قال أبو نزار: وهذه المسألة سئلت عنها بـ (غزنة) لما دخلتها، فبيَّنت مشكلها للجماعة وأوضحتها، وذلك أنى سئلت عن قول الراجز:
وقول إلا ده فلا دهي
فذكرت أن هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله، وبعضها في الأمر، وبعضها في الخبر؛ نحو: صه، ومه، وبله زيدًا، وهيهات بمعنى بعد.
و(ده) في كلام العرب بمعنى صح أو يصح، ألا ترى أن قومًا جاؤوا إلى سطيح الكاهن، وخبؤوا له خبأة، وسألوه فلم يصرح، فقالوا: لا ده، أي: لا يصح ما قلت، فقال لهم: إلا ده فلا ده، حيه بر في إحليل مهر [١٧٤/ ا]، فأصاب؛ فكأنه قال: إلا يصح
[ ٢ / ٨٣٢ ]
فلا يصح أبدًا، لكنني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة، وكان كما قال.
إلا أن التنوين الداخل على هذه الكلمة ليس هو على نحو التنوين الداخل على رجٍل وفرٍس، ولكنه تنوين دخل [دلالة] على نوع من تنكير. فقد دخل في كلامهم التنوين على أنحاٍء، منه: دخوله في القوافي تقييدًا حتى في الأفعال، في:
من طلٍل كالأتحمي أنهجًا
قال الراد عليه:
[ ٢ / ٨٣٣ ]
قولك: (ده) اسم من أسماء الفعل، ليس صحيح على مذهب الجماعة ومن له حذق بهذه الصناعة.
والصحيح في هذه الكلمة أنها اسم فاعل من: دهي يدهى فهو ده وداه، والمصدر منه: الدهاء والداهي؛ فيكون المراد بـ (ده) أنه فطن؛ لأن الدهاء الفطنة وجودة الرأي. فكأنه قال: إن لا أكن دهيًا، أي فطنًا، فلا أدهى أبدًا. هذا أصله ثم أجريت هذه اللفظة مثلًا، إلى أن صارت يعبر بها عن كل فعل تغتنم الفرصة في فعله، مثال ذلك أن يقول الإنسان لصاحبه، وقد أمكنت الفرصة في طلب ثأر، إن لا ده فلا ده، أي إن لا تطلب الآن ثأرك فلا تطلبه أبدًا.
وهذا الرجز لـ (رؤبة)، وقبله:
فاليوم قد نهنهني تنهنهني
[ ٢ / ٨٣٤ ]
أول حلم ليس بالمسفه وقول إلا ده فلا دهي
ومعناه: إلا تفلح اليوم فمتى تفلح، أي: إن لا تنته اليوم فلا تنتهي أبدًا، فهذا معنى (ده) في هذا المثل.
وأما إعرابه فإنه في موضع نصب على خبر (كان) المحذوفة، تقديره: إن لا أكن داهيًا فلا أدهى. ونظير ذلك من كلام العرب: مررت برجل صالح إلا صالحًا فطالح، تقديره: إلا يكن صالحًا فهو طالح، ويروي، إلا صالحًا فطالحًا، على تقدير: إلا يكن صالحًا فقد لقيته طالحًا، ونحو [١٧٤/ ب] ذلك من التقديرات.
وإنما أسكن الياء، وكان من حقها أن تكون منصوبة، من قبل أن الأمثال تتنزل منزلة المنظوم. وهذه الياء حسن إسكانها في الشعر، وهو عندهم من الضرورات المستحسنة، كقول الشاعر:
[ ٢ / ٨٣٥ ]
يا دار هند عفت إلا أثافيها
وكقول الآخر
كفى بالنأي من أسماء كاف
فقد ثبت بهذا أن (ده) اسم فاعل لا اسمًا للفعل، وهي معربة لا مبنية، وتنوينها تنوين الصرف لا تنوين التنكير. ويدلك على أنها ليست من أسماء الأفعال كونها واقعة بعد حرف الشرط؛ ألا ترى أنه لا يحسن: إلا صه فلا صه، و: إلا مه فلا مه، و: إلا هيهات فلا هيهات؟!!
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وأما قولك، في آخر المسألة: إن التنوين قد دخل في القوافي تقييدًا في نحو:
من طلل كالأنحمي أنهجًا
فهو غلط قبيح؛ لأن هذا التنوين بدل من ألف الإطلاق. وإذا صح أن الألف للإطلاق فالتنوين للإطلاق. ألا ترى أن القوافي المقيدة هي مالم يكن بعد الروي منها حركة ولا حرف؟!.
وقوله: (أنهجًا) الجيم منه حرف الروي وبعدها حركة وحرف، فعلمت بذلك أنه ليس بمقيد، وإذا لم يكن مقيدًا لم يكن إلا مطلقًا، فالنون إذًا حرف الإطلاق.
[ ٢ / ٨٣٧ ]