفسه، والمضاف قائم بنفسه) فقد عرفناه مرة أن الموصول منه ما يقوم بنفسه، ومنه مالا يقوم بنفسه.
وأما قوله: (وكيف بشبه المضاف وهو يقوم بنفسه، والموصول لا يقوم بنفسه)، فإنا لم نقل: إن المضاف أشبه الموصول الذي لا يقوم بنفسه بل أشبه الموصول الذي يقوم بنفسه، وجاز أن تحذف الصلة منه
قلت: قوله: (إنما لم نقل: إن المضاف أشبه الموصول الذي لا يقوم بنفسه) خطأ؛ لأن الموصولات كلها لا تقوم بنفسها ولا تقيد إلا بصلتها. ولو كانت تقوم بنفسها لما احتجنا إلى الصلة، وهل يخلو قولنا: مررت برجل ظريف، من أن يكون قولنا (ظريف) نعتا، أو صلة فإن كان نعتا فقد ناقضت قولك، وإن كان صلى فقد أخطأت؛ لأن الصلة لا تكون اسما واحدا، وإنما تكون مبتدأ وخبرا، أو فعلا وفاعلا، أو ظرفا، أو شرطا وجوابه، وقولك (ظريف) ليس مما يكون صلة؛ لما ذكرنا.
قال: أما قوله: ماحاجتنا إلى الصلة والاسم يقوم بنفسه؟ فإنما وصلناه زيادة للتبيين.
وأما قوله: إنه لا يخلو النعت عنده من أن يكون صلة، أو
[ ٢ / ٦٣٠ ]
غيره، فإن النحويين قد يمنعون الشيء من طريق التسمية، ولو سمى النعت مسم صلة، في قولك: مررت برجل ظريف، ومررت بزيد الظريف؛ ومررت بزيد الظريف؛ ما عنفته في ذلك.
قلت: قوله: (لو سمى مسم النعت ما عنفته في ذلك) قول لا نعلم أحدا قال به. وهل يطلق أحد أن تغير الأسماء، وأن يغير ما اصطلح عليه النحويون من المصادر وغير ذلك مما عرف ولا يجوز تغييره!؟. فكيف يجوز أن يسمى النعت [١٣٣/ب] صلة؟ فإن كنت أنت سميته صل احتجنا أن نعرف قولك حتى نحكي عنك؛ لأن التسمية ليست إلينا.
قال: السؤال أحب إلينا من التطويل في هذا الباب إذا كان قد مضى ما فيه كفاية.
قلت: هذا الكلام لا يوجب اعتذارا من اللحن في هذه المسألة.
وجواب هذه المسألة أن تقول: إن سارا ساره حديثك كلامك، والتقدير: إن قولا سارا رجلا ساره حديثك كلامك، فـ (سار) منصوب لأنه نعت لـ (قول)، و(قول) اسم (إن)، وقولك (ساره) نعت لـ (رجل)، و(رجل) منصوب بوقوع (سار) عليه، و(حديثك) مرفوع بقولك (ساره)، و(كلامك) خبر (إن)
[ ٢ / ٦٣١ ]
قال محمد بن بدر:
هذا نص ما ذكرته عن خصمك، وارتضيته من قولك، وليس فيما عبت عليه شيء ينكره العلماء ولا يعدل عنه الفهماء.
وأما قوله حين قال لك: (تقدير هذه المسألة: (إن حديثك سار ساره كلامك): هذا التقدير خطأ)؛ ثم قلت في آخر هذا الفصل حين انفصل وألزمك ما لم تنفصل عنه مما نصصته ليقف عليه من تأمله: (ولم تجب عن هذه المسألة بشيء على ما ألقيته، ولم تقل هو صواب ولا خطأ) وعلى أي شيء يعمل، أعلى قولك: هذا التقدير خطأ؟ أم على قولك: ولم تجب عن هذه المسألة بشيء؟ وآخر الفصل قولك: (ونحن نريد الجواب عن هذه المسألة بلا تقديم ولا تأخير، وهل هي خطأ أم صواب) = ففيه دليل على أن ما تقدم من كلام خصمك لم ترضه ولم تسخطه لطلبك الجواب.
ثم قلت: فقال: (ويجوز في هذه المسألة: إن سارا ساره حديثك كلامك، على أن تجعل سارا اسم (إن) وتقيم النعت مقام المنعوت، وتجعل (كلامك) خبر (إن)، كما تقول: إن ضاربًا
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ضاربه زيد عمرو) فأنكرته وهو صحيح [١٣٤/آ] بمنزلة قولك: مررت بضارب يكلمه زيد، فهكذا: مررت بسار سره زيد، وساره زيد، على ما قال. وقد يكون أراد: إن سارا ساره كلامك حديثك فترفع ساره لأنه خبر الابتداء، ويكون الابتداء (كلامك) والجملة وصف لسار، والهاء عائدة على (سار) في الموضعين جميعا؛ كما نقول: مررت برجل كلامك ساره؛ وهذان الوجهان لا يمنعهما أحد من النحويين.
وأما قولك: (فكيف يجوز أن تعود الهاء على مالا يعرف) فهذيان؛ لأنه لم يقل لك: إنها تعود على ما لا يعرف ولا ادعاه، وإنما تأولته عليه قولته إياه. وهذا كقولهم: مررت بمعجب أخاك، فلا شك أن معجبا عمل عمل الفعل، وأن ثم إضمارا استغني عن إظهاره؛ لأنه جار على صاحبه وصاحبه محذوف، كقول امرئ القيس:
وظل طهاة اللحن من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل
فههنا إضمار موصوف قام (منضج) مقامه، وهو كثير في
[ ٢ / ٦٣٣ ]
اللغة، قال لبيد:
وكثيرة غرباؤها مجهولة ترجى نوافلنا ويرهب ذامها
وقال مبشر بن هذيل الشمجي، من شمج فزارة:
يتبعها مطرح همات
لو مات كان ضائعا مماته
وقال آخر:
وهبته من سلس نطاقها
كأنما ساق غراب ساقها
سائلة الأصداع يهفو طاقها
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وقال عبد بني الحسحاس:
فلو كنت وردا لونه لعشقنني ولكن ربني شانني بسواديا
فالموصوف محذوف في كل هذا، والمضير عائد عليه؛ فإن لم تقل: ثم محذوف خالفت أهل اللغة أجمعين، وإن أقررت به لزمك ما أنكرت من قول خصمك.
ثم قلت: (وأعجب ما في هذا الانتقال من جواب إلى جواب)، وهذا كلام من لا يعرف ما الانتقال في المناظرة.
وإنما قوله: (ويجوز) إخبار [١٣٤/ب] عن الوجوه الجائزة في المسألة، لا أنه انتقل إلى مسألة غيرها. وهذا كقول الرجل: ضرب زيد عمرا، وضرب عمرا زيد، فليس هذا انتقالا، وليس على الخصم أن يجيب بما يشتهيه خصمه وإنما يجيب بما يراه صوابا ويعمله منساغا.
ثم قلت: (وأعجب من ذلك قوله: (نكرة موصولة)، وقد كان عرفنا النحويون الأسماء الموصولة، وهي التي لا تتم إلا بصلة) وليس في تعريفهم الأسماء التي لا تتم إلا بصلة بمانع لنا أن
[ ٢ / ٦٣٥ ]
نصل غيرها، وإنما غرضهم أن يعرفوا الأسماء التي لا نجدها إلا موصولة، وغيرها قد يوصل ولا يوصل.
ثم قلت: (وكيف يجوز أن يكون اسم يستغني عن صلة، والصلة من الموصول كالدال من زيد) وهذا كلام من لا يدري ما معنى الصلة، وكيف استعمالها؟!.
قال محمد بن بدر: أجمع النحويون على أن قولك: (أكل زيد كثير الطعام) لا يجوز؛ لأنه فرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء؛ فالطعام من (أكل) كالدال من (زيد). وأجمعوا على أن قوله: (أكل زيد كثير) جائز، فلو كانت كل صلة بمنزلة الدال من زيد لما جاز هذا الكلام ولو تعلمت الصلات لشغلك عن الفكر في مثل هذه الرسالة.
وقد قال النحويون: ضمير متصل ومنفصل، أفتراه من الصلات التي أشرت إليها؟ وقالوا: (ما)، في قوله ﷿: ﴿فبما رحمة من الله﴾، صلة، وكذلك (لا) أفتظنها من ذلك؟. وسمى النحويون نعت النكرة صلة فقالوا: الاسم يوصل بالاسم وبالصفة، فالاسم: مررت برجل قائم، والصفة: مررت برجل في الدار؛ وسموا أيضا الحال صلة للفعل.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
قال محمد بن بدر: وصفات النكرات، والأخبار، وصلات الأسماء التي لا تتم إلا بها شيء واحد لا فرق بينها. وذلك أن تقول: مررت برجل في الدار، وزيد في الدار، وهذا الذي في الدار، ومررت برجل يحب الخير، وزيد يحب الخير [١٣٥/آ]، ومررت برجل وجهه حسن، وهذه التي وجهها حسن، وزيد وجهه حسن؛ لا فرق بين هذه الأنواع الثلاثة في المعنى. وقد سوى سيبويه بينهن أيضا في حذف الضمير، مثل قولك: الذي ضربت زيد، تريد: ضربته، وزيد ضربت، تريد: ضربته، وهذا رجل ضربت، تريد: ضربته؛ وأنشد:
قد أصبحت أم الخيار تدعي على ذنبا كله لم أصنع
وأنشد:
[ ٢ / ٦٣٧ ]
فما أدري أغيرهم تناء وطول العهد أم مال أصابوا؟
يريد: أصابوه.
فالأمر في هذا أوسع مما تحسب، وليس الغرض في العلم إلا إصابة المعنى لا التعلق بالألقاب؛ فإن المعاني ربنا اشتركت والألقاب مختلفة. ألا تراهم سموا (ما آكل زيدا، وما أضربه) تعجبا؟ وسموا أكولا وأكالا ومفضالا مبالغة، المعنى واحد؛ إلى هذا يذهب سيبويه، واستدل بامتناعهم من التعجب من هذه الأمثلة لأنها بمعناه. ألا تراهم يفرقون بين نصب الاسم على المدح والذم والترحم، ومخرج الإعمال واحد، والتقدير سواء، والمعاني مختلفة؟!! وهكذا يقولون (الترخيم) في النداء والتصغير والمعنى مختلف، وكذلك (الإضافة) يعنون بها النسب، ويعنون بها إضافة الملك أو الجنس؛ وهذا كله لا معنى للتعلق بالألقاب فيه.
قال محمد بن بدر:
وحكيت عنه- ولست بصادق- أنه حكى عن سيبويه أن قول
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
أن (تعشو) بدل من (تأته) وقلت: (إن هذا كذب على سيبويه وكسر للشعر، ولحن في الإعراب، ولو كان (تعشو) بدلا لكان (تعش) فلا يتم الوزن) وكيف يجوز أن يكذب المسلم ولم يقم على كذبه دليل؟ وإنما يطلق عليه التكذيب من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون نفس الكلام كذبا في عقول السامعين، كرجل حكى عن نفسه، وهو بمصر، أنه كان في غدوة يومه ذلك بخراسان، أو ما أشبه ذلك.
أو [١٣٥/ب] يخبر عن رجل بخبر يأتي التواتر عن ذلك الرجل بأنه لم يقله، وكرجل حكى عن عمر ﵁ أنه كان يصلي الظهر قبل الزوال، أو كنحو ما ادعيت أنت عن ابن قتيبة أنك قرأت كتب أبيه عليه فدفعه وأنكره.
أو يكون قبول ذلك الخبر يبطل أصول من اعتقده للخبر عنه، كرجل حكى عن الأطباء أنهم قالوا: السمك واللبن ينفعان
[ ٢ / ٦٣٩ ]
من الفالج ويزيلان البرص، وأن الكمأة والباذنجان والكبر ينفعن من السوداء.
وليس في ظاهر خبر خصمك ما يدل على كذبه، ولا جاء تواتر، ولا يجوز تواطؤ بخلاف خبره؛ فيحكون عن سيبويه أنه قال ما قلت هذا، اللهم إلا أن تقول: لم يذكره في كتابه، فليس كل ما لم يذكره في كتابه لا يقوله. وقد عرفنا جوازه في اللغة؛ فليس القائل بأن (تعشو) بدل يناقض أصلا ذهب إليه سيبويه. ألا ترى أنه ينشد البيت على وجهين وثلاثة نحو إنشاده:
فما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزارة الشعري رقابا
وروى: الشعر الرقابا.
وروى أيضا:
[ ٢ / ٦٤٠ ]
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
ولا قاصرا، ولا قاصر، وأكثر كتابه على هذه.
وأما قولك: (إن (تعشو) ليس بإتيان) فليس كما قلت؛ لأن العشو هو الإتيان في الوقت الذي ليس بشديد الظلمة. والإتيان والقصد والعشو كله قصد، إلا أن العشو هو ما خبرنا به.
والدليل على ذلك أنهم [١٣٦/آ] لا يقولون للجالس: هو يعشو، ولا للمقيم، إنما يقال للقاصد: هو يعشو في هذا الوقت؛ فقد صار بمنزلة هو يقصد، ويأتي، ويؤم، وما أشبهه. وليس هذا بأبعد من قوله:
إن على الله أن تبايعا تؤخذ كرها وتجيء طائعا
[ ٢ / ٦٤١ ]
فجعل (تؤخذ) وهو لم يسم فاعله، بدلا من (تبايع) وهو للفاعل، وكذلك (تجيء)، والأخذ والمجيء نوع من المبايعة.
وأما قول: (إن تعشو بمعنى تعاشى) فهذا لا يعرف في كلام العرب، لا يكون فعل بمعنى تفاعل، إنما تفاعل على وجهين:
إما أن يكون من شيئين فصاعدا، نحو: تضاربا وتضاربوا، أو يكون لمن يريك أنه في حال وليس فيها، نحو قولهم: تباله، وليس به بله؛ قال الراجز:
آمنت بالله وكذبت البصر إذا تخازرت وما بي من خزر
ولا يكون هذا للواحد إلا أن يأتي مسموعا فيحفظ، نحو قولهم: تناولت، وطارقت النعل، وعايرت الميزان. وأما أن يكون فعل بمعنى تفاعل، فهذا ليس في اللغة، وقد كان ينبغي أن تحكيه عن قائل إن كنت صادقا.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وأما قولك: (إنه كسر للشعر) فمتى كان الشعر من عملك أو ولج في عقلك، أو انساغ في طبعك، أو أقمت له وزنا، أو عرفت له معنى؟ ولا فرق بينه، عندك، وبين سائر الكلام، وهذا من تعاطيك مالا تحسن، واعتراضك بما لا تتقن، ودخولك فيما يعنيك، وتحققك بما ينافيك.
والمشهور عنك أنك تكسر الشعر الكسر القبيح، فتنقص منه الجزء، تزيد فيه الجزء، وأنت لا تشعر. ومن البلية أنك لا تدري أنك لا تدري، وإنما سبيلك في هذه الصناعة سبيل الإسكاف الأدرد أو الفيج [١٣٦/ب] المقعد، أو الدليل الأكمه والخطيب الأبكم. وأخبرني الثقة عنك أنه اجتمع معك في مجلس بعض الرؤساء فقرأت أنت بيتا مشهورا في كتاب سيبويه، وجعلت تعجبه من خطأ كاتبه، وكان كتابه:
ثلاث كلهن قتلت عمدا
[ ٢ / ٦٤٣ ]
فقال لك: فكيف هو؟ فقلت أنت: إنما هو:
ثلاث كلهن قد قتلت عميدا
وأخبرني الثقة أنه أنشد أبياتا- وأنت حاضر- وهي:
أنت إلف الفتون لي فاكحلي أو تمرهي
قادني نحوك الهوى طائعا غير مكره
قلت للعاذلين فيـ يك مقال المدله:
اعذلوا كيف شئتم لست عنها بمنتهي
فقال لك: من أي جنس هذا الشعر؟ فقلت: إن شئت جعلتها بيتين كبار، وإن شئت جعلتها أربعة صغار، بهذا اللفظ، فمن كانت هذه منزلته في العلم لم يسعه أن يتكلم فيه.
قال محمد بن بدر: وليس قوله:
[ ٢ / ٦٤٤ ]
متى تأته تعش إلى ضوء ناره
مكسورا إلا عند مثلك ممن يجهل ولا يعلم إنه يجهل. بل هو صحيح، وهو من الطويل، وهذا تقطيعه:
متى تأتهي تعش إلى ضوء نارهي
فعولن مفاعيل فعولن مفاعلن
ويسميه العروضيون مكفوفا بسقوط سابعه الساكن. ومثله قول امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح ولاسيما يوم بدارة جلجل
وقال جابر التغلبي:
ألا تستحي منا ملوك وتتقي محارمنا لا يبؤ الدم بالدم
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وأنشد سيبويه: (ألا تنتهي عنا).
قال محمد بن بدر: وللعروضيين شواهد في الكف من الشعر لم نأت بها لنريك أنه فاش في أشعار العرب غير منكر.
وأما جوابك الذي أختره في هذه المسألة فقلت: (إن سارا سره حديثك كلامك، والتقدير: إن قولا سارا رجلا ساره [١٣٧/آ] حديثك كلامك، فـ (ساره) منصوب لأنه نعت لـ (قول)، و(قول) اسم إن، و(ساره) نعت لرجل [ورجل] منصوب بوقوع (ساره) عليه، و(حديثك) رفع بقولك (ساره) و(كلامك) خبر إن) فهذه المسألة، على هذا الجواب، خطا من وجهين:
أحدهما أنك دخلت فيما أنكرت على خصمك في الهاء التي في (ساره)؛ لأنك قلت: (تعود على ما لا يعرف) ولا يجوز
[ ٢ / ٦٤٦ ]
عندك، زعمت ذلك. وقولك: إني إنما أضمرت قولا، وليس في اللفظ ما يدل على أن (سارا) تريد به قولا دون غيره. وقول خصمك: إنه أضمر (شيئا) أصح من قولك؛ لأن شيئا يقع على كل مدرك.
والخطأ الثاني الذي أطلت فيه الغيبة، وأتيت بالخطيئة: أن جعلت اسم (إن) نكرة وخبرها معرفة؛ وهذا لا يجوز في الكلام وقد منع النحويون منه، إلا إن اضطر إليه شاعر، هكذا أثبتوه في كتبهم. وقد ذكر المبرد فقال: (ولا يصلح: إن منطلقا زيد إلا في شعر، على قبح) واستشهد ببيت القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضياعا ولا يك موقف منك الوداعا
لأنه لم يجد في الشعر اسم إنك نكرة وخبرها معرفة، وإنما أجازه قياسًا.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فإن اعترض علينا معترض، فألزمنا إجازة ذلك، واستدل بقوله ﷿: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا﴾ = فالجواب عن ذلك أنه إنما يجوز هذا إذا اجتمعت فيه ثلاث خلال: إحداهن: أن يكون الاسم نكرة إذا ذكر دل على مخصوص معين لا يشركه في ذلك الاسم المنكور غيره، فيحل محل اسمه الذي هو علامة له وإن كان لفظه لفظ النكرة. والأخرى: أن يكون مخرج الكلام التعجب في التفضيل في المعنى المقصود إليه. والأخرى: لزوم اللام للخبر، وذلك نحو قول القائل: إن امرءا خلقه الله بيده [١٣٧/ب]، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته= للكريم عليه، فكأنه قال: إن آدم للكريم على الله؛ وكأنه قال: إن الكعبة للبيت الذي بمكة. ويجوز أن يكون (الذي)، وإن كانت الألف واللام لا تفارقه أنه، بمنزلة الاسم الذي تكون فيه الألف واللام، فيتكلم به على نية إسقاطهما، نحو قولهم: ما يحسن بالرجل مثلك يفعل كذا وكذا، وإنما هو: ما يحسن برجل مثلك. وعلى هذا قرأ القراء ﴿ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة﴾ على نية إسقاط الألف واللام من
[ ٢ / ٦٤٨ ]
الواقعة كأنه قال- والله أعلم-: إذا وقعت واقعة خافضة رافعة ليس لوقعتها كاذبة. وعلى هذا قالوا: هم فيهما الجماء الغفير على نية إسقاط الألف واللام. وقال الشاعر:
وتفرقوا شيعا فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر
وله أيضا أشباه في اللغة ونظائر. وفيه انفصالات وأجوبة غير ما ذكرنا، وفيما شرحنا مقنع لمن كان غرضه الإنصاف؛ لموافقة كتاب الله جل وعز، وكلام العرب، وصحة المعنى؛ وبالله حسن التوفيق.
[ ٢ / ٦٤٩ ]