قال أبو نزار: قد شاع في كلام العرب حمل الشيء على معناه لنوع من الحكمة، وذلك كنير في القرآن العزيز. ومنه قوله عز اسمه:﴾ لقد أحسن بي ﴿بمعنى: لطف بي، وكذلك قوله عز اسمه:﴾ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ﴿قال ابن السراج: حمله على المعنى؛ لأن من بطر فقد كره، والمعنى: كرهت معيشتها، وهذا أكثر من أن يحصى، وعليه قول المتنبي:
لو استطعت ركبت الناس كلهم إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قالوا: معناه: لو استطعت جعلت الناس بعرانًا فركبتهم إليه؛ لأن في (ركبت) ما يؤدي معنى (جعلت)، وليس في (جعلت)
[ ٢ / ٨٢٥ ]
معنى (ركبت).
فقيل في جوابه: غيرت لفظ التلاوة، ونقلت معنى الكلمة عما وضعت له.
أما لفظ التلاوة فهو:﴾ وقد أحسن بي ﴿.
وأما نقل الكلمة فهو تأؤلك (أحسن بي) على (لطف بي. وإنما حملك على ذلك أنك وجدت (أحسن) يتعدى بـ (إلى)، فهي مثل قول القائل: قد أحسنت إليه، ولا تقول: أحسنت به.
وجهلت أن الفعل قد يتعدى بعدة من حروف الجر على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل؛ لأن هذه المعاني الكامنة في الفعل، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الحر؛ وذلك أنك إذا قلت: خرجت، فأردت أن تبين ابتداء خروجك، قلت: خرجت من الدار فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن لاستعلائك قلت: خرجت على الدابة؛ فإن أردت المجاوزة للمكان قلت: [١٧٢/ ب] خرجت عن الدار، وإن أردت الصحبة قلت: خرجت بسلاحي؛ وعلى ذلك قول المتنبي:
[ ٢ / ٨٢٦ ]
أسير إلى إقطاعه في ثيابه على طرفه من داره بحسامه
فقد وضح بهذا أنه ليس يلم في كل فعل ألا يتعدى إلا بحرف واحد. ألا ترى أن (مررت) المشهور فيه أنه يتعدى بالباء نحو: مررت به، وقد يتعدى بـ (إلى) و(على)، فتقول: مررت إليه ومررت عليه؟ وكذلك قوه سبحانه:﴾ وقد أحسن بي ﴿، وذلك أن الباء قد جاءت متصلة بـ (حسن) و(أحسن) فتقول: حسن به ظني، ثم تنقله بالهمزة: أحسنت به الظن؛ وكذلك في الإساءة، فيكون التقدير في الآية: وقد أجسن الصنع بي، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه، وحذف المفعول كثير في العربية. من ذلك قوله سبحانه:﴾ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ﴿يريد: وأمر الناس بالمعروف وانههم عن المنكر وكذلك قوه ﷿:﴾ ربي الذي يحيي ويميت ﴿أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء. فيصير المعنى في قوله: (أحسن بي) أي: أوقع جميل صنعه بي. وإذا عديته بـ (إلى) يصير المعنى فيه الإيصال، كأنه قال: أوصل إحسانه إلي، والمعنى متقارب، وإن كان تقدير كل واحد منهما غير تقدير الآخر؛ فليس ينبغي أن يحمل فعل على
[ ٢ / ٨٢٧ ]
معنى فعل آخر إلا عند انقطاع الأسباب الموجبة لبقاء الشيء على أصله، كقوله ﷿:﴾ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴿، والشائع في الكلام: يخالفون أمره، فحمل على معنى: يخرجون عن أمره؛ لأن المخالفة خروج عن الطاعة، وكذلك قوله ﷿:﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ﴿، والشائع في الكلام: فاستمعوه، وإنما حمل على معنى: أنصتوا.
وأقول: إن حمل (فاستمعوا [١٧٣/ آ] له) ههنا على (أنصتوا) لا يحسن، لاسيما وقد قال بعد ذلك: (وأنصتوا)، وإنما المعنى: فاستمعوا له، أي: لما يقول، كما تقول، تكلم زيد فاستمعت له؛ لأن القرآن العزيز المخاطب الآمر الناهي المرشد المحذر. وقد قيل: إن الهاء في (له) تعود على النبي ﷺ. وقيل: معنى (فاستمعوا له) فاعلموا به، كما تقول: قال فما استمعت له، أي: لم أحفل بقوله، ولم ألتفت إليه.
رجع الكلام إلى قول الراد على أبي نزار، قال:
وأما قولك في بيت أبي الطيب: إنه على معنى (جعلت)
[ ٢ / ٨٢٨ ]
فيصير (ركبت) قد تعدى في هذا الموضع إلى مفعولين؛ فهو غلط منك، وإنما غلطك في ذلك أنك رأيت (بعرانًا) اسمًا جامدًا لا يصح نصبه على الحال، وإنما ينصب على الحال عندك ما كان مشتقًا من فعل كـ (ضاحك) (ومسرع) وهذا وهم منك. وهب أنا سلمنا لك هذا التوجيه الذي وجهت به بيته هذا، فكيف تصنع في بيته الآخر:
بدت قمرًا ومالت خوط بان وفاحت عنبرًا ورنت غزالًا
أتراك تجعل هذه المنصوبات كلها مفعولات، وتتصيد في كل فعل من هذه الأفعال معنى يصير به متعديًا إلى مفعول به؟ وكيف تصنع في قولهم: بعت الشاء شاة بدرهم، وبينت له حسابه بابًا بابًا، وكلمته فاه إلى في؛ فهذا الأسماء الجامدة كلها عند النحويين أحوال، ويكون تقدير قوله: "بدت قمرًا": مضيئة كالقمر، و(مالت خوط بان): متثنية، و(فاحت عنبرًا) أي: طيبة النشر كالعنبر، و(رنت غزالًا) أي: مليحة المنظر كالغزال.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
ومما يدلك على أنها أحوال دخول واو الحال عليها إذا صارت جملة، كقولك: بدت وهي قمر، ومالت وهي خوط بان. وكذلك بينت به حسابه بابًا بابًا، المعنى: مبوبًا مفصلًا [١٧٣/ ب]، وبعت الشاء شاةً بدرهم أي: مسعرًا، ويكون قول أبي الطيب على ذلك: ركبت الناس بعرانًا، بمعنى: مركوبين بي وحاملين. وعلى ذلك ما أنشده سيبويه لجرير:
مشق الهواجر لحمهن مع الشرى حتى ذهبن كلاكلًا وصدورًا
ويكون الذهاب ههنا بمعنى السير لا بمعنى الفناء.
وذهب أبو العباس وغيره إلى أن (كلاكلًا وصدورًا) نصب على التمييز، ويكون الذهاب بمعنى الفناء، ويكون لهزال قد خص الكلاكل والصدور لا غير، والمعنى الأول هو الصحيح.
ومما يدل على أن "بعرانًا" في بيت أبي الطيب حال لا مفعول ثان للجعل= كونه يجوز إسقاطه، ولو كان مفعولًا ثانيًا لم يجز إسقاطه.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ألا ترى أنه لو قال: ركبت الناس إلى سعيد لم يحتج إلى زيادة، ولو قال: جعلت الناس كلهم إلى سعيد وسكت لم يتم الكلام؛ فهذا مما يشهد بفساد ما ذهبت إليه. وأيضًا فإن الركوب لم يجيء في كلام العرب بمعنى الجعل، كما جاء الترك في مثل قول الشاعر:
وتركنا لحمًا على وضم لو كنت تستبقي على اللحم
فعدى (تركت) لما حمله على معنى (جعلت). فأما الركوب بمعنى الجعل فليس بموجود في شيء من كلام العرب.
[ ٢ / ٨٣١ ]