قال أبو نزار: تقول العرب: جئت من عنده؛ لأن من قضى وطرًا من شخص فقد صار المعنى عنده غير مهم في نظره؛ لأن الذي انقضى قد خرج عن حد الاهتمام به، وبقس اختصاص الشخص بالموضع المختص بمن كان الغرض متعلقًا به، فأردت أن تذكر انفصالك عن مكان يخصه، فقلت: (من عنده).
فأما إذا كان الإنسان قد اعتزم أمرًا يريده من شخص، فإن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده، فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)،ولم يجز (إلى عنده)؛ هذه حكمة العرب. فأما سيبويه فقال: استغنوا بـ (إليه) عن (إلى [١٧٦/آ] عنده)، كما استغنوا بـ (مثل) وشبهه عن (كـ).
فقال الراد عليه: يا هذا، كانت إصابتك في مسألتك آنفًا فلتة
[ ٢ / ٨٤٣ ]
اغتفلتها، وجميع ما وجهت به في مسألتك هذه خارج عن الأصل المنقول، ولم يذهب إليه أحد من ذوي العقول. وذلك أن الذي ذهب إليه المحصلون من أهل هذه الصناعة هو أن الظروف التي ليست بمتمكنة مثل: عند، ولدن، ومع، وقبل، وبعد، حكمها ألا يدخل عليها شيء من حروف الجر، لعدم تمكنها وقلة استعمالها استعمال الأسماء. وإنما أجازوا دخول (من) عليها توكيدًا لمعناها وتقوية له، ولما لم يجز في شيء منها أن يكون انتهاء إلا بذكر (إلى) لم يجز دخولها عليه تأكيدًا لمعناه، كما كان ذلك في (من)، وقد قدمت أن حكم هذه الظروف ألا يدخل عليها شيء البتة من حروف الجر، للزومها الظرفية وقلة تصرفها. ولولا قوة الدلالة فيها على الابتداء، وقوة (من) على سائر حروف الجر بكونها ابتداءً لكل غاية= لما جاز دخول (من) عليها. ألا ترى أنه قد جاء في كلامهم كون (من) يراد بها الابتداء والانتهاء في مثل: رأيت الهلال من خلل السحاب؟ فخلل السحاب هو ابتداء الرؤية ومنتهاها، فهذا مما يدل على قوة (من) وضعف (إلى)؛ فلذلك أجازوا: من عنده، ومن معه، ومن
[ ٢ / ٨٤٤ ]
لدنه، ومن قبله، ومن بعده، ولم يجيزوا: إلى عنده، وإلى قبله، وإلى بعده؛ فهذه خمسة الظروف لا يدخل عليها شيء من الحروف الجارة سوى (من)، وسبب ذلك ما تقدم ذكره.
وأما قولك: إن سبب ذلك هو أن من قضى وطرًا من شخص فقد صار ذلك الشخص عنده غير مهم في نظره، وخرج عن حد الاهتمام فلم يبق إلا أن يذكر موضعه المختص به، فلهذا قلت: جئت من عنده. وإذا عزم الإنسان على أمر يريده من شخص فإن المكان القريب [١٧٧/ ب] من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده. فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)، ولا يقول [إلى] (عنده) = فهذيان المبرسمين دعوى المتحكمين. وذلك أنه لو كان الأمر على ما ذهبت إليه لامتنع أن تقول: رجعت إلى داره [وعدت إلى منزله]، فينبغي على هذا أن يكون الصواب: رجعت إليه، وعدت إليه، ويكون قول من قال: رجعت إلى منزله، وعدت إلى داره، لا يصح كما لا يصح: رجعت إلى عنده؛ لأن المهم إنما هو الشخص دون محله، وإذا امتنع ذلك مع (عنده) فكذلك يمتنع
[ ٢ / ٨٤٥ ]
مع البيت والمنزل وغيرهما.
وأما قولك: (إن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه)
فإن هذا الكلام يقتضي انه إذا بعد مكانه منه احتيج إلى ذكره، فيقال: رجعت إلى عنده. وذلك أنه إنما جاز إسقاطه لقرب المكان الذي فيه الشخص فاستغنى عن ذكره لقربه، فيلزمه ألا يسقط عند بعده، ولو قدرنا أن جميع ما ذكرته من جواز دخول (من) على (عند)، وامتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) على (قبل وبعد)، و(مع)، و(لدن)، وجواز دخول (من) عليها وليس في جميع ما ذكرته ما يكون جوابًا عن ذلك، وليس الجواب عند النحويين إلا ما قدمناه؛ فافهم ذلك.
[ ٢ / ٨٤٦ ]