ثم سأل أبو العباس فقال: كيف تقول: هذه ساعة أنا فرح، بغير تنوين؟
فقال أبو جعفر: أقول: هذه ساعة أنا فرح. فيكون (هذه) موضع رفع بالابتداء، وقولك: (ساعة) خبر، و(أنا فرح) مبتدأ وخبر في موضع جر، وكأنه جرى شيء ثم ذكر الوقت فقلت: هذه ساعة أنا فرح. ويجوز أن تقول: هذه ساعة أنا فرح، على كلام قد جرى، كأنك قلت: هذه القصة ساعة أنا فرح تريد هذا الأمر ساعة أنا فرح؛ قال الله ﷿: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ الفعل والفاعل بمنزلة المبتدأ وخبره عند أهل العربية.
قال أبو العباس: سيبويه وغيره يفسدون هذا الجواب ويحيلونه، وذلك أنهم لا يضيفون إلى الابتداء والخبر والفعل
[ ٢ / ٦٥٠ ]
والفاعل إلا ظرفا [١٣٨/آ] في معنى المضي، كقولك: جئتك يوم زيد أمير، وجئتك يوم يقوم زيد، وذلك أنه إذا كان ماضيا كان بمعنى (إذا) كقولك: جئتك إذ زيد أمير، وجئتك إذ يقوم زيد. فإذا كان في معنى الاستقبال لم يضف إلا إلى الفعل، ولا تجوز إضافته إلى المبتدأ والخبر؛ لأنه يكون حينئذ بمعنى (إذا)، كما تقول: أنا آتيك يوم يقوم زيد، مثل: أنا آتيك إذا يقوم زيد؛ لأن (إذا) في معنى الجزاء. وإنما تضيف الظرف إذا كان في معناها إلى الفعل ولا تضيفه إلى الابتداء والخبر؛ لأن حروف الجزاء لا تقع على الابتداء والخبر. وهذه المسألة مسطورة لسيبويه، وهذا الاعتلال اعتلاله، وهي منه مأخوذة، وفي كتاب سيبويه: ([يكون] هذا يوم زيد أمير) لا يجوز للعلة التي ذكرناها.
قال أبو جعفر: قوله: (النحويون يفسدون هذا) خطأ، والرد عليه من كلامه. وذلك أنه إذا كان الظرف في معنى المضي أضيف إلى الفعل والفاعل وإلى الابتداء والخبر، وجوابنا عن المسألة على معنى المضي. والدليل على هذا قولنا: (على كلام قد جرى)، وقولنا: (كأنك قلت: هذه القصة ساعة أنا فرح) وكذلك سائر
[ ٢ / ٦٥١ ]
أجوبتنا إنما هي على معنى المضي، والمسألة جائزة من قوله، وهو لا يدري.
وقوله: (هذه المسألة مسطورة لسيبويه) كذب، وليست هذه المسألة في كتاب سيبويه، وهذا ادعاء، وهو كلام مموه؛ قال الله ﷿: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فأضاف يوما إلى الابتداء، ففي هذا مقنع، وهذا ما جرى.
قال محمد بن بدر: أما ما ذكرته عن أبي العباس فإنه صحيح لا يدفعه أحد من النحويين البصريين الذي يرجع إليهم في صناعة النحو وأصول اللغة، ولسنا نعترض فيه لأنه منصوص عليه من سيبويه.
وأما قولك منكرا عليه مستدركا لخطائك: (الرد عليه من كلامه، وذلك أنه قال: إذا كان [١٣٨/ب] الظرف في معنى المضي أضيف إلى الفعل والفاعل، والابتداء والخبر، وجوابنا عن المسألة على المضي) فلم تفصل فتقول: إذا أردنا المضي كان كذا، وإذا أردنا الاستقبال كان كذا، حتى نص خصمك ما قال أهل العلم فتكلمت به، وهذا لا ينفعك ولا يشهد لك بفهم ما خاطبك به.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وأما قولك: (وقوله: هذه المسألة مسطورة وهو ادعاء) فما أجمعك لخصال الشر وقلة الخير!! هذه المسألة، على ما قال خصمك، في كتاب سيبويه، وللنحويين على ما ذكر.
قال سيبويه في (باب ما يضاف من الأفعال إلى الأسماء): (وسألته- يعني الخليل- عن الأزمنة: كان ذلك زمن زيد أمير، فقال: لما كانت في معنى (إذا) أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض [كما يدخلون (إذا) على ما قد عمل بعضه في بعض] ولا يغيرونه، فشبهوا هذا بذلك، ولا يجوز [هذا] في الأزمنة حتى تكون بمنزلة (إذا)، فإن قلت: [يكون] هذا يوم زيد امير كان خطأ؛ حدثنا بذلك يونس عن العرب). وفي إثر هذا: (جملة هذا الباب أن الزمان إذا كان ماضيا أضيف إلى الفعل، وإلى الابتداء والخبر؛ لأنه في معنى (إذ)، فأضيف إلى ما يضاف إليه (إذ)؛ فإذا كان لما لم يقع لم
[ ٢ / ٦٥٣ ]
يضف إلا إلى الفعل لأنه في معنى (إذا)، و(إذا)، هذه، لا تضاف إلا إلى الأفعال؛ هذا المنصوص في كتاب سيبويه على ما حكاه خصمك.
ثم شتمه بهد هذا شتما أسقط لأنه لا حاجة إلى ذكره. ثم قال: وأما قولك: قال الله ﷿: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فلا أعرف لك فيه معنى إلا أن تكون قدرت على الخليل ويونس وسيبويه وأصحابهم إلى أهل هذا العصر الزلل. فإن كان هذا هكذا فلسنا ننكر أن يخلق الله ﷿، في هذا العصر، من هو أفهم من بعض من تقدم، ولكن لا يكون عقله مثل عقلك. والذي قلته هو على ما قال سيبويه في كتابه، وهو كقول الشاعر:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أبتلد
وقال آخر:
[ ٢ / ٦٥٤ ]
إذا فئة قُدِمت للقتا ل فر الفغا وصلينا بها
وليس هذا بأبعد من قوله: [١٣٩/آ]
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميلها تمل
ولا من قوله:
إن الله يرجعني إلى الغزو لا أرى - وإن قل مالي- طالبا ما ورائيا
وبعد هذا ذم وشتم، وهذا آخر الرسالة بعد إسقاط ما فيها من ذلك.
والفغا في قوله (فر الفغا) أصله للبسر الفاسد المغبر.
[ ٢ / ٦٥٥ ]