ونحن صعاليك أنتم ملوكا [١١٤/ب]
فعلى ماذا عطف قوله (ونحن)؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو (أسمر مقبلها) و(أبيض مجردها)؟. وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن
[ ٢ / ٥٥٥ ]
الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على (يفعل) من فعلها نحو: حسن وكريم؛ فإن حسنا ليس على زنة يحسن، و(أسمر) على زنة يسمر ويسمر؛ فإن اللغتين قد حكيتا وليس هذا شرطها تنعم بإيضاحها.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الجواب
اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت، كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضح، كما نستعصمك من أن نفضح، ونستمنحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة واراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما وهجنة مصدرهما؛ إذ كان رسول الله ﷺ نهى عن الأغلوطات، وزجر عن تطلب السقطات والعثرات. وكان ابن سيرين ﵀ إذا سئل عن عويص اشمأز منه وقال: سل أخاك إبليس عن هذا.
ومع هذا فإني كرهت رد السؤال، ولرب عي أفصح من لن
[ ٢ / ٥٥٧ ]
لاسيما إذا لم يأت بحسن.
أما السؤال الأول فهو من مسائل المعاياة وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلا عمن لا يدعي ولا يلبس؛ وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، وتقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكا أنتم ونحن. و(عالة) فيه جمع عائل المشتق من عال يعول؛ وانتصاب (صعاليك) به، و(ملوكا) صفتهم.
وأما (أسمر) و(أبيض) فإنما أعملا لمجيء الفصل بينهما على افعل وافعال [١١٥/آ] المخالفين لزنتيهما؛ فهذا ما حضرني من الجواب. ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب.
قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيما؛ لأن الملوك لا تكون صفة للصعاليك. وقوله في تقديره: (صعاليك ملوكا أنتم ونحن) لا معنى له. وإنما الصواب أن يقال: إن (عالة) بمعنى عالني الشيء: إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكا، أي: نثقلهم بطرح كلنا عليه في حال تصعلك؛ فـ (صعاليك) منصوب على
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الحال. وقوله (ونحن) مبتدأ، و(أنتم) خبره، أي: ونحن مثلكم فكيف تعيرنا؟ قال الله ﷿: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾، ويقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة. وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكا صعاليك ونحن أنتم. وفي (عال) بمعنى أثقل جاء قول أمية بن أبي الصلت:
لا على كوكب ينوء ولا ريـ ـح جنوب ولا نرى طخرورا
ويسوقون باقر السهل للطو د مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذ ناب منها لكي تهيج البحورا
سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا
يصف سنة مجدبة. أي: أثقلت البقر بما حملت في أذنابها من
[ ٢ / ٥٥٩ ]
السلع والعشر، وكانوا يعقدون ذلك في أذنابها، ثم يشعلون فيها النار وهم يعلون بها في الجبال فتتجاءر البقر [١١٥/ب] ويكون ذلك استسقاء لهم فيمطرون، فيما زعموا.
وأما (أسمر) و(أبيض) و(أحمر) فغنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ وكذلك (أجب) في قوله:
ونمسك بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام
يجوز في (الظهر) الرفع والنصب والجر. وكذلك تقول في مؤنث أحمر: مررت برجل حمراء جاريته، كما تقول: حسنة جاريته، أجروا حمراء مجرى حسنة، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وشبه (أفعل التفضيل) أيضا بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوبا بـ (من) وكان صفة لما ذكرناه نحو (أجب).
[ ٢ / ٥٦٠ ]