سأل أبو العباس فقال: كيف تقول: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة؟
فقال أبو جعفر: في هذه المسألة وجوه: [١٢٥/آ]
أجودها أن تزيد فيها ألفا ولاما، فتقول: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة. وإنما قلنا: إ، هذا أجود الوجوه؛ لأن سيبويه قال: (اعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أكثر وأحسن من أن لا يكون فيه الألف واللام؛ لأن الأول في الألف واللام وغيرهما ههنا على حال واحدة). يعني سيبويه أن الأول لا يتعرف بإدخالك الألف واللام في الثاني. ألا ترى أن قولك: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة أنه لم يتعرف أسهل ولا أشد، فاختير دخول الألف واللام ليكونا بدلا من الهاء، وإن شئت جئت بالهاء فقلت: مرت برجل أسهل خد
[ ٢ / ٥٩٩ ]
غلامه أشد سواد طرته.
قال أبو العباس: في هذه الأجوبة ما قد أحلت فيه، على قول النحويين أجمعين، وليس فيها جواب عما سألناك عنه. وذلك أنا سألناك عنها بلا ألف ولا لام ولا هاء، فزدت فيها ما ليس فيها، وكان ينبغي أن ترد المسألة فتقول: هي خطأ على هيئتها إذا لم يدخل فيها الألف واللام والهاء، وتبين من أي وجه كانت خطأ، أو تجيب فيها إن كانت صوابا على هيئتها كما ألقيت.
قال أبو جعفر: أما قولي: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة، فهو بمنزلة قولك: مررت برجل أحمر خد الغلام، وما أشبهه هو كثير في كلام العرب. وأنشد سيبويه بيتا، وهو قوله:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ريش القوادم لم تنصب له الشبك
فقوله: (أسفع الخدين) بمنزلة (أسهل خد الغلام).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وأما قولي: (مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) فأسهل مرفوع بالابتداء، وخد غلامه خبرة، والجملة في موضع جر، وكذلك الجملة [١٢٥/ب] الثانية؛ كما تقول: مررت برجل أسود غلاه أحمر أبوه. وهذا أشهر من أن يحتاج إلى أن يستشهد له. ونظيره قوله ﷿: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم﴾، على هذه قراءة من قرأ بالرفع، وهو أحسن، وكذلك الرفع في المسألة أحسن، وكذا كل ما لم يكن جاريا على الفعل فهذا حكمه.
وأما قولي: مررت برجل أسهل خذ غلامه أشد سواد طرته، فعلى أن أجعل (أسهل) نعتا لـ (رجل)، وأجعله بمعنى (يسهل) فأرفع خد بأسهل، وكذلك الجملة الثانية؛ كما تقول: مررت برجل أحمر أبوه، والرفع أجود، وإنما جاز أن نجريه على الأول لأنه بمعنى ما هو جار على الفعل، ونظيره القراءة ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾.
[ ٢ / ٦٠١ ]
وأما قولك: إني زدت في المسألة ألفا ولاما وهاء، فقد بينا لم زدنا الألف واللام على مذهب سيبويه وقد ذكرناه.
قال محمد بن بدر النحوي: ذكر أن سيبويه قال: (وكينونة الألف واللام في الاسم الآخر أكثر وأحسن)، ثم جعله في غير موضعه. وإنما الذي ينبغي أن لو جعلها في موضعها- لو كان من أهل العلم- لعرف الموضع الذي تجعل الألف واللام في الآخر منه دون مالا تجعلان فيه.
قال سيبويه: (وتقول فيما لا يقع إلا منونا عاملا في نكرة، وإما وقع منونا لأنه فصل بين العامل والمعمول، فالفصل لازم له أبدا: مضمرا أو مظهرا، وذلك قولك: هو خير منك أبا، وأحسن منك وجها وإن شئت: هو خير عملا، وأنت تريد منك) فالفصل الذي قال: هو لازم أبدا في الإضمار والإظهار هو (من)، وأكده بأن قال: (ولا يعمل إلا في نكرة؛ لأنه لم يقو قوة الصفة المشبهة)، هذا نظير كلامه؛ وأين حكايتك عنه: (إن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من أن لا يكونا فيه)، وقد قال: إنه لا يعمل إلا في نكرة، والنكرة سواء كانت مفردة أو مضافة؛ لأنا نقول: هذه عشرون مثقالا، وعشرون مثقال مسك،
[ ٢ / ٦٠٢ ]
فلا يتغير عن أن يكون تمييزا. فقولك (أسهل) كقولك (أحسن)، [١٢٦،آ] وقولك (وجها) كقولك (خد غلام) كما كان (عشرون مثقالا)، و(مثقال مسك) سواء.
والصفة المشبهة بالفاعل هي الأوصاف التي تكون خصالا، أو ألوانا، أو خلقا في الموصوفين، ولا تكون أعمالا لهم، نحو: كريم وكريمة، ولئيم ولئيمة، وأحمر وحمراء، وأعرج وعرجاء. والفاعل الذي هذا مشبه به نحو: ضارب وقاتل، ومكرم، ومستمع؛ والأول غير عمل يعمله الموصوف، ولا يقع باختياره، والثاني عمل يعمله الموصوف ويقع باختياره. والشبه الذي بينهما في اللفظ أن تقول: مررت برجل حسن الوجه، فيكون كقولك: مررت برجل ضارب زيد؛ ومررت برجل حسن الوجه، فيكون كقولك: مررت برجل ضارب زيدا؛ وكذلك: مررت بامرأة حسنة الوجه، كقولك مررت بامرأة ضاربة زيد، وحسنة الوجه، كقولك ضاربة زيدا، وكذلك: مررت برجل أحمر الوجه، وبامرأة حمراء الوجه، وما أشبهه. وكذلك: مررت برجل حسن وجهه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه؛ فهذه الصفة التي قال سيبويه: (وكينونة الألف واللام في الثاني أحسن وأجود)، إلا أن هذه الصفة لا تعمل إلا فيما كان منها أو من سببها، واسم الفاعل
[ ٢ / ٦٠٣ ]
يعمل فيما كان من سببه وغيره.
فأما ما كان من الأوصاف على وزن (أفعل) يراد به التفضيل ويلزمه الفصل على ما شرطه سيبويه=فإنه لا يعمل إلا في نكرة، وتنصبها على التمييز، نحو: هذا أحسن منك وجها، وأكثر منك مالا؛ وإن شئت قدمت فقلت: أحسن وجها منك، وأكثر مالا، وإن شئت حذفت الفصل وأنت تريده كما قال، فتقول: أنت خير أبا، تريد (منه)؛ قال الله ﷿: ﴿هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ يريد: منهم، وإن شئت حذفت المعمول فيه وجئت بالفصل، فتقول: زيد أفضل من عمرو، ولا يجوز أن تحذفهما جميعا إلا أن يكون ذلك مشهورا في الخلق [١٢٦/ب]، كقولهم: الله أكبر؛ لأنه قد علم أن الأمر كذلك، فكأنه قد نطق بالفصل؛ أو يكون شائعا في أمة، نحو قول الفرزدق:
[ ٢ / ٦٠٤ ]
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعر وأطول
وأنا قول من يقول: إن هذا قد يكون بمعنى فاعل أو غيره، فليس عندنا بشيء؛ لأنه لا نجد عليه دليلا.
فإذا أردت إضافة (أفعل) هذا الذي لتفضيل ومعنى التعجب لم تضفه إلا إلى جمع، والألف واللام تكون جنسا للأول، ويكون الأول بعضا للثاني، نحو قولك: زيد أفضل الرجال؛ ولا تكون الإضافة في هذه الأوصاف التي في هذا المعنى إلا على هذا. ألا ترى أنك لا تقول: زيد أفصل الخيل، ولا فرسك أفضل الناس؛ لأن الناس ليسوا جنسا للفرس، ولا الفرس بعضا لهم، وهكذا جميع هذا. وقد يجوز أن تحذف الألف واللام وبناء الجمع من الجنس استخفافا، فتقول: زيد أفضل رجل، وأنت تريد: أفضل الرجال، كما قلت هذه مائة درهم،
[ ٢ / ٦٠٥ ]
تريد: من الدراهم، وكل رجل، تريد الرجال.
ولا يشبه (أفعل) الذي يكون بلا فصل أفعل الذي يلزمه الفصل، ولا هو منه في شيء؛ لأن الذي لا يلزمه الفصل يثنى ويجمع ويؤنث ويذكر، والذي يلزمه الفصل لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ تقول: زيد أفضل من عمرو، والزيدان أفضل من عمرو، والزيدون أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، وما أشبه ذلك
ولـ (أفعل) الذي يلزمه الفصل جوه كثيرة تدل على أنه ليس من (أفعل) الذي لا يلزمه الفصل بشيء، وليس بها خفاء على من اعتبرها أدنى اعتبار.
والذي يدل على تمويهه أن قوله: (ألا ترى أن قولهم: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة أنه لم يتعرف
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أسهل ولا أشد) فيحتاج إلى أن يعلم من قاله، فإنه كذب لم يقله أحد.
وقوله: (أما قولي: مررت برجل أسهل خد الغلام أشد سواد الطرة فهو كقولك: مررت برجل أحمر [١٢٧/آ] خد الغلام، وما أشبهه، وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه البيت الذي ذكره، وأن أسفع الخدين بمنزلة أسهل خد الغلام) = محال كله.
أما قوله: (هو مثل مررت برجل أحمر خد الغلام، وهو كثير) فكذب. وكان ينبغي أن يذكر من ذلك ولو حرفا واحدا. و(أسهل خد الغلام) لا يقوله أحد لا من العرب، ولا من العجم؛ لما تقدم من الفرق بين أفعل الذي لا يلزمه الفصل، والذي يلزمه وليس (أسفع) مثل (أسهل) لأن (أسفع) إنما الصفة واقعة فيه على الثاني وهو الخدان، والسفعة لهما دون الأول؛ و(أفضل الناس) الصفة هي للأول دون الثاني، والفضل له دون المضاف إليه.
فإذا قلت: (أسهل الخد) فإنما تعني موضعا من الخد، كما تقول: الصدر أجود الدراج، والسرة أطيب الحوت، ووجه أخيك أحسنه. ولو أردت بـ (أسفع) ما أردت بـ (أسهل) لم يجز؛ لأنك
[ ٢ / ٦٠٧ ]
تقول: مررت برجل أسهل خدا من زيد، ولا تقول: مررت برجل أسفع خدا من زيد. وإن (أسهل خد الغلام) معرفة، وقد وصفت به النكرة، ويدل على أن (أفعل) الذي يلزمه الفصل يكون معرفة إذا أضفته إلى الألف واللام أنك لا تدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا الأفضل الناس، ولا: هذا الأسهل خد الغلام، وأنت تقول: هذا الأحمر الوجه، والأسفع الخدين.
وأما البيت فإن سيبويه قال في الصفة المشبهة: إنما تنون فتنصب، ويحذف التنوين فتضيف. ثم قال: (ومما جاء منونا قول زهير:
(أهوى لها )، فذكر البيت على أن الشاهد (مطرق) لا غير؛ كذا قال أهل العلم. وأنشد في آخره للعجاج:
محتنك ضخم شؤون الرأس
قوله: (وأما [١٢٧/ب] قولي: مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته، فأسهل مرفوع بالابتداء، وخد غلامه خبره، وكذلك الجملة الثانية) = يدخله الخطأ من وجوه:
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أحدهما: أنه رفع أسهل بالابتداء، وهو نكرة، وخد غلامه، الخبر وهو معرفة.
وأن أسهل للمفاضلة لا يجوز أن يحذف منه الفصل والمعمول فيه معا، ولا دليل على ذلك.
وأنه جعل الجملتين وصفا للرجل، والجمل- إذا كانت أوصافا، أو أخبارا، أو أحوالا- يعطف بعضها على بعض، فتقول: مررت برجل قام أبوه وقعد، ولا تقول: قام أبوه قعد.
وأنه إن جعل الهاء في (طرته) للرجل أحال.
إنما المراد أن الغلام هو الأسهل الخد الأسود الطرة ليس الرجل. وإن جعلها للغلام أحال؛ لأن الإعراب يصير لحنا ويجوز أن يكون أشد مجرورا ولكن يكون منصوبا كما تقول: هذا رجل أسهد خد غلام أشد سواد طرة، فتجعل أشد منصوبا على الحال، كما قالوا: مررت برجل مقيمة أمه منطلقا أبوها، لا غير.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وقوله: (هذا أشهر من أن يستشهد له) كذب.
قوله: (أما قولي: مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) فعلى أن أجعل أسهل نعتا لرجل، بمنزلة سهل فأرفع خد بأسهل، وكذلك الجملة الثانية) قد أحال فيه؛ لأنه لم يأت لأسهل ولا لأشد بالفصل ولا المعمول فيه ورفع به الظاهر، وإنما سبيله أن يرفع المضمر؛ لأن هذا الوصف الذي للمفاضلة لا يرفع إلا المضمر لا غير. ومثلوه بقولهم: ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عينه، و(ما من أيام أحب إلى الله ﷿ فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة). والكلام على الهاء ههنا كالكلام عليها قبل.
قال أبو جعفر مخاطبا لابن بدر: قلت: قال: فما تقول [١٢٨/آ] الآن في المسألة كهيئتها أحق هي وصواب أم خطأ؟!
قلت: الجواب أن المسألة على هيئتها تجوز على بعد، وإنما أجبنا فيها بالأجوبة الأول التي بينها لنأتي بما هو مشهور لا لبس
[ ٢ / ٦١٠ ]
فيه. وجوابها على قول من قال: مررت برجل حسن وجه؛ لأنه قد علم أنه لا يريد من الوجوه إلا وجهه، فصار المعني: مررت برجل حسن وجهه، ثم حذفت الهاء وأضفت. على هذا تقول: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، على أن المعنى أنه يراد غلامه وطرته.
قال: هذا لحن، من طريق أنك لو أظهرت هذه الهاء التي أضمرتها لكان الكلام بها محالا. وذلك أنهم قالوا: لا يجوز: مررت برجل أحسن وجه أبيه؛ لأنك لا تضيفه إلى نفسه.
وبقي جواب هذه المسألة لا يؤت بشيء منه، وكل ما أتي من الكلام فليس مما يتكلم به على هذه المسألة، وهي جائزة على وجه جيد لا زيادة ولا إضمار ولا نقص، من كتاب الله ﷿؛ وإعراب هذه المسألة: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، كما قال الله ﷿: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا﴾ يريد: (أشد الناس كفرا)، وكذلك لو قال قائل: أشد الناس كفر قلوب لكان على هذا جائزا.
وأما إضمار الهاء فإنه محال، على ما بينا من إضافة الشيء إلى نفسه.
[ ٢ / ٦١١ ]
قلت: قوله (هذا لحن) لا يلتفت إليه إذ كان تشنيعا. واعتلاله بأنك لو أظهرت هذه الهاء لكان الكلام بها محالا من أطرف الكلام؛ لأنه لم يبين م أين صار محالا، وقد أجاز سيبويه: مررت برجل حسن وجه، أفتراه إذا قال: مررت برجل حسن وجهه، فأظهر الهاء يكون الكلام محالا؟! وأنشد سيبويه:
لاحق بطن بقرا سمين
وقوله: إنهم قالوا: لا يجوز: مررت برجل (١٢٨/ب] أحسن وجه أبيه، لأنك لا تضيفه إلى نفسه) فجاء بما لا يشبه ما جرى، وحكى أنه لا تجوز، واعتل في امتناعها بأنه لا يجوز أن تضيف الشيء إلى نفسه، وهذه علة من لا يدري ما معنى إضافة الشيء إلى نفسه. ويبين ذلك أنا إنما أضفنا أحسن إلى الوجه، وأضفنا الوجه إلى الأب، وأضفنا الأب إلى الهاء، والهاء عائدة إلى الرجل؛ فما الذي أضفناه إلى نفسه؟!
والمسألة التي جاء بها وقال: (لا تجوز) جائزة، على مذهب
[ ٢ / ٦١٢ ]
سيبويه. وذلك أنه يجوز أن تقول: مررت بامرأة حسنة وجهها، وزعم أبو إسحاق أن التقدير: مررت بامرأة حسنة الوجه، ثم جئت بالهاء بدلا من الألف واللام، كما أن الألف واللام تقع بدلا من الهاء في قولك: مررت بحسن الوجه والتقدير: بحسن وجهه. وأنشدني أبو إسحاق:
أقامت على ربعيهما جارتا صفا كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
وقوله: (وبقي جواب المسألة لم يؤت بشيء منه) مكابرة وبهت؛ لأني قد جئت فيها بأجوبة.
وأما تشبيهه المسألة بقوله ﷿: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾
[ ٢ / ٦١٣ ]
يعني: (أشدُّ الناس كفرا)، فاجتراء على كتاب الله ﷿، وكلام فيه بغير علم. وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف ويكون معنى كلامه إنه أسهل الناس كلهم خد غلام أشدهم سواد طرة؛ وقد يحتمل أن يراد به وجه بعض الناس فلا يدرى ما حذف، ولا يجوز أن يحذف مالا يعرف.
وأيضا فإنه قد شبه المسألة بقوله: مررت برجل أحسن وجه أبيه فهي على هذا مضافة إلى معرفة فكيف يجوز أن يشبه ما هو مضاف إلى معرفة بما هو مضاف على البيان، والمبين لا يكون إلا نكرة؟.
قال: [١٢٩/آ] هذا الذي ألزمتنيه في حذف (الناس) يلزمك في الآية مثله. وأما قولك: إن هذا لا يشبه الآية من قبل أن البيان في الآية أتى غير مضاف، والبيان في مسألتنا أتى مضافا، فسواء علينا أضفنا البيان إلى نكرة أو لم نضفه؛ لأنه لا يتعرف بالنكرة، فكأنه لم يضف لأنه على كل حال نكرة.
قلت: أما قوله: (هذا الذي ألزمتنيه في حذف الناس يلزمك مثله في الآية) فكيف يلزمني في الآية مثله، وأنا أقول: إن الآية لا
[ ٢ / ٦١٤ ]
تشبه من المسألة شيئا؟. وإنما ألزمناه أن لا يحذف إلا ما يعرف. ألا ترى أنه لا يجوز (زيدا)، وأنت تريد: ضربت زيدا؟ لأن المعنى لا يعرف، وإنما يحذف ما عرف، فكيف يجوز أن يحذف شيء تقع في موضعه أشياء؟ لأنك تقول: أشد الناس، وأشد أصحابه؛ فصار بمنزلة قولك: زيدا، وأنت تريد: ضربت زيدا؛ لأنه لا يعلم ما أضمرت.
قال: هذا كلام مستغنى عن جميعه؛ فالإلزام فيه خطأ. وذلك أن الحذف من المسألة والآية واحد لا فرق، ولم يرنا الفرق، وإنما قال: الحذف إذا لم يكن دليل فهو خطأ، وهذا- لعمري- كلام صحيح غير أنه ليس بمقابل لمسألتنا، ولا فيه دليل على الفرق بين الآية والمسألة.
فأما قوله: إنك إذا قلت: مررت برجل أسهل خد غلام فإنه قد يمكن أن يكون الحذف ههنا لأشياء، كقولك: (أسهل الناس)، وغير ذلك، فهذا سبيل الآية؛ لأنه قد يمكن أن يكون: الأعراب أشد الناس وأشد الأقوام.
قلت: قد تقدم قولنا: إن الآية لا تشبه من المسألة شيئا،
[ ٢ / ٦١٥ ]
وهذا الإلزام الذي ألزمنيه من أنه قد يكون التقدير في الآية: (أشد الناس، أو أشد الأقوام) إلزام يدعيه علي ولم أقله؛ لأني لم أقل [١٢٩/ب]: المحذوف الناس، فيلزمني هذا. وليس من لم يدر معنى يجب أن يشبهها بشيء من الكلام. والذي يوجب معنى الآية- والله أعلم- أن يكون المعنى: الأعراب أشد كفرا من غيرهم، ثم حذف، كما قال ﷿: ﴿وهو أهون عليه﴾، ومثل قولنا: الله أكبر، أي: من كل شيء؛ هذا قول أكثر أهل اللغة. فكذا قوله: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ حذف منه كما حذف مما ذكرنا.
قال: أما قوله: (الأعراب أشد كفرا من غيرهم) فإنها إذا حذفت منها الناس ففيها هذا المعنى بعينه، وليس هذا مما ينقذك من اللحن الذي لحنته في المسألة، ولا بمبطل أن يكون أيضا قد أضمر الناس في هذا الموضع.
قلت: قوله: (إذا حذفنا الناس ففيها هذا المعنى بعينه) تقول؛ لأنا قد بينا أنه لا يجوز أن يحذف إلا ما يعرف.
[ ٢ / ٦١٦ ]
وقوله: (وليس هذا مما ينقذك من اللحن الذي لحنته في هذه المسألة) بهت؛ لأنا قد بينا الأجوبة في هذه المسألة، وجئنا بنظارها من كتاب الله ﷿؛ ومن كلام العرب.
قال محمد بن بدر النحوي: أما ما حكيت عن خصمك من قوله: (فما تقول الآن في جواب المسألة على هيئتها) فإنه يدل على أنه قد علم تخليطك عليه.
فنقول: أما قولك: (مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة) فخطأ؛ لجعلك الطرة للرجل. وأما جواب خصمك حين قال: مررت برجل أسهل خد غلام أشد سواد طرة، فصحيح لما قدمنا.
وأما قولك: (واعتلاله بأنك لو أظهرت الهاء في مررت برجل أحسن وجه أبيه كان الكلام محالا؛ لأنه لم يبين من أين كان الكلام محالا) فلعمري إن الصواب عندك لطريف، ولأنه لا يقول عربي ولا عالم: مررت برجل أحسن وجه أبيه، إذا كان لا يشبه قوله: (جونتا مصطلاهما) وإذا كان لا يجوز أن يقال: مررت برجل أحسن الوجه، للعلة المذكورة عن أهل العلم. فقولك: (مررت برجل أحسن وجه أبيه) أشد إحالة ولو لم نقف على إحالته بالعلم
[ ٢ / ٦١٧ ]
لكان في الفطرة محالا. وقد أنكر كثير من النحويين قوله: (جونتا مصطلاهما) واستبعدوه جدا.
وأما استشهادك على إجازة إضمار الوصف إلى ضمير الموصوف بإجازة سيبويه: مررت برجل حسن وجهه، فأي شيء بين هذا وذاك؟ وهذا مضاف، والمضاف داخل في الأول، وذاك فاعل وهو منفصل منه؛ وإنما قال: لا يضاف الشيء إلى نفسه. وأين المضاف من الفاعل؟
وأما قولك: (قوله: وذلك أنهم قالوا: لا يجوز مررت برجل أحسن وجه أبيه) فهو كما قال؛ لعلتين: إحداهما ما ذكرناه، وإذا أضيف الوصف أو الخبر إلى مضاف إلى ضمير الموصوف أو المخبر عنه فهو كالمضاف إلى عينه لا فرق بين قول القائل: مررت بكريمه، وكريم أبيه في موضوع اللغة، وكذلك إن كان أبعد من هذا، هذا موضوع اللغة. والذي تكلمت به، في
[ ٢ / ٦١٨ ]
الإضافة، دليل عند أهل العلم أنك بمعزل هما هم فيه.
وأما قولك: (وتشبيهه المسألة بقوله ﷿: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ فاجتراء على كتاب الله ﷿، وكلام فيه بغير علم)، فما أقل معرفتك بما المسلمون عليه!! وهل يستشهد أحد بأصدق من كتاب الله ﷿ أو يرجع إلا إليه؟ وقد شبهت كلاما خطأ بكتاب الله ﷿، وهو قولك: (مررت برجل أسهل خد غلامه أشد سواد طرته) وشبهته بقوله ﷿: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾ وقد نزه الله ﷿ كتابه عنه.
وأما قولك: وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف، ويكون معناه: إنه أسهل الناس كلهم خد غلام وأشدهم سواد طرة) فهكذا كلام العرب، وهكذا قال سيبويه، ولابد من الفصل مضمرا أو مظهرا، وإنما يضمره إذا علم ما هو؛ قال الله ﷿: ﴿فالله خير حفظا﴾ معناه من حافظ، وقال عز
[ ٢ / ٦١٩ ]
وجل: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾، أي: من مثلهم.
فإذا أطلق مثل هذا ولم يقيد حمل على كل ما يمكن فيه ما أمكن في الموصوف أو المخبر عنه، فإذا قال [١٣٠/ب] القائل: زيد أكثر مالا، فإن علمنا من يعني وإلا فهو على الناس كلهم حين أطلق اللفظ؛ هكذا قولهم: الله أكبر، إنما هو أكبر من كل شيء يمكن أن يسمى كبيرا، من حيوان أو غيره. ولم يقل أحد: إن هذا غير جائز، ولست أراك تمتنع من أن تقول ذلك. ولو علم الناس أن من كانت هذه طريقته هادم للشريعة لعفوا أثرك.
وأما قولك: (وكيف يجوز أن يحذف من المسألة مالا يعرف، ويكون معنى كلامه: أسهل الناس كلهم خد غلام، فهذا موضوع كلام العرب إذا تكلموا بمثل هذا: أن يكون الفصل مضمرا واقعا على كل شيء شركه في ذلك المعنى، وذلك أنهم إذا قالوا: زيد أحسن وجها، فإنما يريدون: أحسن من كل من
[ ٢ / ٦٢٠ ]
يوصف بحسن، وهكذا: ﴿الأعراب أشد كفرا﴾ إنما هو: من كل من يوصف بالكفر؛ هذا إذا أطلق الكلام. فإذا قيدوه أخرجوه من العموم كقولك: زيد أحسن وجها من عمرو ويقول القائل: الأعراب شر من الأكراد، فلا يكون هذا الكلام دليلا على أنهم شر من غير الأكراد؛ هذا الذي عليه أهل اللغة.
وأما قولك: (إنه لا يجوز أن يحذف إلا ما يعرف) فليس كما قلت؛ لأن العرب تقول: ضربت، وكسوت، وأعطيت وظننت ولا يذكرون المضروب، ولا المعطى ولا العطية، ولا المظنون، وللمحذوفات من الكلام حقيقة ومواضع إدراكك لها عسير بدليل ما أظهرت من بلادتك في رسالتك.
وأما قولك: (والذي يوجب معنى الآية أن يكون الأعراب أشد كفرا من غيرهم، ثم يحذف) فهذا غير المحال في التأويل، والرجوع إلى قول خصمك. أما الدليل على استحالته فإن كل شيء غير الأعراب من حيوان وغيره.
فإن قلت به آل ذلك إلى أن تقول: أشد كفرا من الحجارة أو من الخشب؛ لأن الحجارة والخشب غير الأعراب، أو تقول: إنما أعني [١٣١/آ] بذلك ما يميز ويكلف فترجع إلى قول خصمك
[ ٢ / ٦٢١ ]
ضرورة، وقد عيبت الكلام باستشهادك بقوله ﷿: ﴿وهو أهون عليه﴾ وهذه آية قد كنت عن ذكرها بمعزل لتنازع الناس معناها.
ولولا أنا نريد هداية من أضللته والنصيحة لمن عورته لكان قارئ رسالتك يعلم أنك معدود من أهل العلم. هذا أخر كلام الجميع في هذه المسألة.
[ ٢ / ٦٢٢ ]