قال أبو نزار: قال الله ﷿:﴾ إن كان رجل يورث كلالة ﴿وقد ذكر، في نصب (كلالة)، أشياء كلها فاسدة. وخلط ابن قتيبية غاية التخليط.
والذي يقال: إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد. لا جرم أن الإعراب ينطبق على هذل، فإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد موته، فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه. فقوله: (يورث) يقدر بعده: كالا كلالة؛ فإن كلا قد جاء بمعنى تعب، فالمعنى: يورث في حال ظهور كلاله وتعبه. و(كلال) مصدر (كل)، وقد قال سيبويه إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة وذوات الزوائد دخولًا مطردًا، فهي
[ ٢ / ٨١٠ ]
تدل على المرة الواحدة. فنصب (كلالة) لأنه مصدر منقلب عن حال، وما أكثر ذلك في كلامهم!!! ومنه: أرسلها العراك.
فقال الراد عليه: يا هذا!! غلطت أولًا في التلاوة بإسقاط الواو من قوله ﷿:﴾ وإن كان رجل ﴿، ثم قلت: إن العلماء ذكروا في نصب (كلالة) أشياء جميعها عندك فاسد، وإن تخبيط ابن قتيبة فيها على تخبيطهم زائد. وسأبين صحة أقوال العلماء فيها، وأن الفساد إنما جاء من قلة فهمك لمعانيها [١٦٨/ ب]
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرًا به الماء الزلالا
اعلم أن الكلالة، فيما نحن بصدده، هي في الأصل مصدر قولك: كل الميت يكل كلالة فهو كل، وذلك إذا لم يرثه ولد ولا والد. وكذلك أيضًا يقال: رجل كل: إذا لم يكن له ولد ولا والد؛ فهذا أصل الكلالة، أعني كونها حدثًا لا عينًا، ثم يوقعونها على العين، ولا يريدون بها الحدث، كما يفعلون ذلك بغيرها من
[ ٢ / ٨١١ ]
المصادر فيقولون: هذا رجل كلالة، أي: كل. كما يقولون: عدل، أي: عادل. وعلى هذا الوجه حمل جمهور العلماء وأهل اللغة قول الله ﷿:﴾ وإن كان رجل يورث كلالة ﴿، فجعلوا الكلالة اسمًا للموروث، ولم يريدوا أنها بمعنى الحدث.
فيكون نصب (كلالة) على هذا، من وجهتين:
أحدهما: أن تكون خبر كان.
والوجه الآخر: أن تكون حالًا من الضمير في (يورث)، على أن تقدر (كان) هي التامة، فيكون التقدير فيه: وإن وقع أو حضر رجل يورث وهو كلالة أي: كل.
وعلى هذين الوجهين -أعني في نصب الكلالة- ذهب أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش. وأجاز غيره أن تكون الكلالة في الآية على بابها -أعني أن تكون اسمًا للحدث دون العين- فيكون انتصابها أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن تكون من المصادر التي وقعت أحوالًا، نحو:
[ ٢ / ٨١٢ ]
جاء زيد ركضًا، والعامل فيه: يورث، على حد ما تقدم. وكلالة هنا مصدر في موضع الحال، كما كان قولهم: هو ابن عمي دنية.
والوجه الآخر أن يكون انتصاب (كلالة) في الآية انتصاب المصادر التي لم تقع أحوالًا، ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره: يورث وراثة كلالة، وعلى ذلك قولهم: ورثته كلالة؛ وقول الفرزدق:
ورثتم قناة الدين غير كلالة عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم [١٦٩/ آ]
أي: ورثتموها عن قرب واستحقاق. فهذه أربعة أوجه من كلام العلماء في نصب الكلالة لا شبهة فيها، ولا إنكار على مستعملها.
وقد أجاز قوم من أهل اللغة أن تكون الكلالة اسمًا للوارث، وهو شاذ. والحجة فيه ما روي عن الحسن أنه قرأ:﴾ وإن كان رجل يورث، (ويورث)، كلالة ﴿، وإذا صح هذا الوجه جاز
[ ٢ / ٨١٣ ]
أن يكون انتصابها على ما انتصبت عليه أولًا، وهو أن تكون خبر كان، أو حالًا من الضمير في يورث، إذا جعلت (كان) تامة. إلا أنه لابد من تقدير حذف مضاف تقديره: وإن كان الميت ذا كلالة؛ وهذا كله واضح بين بعيد من التخليط والإشكال كما زعمت أيها المتشبع المختال، بل عين التخليط المحض، والكلام الذي هو جدير بالنبذ والرفض هو قولك: (إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد، وإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد وفاته فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه).
ثم ذكرت بعد ذلك أنها من المصادر المنصوبة على الحال، فنقضت كلامك، وأوجبت على سامعك ملامك، وذلك أنك زعمت أن الكلالة قد فسرت بتركة الميت، وهذا مذهب من يجعل الكلالة اسمًا للوارث دون الموروث، فيكون على هذا اسمًا للشخص دون الحدث؛ ثم قلت إنها من المصدر المنصوبة على الحال، وإذا كانت مصدرًا فهي اسم للحدث، فهذا تناقض بين.
[ ٢ / ٨١٤ ]
وقلت: إن الكلالة مشتقة من كل: إذا تعب، وإن التقدير: يورث ذا كلالة، فغلطت، ووهمت، وفي مهامه الجهالة همت. فلو كانت الكلالة مصدر كل: إذا تعب، لكان اسم الفاعل منها كالًا أو كليلًا، ولجاز في المصدر أن يقال: كلًا؛ وكلولًا. والمعروف عند أهل اللغة إنما [١٦٩/ ب] هو كل؛ لأنه يقال رجل كل: لا ولد له ولا والد، وقد كل يكل كلالة؛ فلما ألزموا المصدر بالكلالة واسم الفاعل بالكل علم أن الكلالة ليست مصدرًا لـ (كل): إذا تعب.
وأما قولك: (إن المعتاد في الإنسان أنه إنما يدأب ليترك لولده، فإذا حضر الموت وليس له ولد ظهر تعبه) = فهو، بحمد الله، كلام غير محصل، وذلك أنه إذا كان إنما يتعب لولده فينبغي إذا ورث كلالة ألا يكون له تعب؛ إذ لا ولد له!!!.
وأقول أنا أيضًا: إن كلام أبي نزار هذا ضرب من الهذيان؛ فإن الذين يضربون في الأقطار ويركبون الأخطار منهم خلق كثير وجم غفير ليس لهم أولاد، ولا يفكرون في شيء مما أراد. ولو كان الأمر كما ذكر لرأيت من لا ولد له وادعًا غير متحرك في
[ ٢ / ٨١٥ ]
جمع مال، ولا ممتطيًا، في ذلك، متون الأهوال. وقوله: (ظهر تعبه) كلمة سخيفة وعبارة ضعيفة.
ثم نعود إلا كلام الراد عليه. قال:
وأما قولك: (إن سيبويه قال: إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة، وذوات الزيادة دخولًا مطردًا فهي تدل على المرة الواحدة) فهذا منك غلط فاضح، وطريق وهمك فيه بين واضح؛ وذلك أنك بينت أن الكلالة مصدر (كل): إذا تعب، ثم وقع في نفسك أنه لا يجوز أن يكون مصدر كل إلا الكلال، فقلت: لا ينكر دخول الهاء؛ لأن سيبويه قد أجاز دخولها على المصادر، فغلطت في ذلك من جهتين:
إحداهما: أن المرة الواحدة في باب المصادر الثلاثية إنما بابها (الفعلة): نحو ضربته ضربة، وقتلته قتلة؛ وذلك هو المطرد فيها؛ وأن المصدر الذي هو الجنس يختلف إلى أوزان مختلفة، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا، وجلست جلوسًا، [فإذا أردت المرة قلت: قعدت قعدة وجلست جلسة] لا يجوز غير ذلك؛ لا تقول: جلست جلوسة، ولا: [١٧٠/ آ]
[ ٢ / ٨١٦ ]
قعدت قعودة، ولو كانت الكلالة يراد بها المرة الواحدة لم يجز هنا إلا الكلة.
والجهة الأخرى من غلطك هو جهلك بكون الكلالة جنسًا لا واحدًا من جنس يراد بها المرة؛ وذلك قول الأعشى:
فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من حفى حتى تزور محمدًا
إلا ترى أن الكلالة هنا بمعنى الكلال، وليس يراد بها المرة الواحدة؟.
وأما قولك: (إن كلالة مصدر منقلب عن حال) فكلام بين الاضطراب مبني على غير الصواب؛ إذا المصدر إذا صار حالًا فإنما يقال: انقلب إليها لا انقلب عنها؛ لأنه منتقل عن انتصابه على أنه مفعول مطلق إلى انتصابه على أنه حال.
[ ٢ / ٨١٧ ]