قال أبو نزار: قال سيبويه: لو بنيت من (شوى) مثل (عصفور) لقلت: (شووي). ووجه مذهبه أن الأصل: (شويوي)، لا خلاف فيه، فهو يقلب الياء الأولى واوًا، كما يفعل في (رحى) فإنه (رحوي)، ثم يفتح الواو قبلها، وما قبلها واوًا إلا معتزمًا كسرها، كما في النسب، فلما فعل ذلك انقلبت الواو التي بعدها ياء. وهذا لا يليق بصنعة البناء، ولا يجوز أن يتظاهر بهذا من له صنعة تامة وقوة في علم التصريف، والذي ذكره سيبويه لا يشهد له أصل، ولا يناسب الصنعة، وإنما هو تحكم منه.
والصحيح أن يقال إن الأصل: (شويوي)، ويجب أن يمضى القياس في قلب الواوين يائين، لاجتماعهما مع اليائين وسبقهما بالسكون، فصار إلى (شيء) فاختزلت حركة الياء
[ ٢ / ٨١٨ ]
الثانية، وهي الضمة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم حذفت الياء الأخرى، لأنه بقي ساكنان أيضًا، فبقي (شيء) فقلبت الضمة التي على الشين إلى الكسرة، فصارت إلى (شيء)، كما فعلوا في (بيض) جمع (أبيض)، وإنما هو (بيض)، بضم الباء، ثم كسرت الباء لمجاورة الياء.
فإن قيل: فقد أجحفت بالكلمة بهذه الحذوف قلت [١٧٠/ ب]: العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم الكلمة، وشواهد ذلك كثيرة.
قال الراد عليه: يا هذا!! لقد خضت بحرًا لست من واضه، وركبت جامحًا لست من رواضه. إنك قلت هذه المسألة عن سيبويه فحرفت وجزفت، وأحلت؛ إذ عليه بخطائك أحلت. وأنا أنص كلام سيبويه، ثم أظهر بعد ذلك فساد ما ذهبت إليه، وأوجه هذه المسألة على الوجه الصحيح المطرد الجاري على طريق كلام العرب بمشيئة الله وعونه.
[ ٢ / ٨١٩ ]
أما نص كلام سيبويه فيها فهو: (وتقول في فعلول من (شويت) و(طويت): شووي وطووي، وإنما حدها، وقد قلبوا الواوين: طيي وشيي، ولكنك كرهت الياءات كما كرهتها في (حيي) حين أضفت إلى (حية) فقلت: حيوي). وهذا كلام قد جمع مع لاختصار البيان، واستغنى عما أوردته في توجيهك، بزعمك، من الهذيان!!.
أمل قولك: (والصحيح في هذا، شويوي، ويجب أن يمضى في القياس في قلب الواوين ياءين، فيصير: شيي، ثم تختزل حركة الياء الثانية، وهي الضمة، ثم تحذف لالتقاء الساكنين، ثم تحذف الياء الأخرى لالتقاء الساكنين، فيصير إلى: شي، ثم تكسر الشين فيصير إلى: شي، كما فعلوا في بيض) = فإنك صرفت في هذا التصريف عن وجه الصواب، وأتيت فيه بما لا يصدر مثله عن ذوي الألباب، ما خلا قولك: (إن الوواين قلبنا ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون) وهو قول سيبويه الذي بدأنا به.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
ألم تعلم أنه تقرر عند جميع النحويين أن كل اسم كانت فيه ياء أو واو، وسكن ما قبلها، أن حركتها لا تختزل لامًا كانت أو عينًا؟ فمثال اللام قولنا: ظبي، ودلو، وكرسي، وعدو؛ ومثال العين: أبيت، وأعين [١٧١/ آ]، وأدور، وأسوق، وأعينة، وأخونة، ومخيط، ومقول، وربما نقلوا حركة الياء أو الواو إلى الساكن الذي قبلها إذا كان يقبل الحركة، وذلك مثل: معيشة، ومشورة. ولهذا قياس يذكر في التصريف؛ فيعلم بهذا فساد قولك: "إن حركة الياء اختزلت" مع كون ما قبلها ساكنًا، وقد تقرر أنه إذا سكن ما قبل الياء والواو في هذا النحو صحتا. وإنما تختزل حركة الياء إذا انكسر ما قبلها في مثل (القاضي)، فإن الياء تكون ساكنة في الرفع والجر؛ لثقل الحركة عليها مع كسر ما قبلها، ولو سكن ما قبلها لصحت. وكذلك الواو أيضًا تختزل حركتها إذا انضم ما قبلها في مثل "يغزو" والأصل فيها أن تكون متحركة بالضم، إلا أنه كره ذلك فيها لثقل الضمة عليها مع تحرك ما قبلها.
[ ٢ / ٨٢١ ]
وإذا ثبت فساد هذه المقدمة فسد ما بنيته عليها من الحذوف المجحفة الملبسة التي يمنعها جميع النحاة.
ثم قلت: (العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم حروف الكلمة) فليس هذا القول بصحيح على الإطلاق إنما ذلك في مثل الأمر من (وعى) و(وشى)؛ فإنه يرجع إلى حرف واحد، من قبل أن فعل الأمر من كل فعل معتل اللام لابد من حذف لامه؛ وكل واوا وقعت بين ياء وكسرة في مثل (يعد) و(يزن)، فلا بد من حذفها، فالضرورة قادت إلى ذلك. مع زوال اللبس. وأما مثل (قاول) (وبايع) وما يجري مجراه فليست فيه ضرورة موجبة للحذف، كوجوبها في الأمر من وعى، ووشى.
ثم قال الراد: اعلموا أن معرفة هذه المسألة إنما تصح بعد معرفة النسب إلى (حية)، فإذا عرف كيف ينسب إليها عرف كيف يبنى من (شوى) [١٧١/ ب] مثل (عصفور). وذلك أن قياس النسب إلى (حية) يوجب أن يقال فيها على الأصل: (حيي)، فتدخل ياء النسبة المشددة على ياء حية المشددة، فتجتمع أربع ياءات، إلا أن العرب كرهت اجتماع الياءات ففتحوا
[ ٢ / ٨٢٢ ]
الياء الأولى الساكنة، لتنقلب الياء الثانية ألفًا، لكونها قد تحركت وانفتح ما قبلها، فإذا صارت ألفًا على هذه الصورة وهي (حياي) وجب قلب الألف واوًا، لأن ياء النسبة لا يكون ما قبلها إلا مسكورًا، والألف لا تقبل الحركة، وإذا لم يمكن تحريكها وجب أن تقلب إلى حرف يقبل الحركة، وهو الواو، كما فعلوا ذلك في (رحى) و"عصًا"، حين قالوا: (رحوي) و(عصوي)، وإنما لم يقلبوها ياء كراهة اجتماع ثلاث ياءات فقد صار الأصل في (حيوي): (حيي)، ([و(حييي)] و(حياي) ثم (حيوي)؛ فهذا هو الأصل المطرد الجاري في كلام العرب.
وعلى هذا يصح لكم كيف يبنى من (شويت) مثل (عصفور)، وذلك أن حقه إذا جاء على الأصل (شويوي)، ثم يجب قلب الواوين ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون، فيصير (شيي) مثل قولك: (حيي)؛ و(حيي) قد وجب فيه تحريك الياء الساكنة بالفتحة، ثم قلب الياء الثانية ألفًا، ثم قلبها واوًا بعد ذلك إلى أن صارت إلى قولنا: (حيوي). وكذلك في قولهم: (شيي) فتحوا الياء الأولى الساكنة، فلما تحركت عادت إلى أصلها؛ إذ أصلها أن تكون واوًا، لأنها عين الكلمة من (شوى)، وإنما قلبت
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ياءً لسكونها فقلت: (شووي)، ثم قلبت الياء الثانية ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت (شواي)، ثم وجب قلب الألف واوًا لمشابهة الياء المشددة التي بعد الألف الياء المشددة التي للنسب. فلما كانت ياء النسبة تقلب الألف التي قبلها واوًا في مثل " (حوي)، إذا نسبت إلى (رحى)، فكذلك تقلب هذه الياء [١٧٢/ آ] المشددة الألف واوًا وإن لم تكن للنسب؛ لأنها صورتها في مثل هذا الموضع؛ فلذلك قلت: شووي، والأصل: (شيي) ثم (شويي)، ثم (شووي) على مساق الأمر في النسب إلى حية.
فهذا الذي عليه جميع فضلاء النحاة ولم نعلم أن أحدًا منهم تعداه إلى سواه.
[ ٢ / ٨٢٤ ]