ولسنا نعني بأبيات المعاني ما لم يعلم ما فيه من الغريب. وإنما يعنون بأبيات المعاني ما أشكل ظاهره وكان باطنه مخالفا لظاهره، وإن لم يكن فيه غريب، أو كان غريبه معلوما.
كما أنشدني شيخي الإمام العالم تاج الدين﵀-:
وأنثى، وما كانت من الجن أمها ولا الإنس، قد لاعبتها ومعي ذهني
فأولجت فيها قدر شبر موفر فصاحت، ولا والله ما عرفت تزني
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت لأعزله عنها وفي النفس أن أثني
يصف البكرة التي يستقى عليها الماء.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ومن أبيات المعاني:
ذر الآكلين الماء يوما فما أرى ينالون خيرا بعد أكلهم الماء
هؤلاء كانوا يبيعون الماء؛ فهذا نوع من أبيات المعاني وهو جعل سبب الشيء الشيء ولما كان الماء سبب الأكل- لأنهم يبيعونه ويأكلون ثمنه- جعله مأكولا؛ ومن ذلك قوله:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فلو كان على ظاهره لم يكن عظيما؛ فقد كانوا يأكلون الدم؛ ولهذا قيل: (لم يحرم من فصد له). وإنما أراد أكل
[ ٢ / ٦٥٧ ]
الدية لأنها من أجل الدم فصار الدم مأكولا بهذا المعنى.
ومنه قوله:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى بسل عليك ملامتي وعتابي [١٣٩/ب]
كيف تقول: بكرت بعد وهن، والوهن ساعة من الليل؟ وإنما المراد: عجلت تلومك، يقال: بكرت على فلان عشية، أي سبقت إليه؛ فهذا هو الأصل في (بكر) أنه بمعنى (عجل) في أي وقت كان، ثم كثر استعماله في الغدوات.
ومن أبيات المعاني:
بني رب الجواد فلا تفيلوا فما أنتم، فنعذركم لفيل
[ ٢ / ٦٥٨ ]
أراد: يا بني رب الجواد، أي: يا بني ربيعة الفرس، لأن ربيعة الفرس بمعنى صاحب الجواد؛ ويقال: رجل فيل، أي: مخطئ الرأي، والجماعة أفيال، وقد فال رأيه، أي: أخطأ.
ومنها قوله:
قوم إذا حل الكرام بأرضهم قلبوا الثياب وأردفوا الأكوارا
كان من شأنهم أن الضال يقلب ثوبه ويردف؛ فوصف قوما في فلاة يضل من سلكها، يعني لصوصا؛ لأنهم يأوون في القفار التي بهذه الصفة فجعلها أرضهم؛ فإذا حل الكرام بها ضلوا.
ومنها:
وما مائل عند الطعان برأسه؟ وما راكب في الحرب قد مات طائره؟
المائل برأسه: الرمح. والراكب في الحرب: السهم. مات طائره: أي: مات الطائر الذي ريش السهم منه.
ومنها:
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وسوداء المناسم يمتطيها أخو الحاجات ليس لها نظير
على أن الشفار تنال منها فأحملها إذا جد المسير
يعني نعلا.
ومنها قول من قال -وقد أخذت عمامته وأعطي مكانها قلنسوة-
بدلت بعد طويلة بقصيرة سوداء تبرق كالغراب الواقع
يضع الجناح على الجناح وتارة يلقى الرياح بجؤجؤ متواضع [١٤٠/آ]
ومنها في عين الإنسان:
وأشباه يرى فيهن ماء يطول بهن سير المهتدينا
يكون لهن طول النشر داء ولا يبرأن إلا ما طوينا
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ومنها:
وما مقبلات مدبرات تشابهت مفرقة الأسماء واللون واحد
تصادف في أطوارهن حلاوة ومنهن مرات وسخن وبارد؟
يعني الأيام والليالي.
ومنها:
وأسمر أحياه وقد مات حقبة حفيف هراجيب مع الفجر رزح
فهب ولم يطو الجفون لرقدة وما كاد، لولا جرسها، يتزحزح
إصلاحه أن يقال: (بمزحزح) وأن يقال: (كان).
يعني قرادا مات زمانا من الدهر لغيبة الإبل، فلما أحس بها عاش. ويقال إن الرعاء السابقين إلى الماء إذا أرادوا القراد يتحرك
[ ٢ / ٦٦١ ]
علموا أن الإبل قد جاءت. والهراجيب، جمع هرجاب، وهي النوق التوام المسرعة. والرزح جمع رازح، وهي التي ألقت نفسها إلى الأرض من التعب. ويقال زح عن المكان، وزاح: إذا زال عنه؛ والزحزحة من هذا، وهو في الأصل ثنائي ملحق بالرباعي.
ومنها:
عريفجة الحسل استداحت بأرضنا فيا لعباد الله للأشر المردي
عريفجة تصغير عرفجة. والحسل: ولد الضب، جعل هذه العرفجة له؛ لأنه إذا كانت شجيرة قريبة من موضعه استذلها وتقلب عليها وكسر أغصانها، فضرب هذا مثلا لذليل صار بأرضهم عظيما.
يقول: إن هذه العريفجة صارت دوحة، والدوحة أعظم ما يكون من الشجر. كما قالوا: استنسر البغاث [١٤٠/ب] واستأتن الحمار، يضرب لمن ضعف بعد قوة، واستتيست
[ ٢ / ٦٦٢ ]
العنز [١٤٠/ب]، يضرب مثلا لمن يعدو طوره، وقد يقال في هذا المعنى أيضا استنوق الجمل.
ومنها في وصف فرس:
وكأنما اشتملت على وهواهه زوراء مائلة الجراب بيون
وهوهته: صهيله. ومائلة الجراب: يعني بئرا.
والجراب: ما حول البئر. والبيون: التي بان موقف الشاربة عن جرابها لاعوجاجه؛ وهذا كقول الآخر:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة أجش هزيم والرماح دوان
وإنما قيل للفرس: أجش، تشبيها لصهيله بجشة صوت
[ ٢ / ٦٦٣ ]
الرحى. وهزمه: صوته. وقال آخر:
ويصهل في مثل جوف الطوي صهيلا يبين للمعرب
المعرب: العالم بالخيل العراب؛ فإذا سمع صوت هذا الفرس علم أنه عتيق.
وقال آخر:
يشنفن للنظر البعيد كأنما إرنانها ببوائن الأشطان
يقال: شنف يشنف شنفا: إذا أحد النظر. وشنفت الرجل شنفا: إذا أبغضته. ولا يكون هذا الصهيل الذي كأنه في بئر إلا في الخيل العراب.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
ومنها:
يفد بأميه سراح وينتحي على مزدهى يهفو وليس بطائر
إذا ما رأى ملسا ضواحي جلده يقول جزاء من حليب وحازر
سراح: اسم فرسه. يفديها بأميه: يريد أمه وخالته؛ لأنها نجته حين هرب على ظهرها. وينتحي: يعتمد على مزدهى ازدهار الخوف يعني قلبه. يهفو: يهم بالطيران، يقال: هفا الطاشر: إذا هم بذلك ولم يطر. وإذا رأى ضواحي جلده: ما برز منه. ملسا: سليمة من الجراحة؛ سميت ضواحي لأنها تبرز للشمس وذلك نحو الصدر والكاهل [١٤١/آ]. جزاء من حليب وحازر: أي من لبن سقيتك إياه، يقول ذلك لفرسه، كما قال الآخر:
[ ٢ / ٦٦٥ ]
أهان لها الطعام وأنقذته
غداة الروع إذ أزمت أزام
وكقول الآخر:
على ربذ التقريب يفديه خاله
وخالته لما نجا وهو أملس
فنحن لام البيض وهو لأمه
لئن قاظ لم يصحبنه تتكدس
يقول: نجا على فرس ربذ التقريب، فلسنا لأمنا أي فنحن نعام وهو إنسان إن لم تصحبنه الخيل أن تقيظ. والتكدس: مشي
[ ٢ / ٦٦٦ ]
الفرس وكأنه مثقل؛ قالت الخنساء:
وخيل تكدس مشي الوعو ل نازلت بالسيف أبطالها
ومنها:
بذلوا ذخائر تبع ومحرق وتسوموا بعظام عبد مدان
ونعوا أبا وهب وقال عبيدهم: اليوم تبرد غلة الصديان
أراد بالذخائر والدروع والسيوف؛ لأنها ذخائر الملوك. وتبع: ملك اليمن، حميري. ومحرق: من ملوك الحيرة، لخمي. ولما انتسبوا إلى عبد المدان عرفوا بذلك فصار كالسيماء وهي العلامة التي تعرف بها الأبطال.
ومنها:
[ ٢ / ٦٦٧ ]
أمنت مراصد عامر ونباله عون الشربة حيث حان ورودها
صبت عليه ضئيلة لم يدر من أنى يدافعها وكيف يذودها
عامر: صائد لدغته حية فمات؛ فأمنت الوحش نبله ومراصده. والشربة: الموضع الذي كان يصيد به، وهو اسم له. والأفعى إذا طالت [١٤١/ب] حياتها صغر جسمها، فهذا معنى (ضئيلة).
ومنها:
عالم بالذي يريد نقي الصـ ـدر عف على جثاه نحور
الجثا: قبور آبائه، ينحر عليها دائما. وهذا معنى قول حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
[ ٢ / ٦٦٨ ]
يَسْقُونَ من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومنها:
فأوردها التقريب والشد منهلا قطاة معيد كرة الورد عاطف
أراد: إن هذا المنهل لعبده إذا وردته القطا وصدرت عنه رجعت إليه من الطريق لقلة الماء في حواصلها؛ وذلك لبعده. ورواية الأصمعي: (التقريب والشد) بالنصب.
ومنها:
فلولا طول عنقي سدت قومي ولكن طال عنقي فاستمالا
طول عنقه: استشرافه على بيوت الناس لينظر إلى نسائهم، وكان زانيا.
ومنها:
[ ٢ / ٦٦٩ ]
سباهية تخال الشمس أما وتحسب أن والدها ثمير
ترد على الحصى طرفا كليلا وناظره بما تهوى بصير
السباهية: المعجب. يقول: إن هذه لعجبها تحسب الشمس أمها والقمر أباها والثمير: القمر، وابن ثمير: الليل المقمر. وبنت ثمير: الليلة القمراء. هي من الحياء ترمي ببصرها إلى الأرض، وتنظر بطرف كأنه كليل، وليس بذلك بل هي عالمة بما تريد.
ومنها:
نزلنا بورقاء بن عوف جماعة وليس لنا جار سواه بمنبج
وقد خصرت أطرافنا فكأنما تجللها مما بها شوك عوسج
فبتنا لديه وادعين بلذة وألبسنا قطفا له لم تنسج
[ ٢ / ٦٧٠ ]
كسونا بها الأطراف خملا فأدفأت وبتنا بليل المرزبان المتوج
القطف التي لم تنسج أراد بها النار. منها: [١٤٢/آ]
وإن التي ضمت أخلة بيته عليها لأم العاويات الفلاحس
فنافس أبا المغراء فيها ابن زارع على أنه فيها لغير منافس
يقول: إن التي ضرب عليها خباؤه لهي أم الكلاب العاويات، ويقال للكلب: فلحس. و(أبا المغراء) منصوب على النداء. و(ابن زارع) بدل منه، أو عطف بيان، ثم التفت عن المخاطبة إلى الغيبة، فقال: (على أنه فيها لغير منافس).
ومنها:
ألم يك في كف ابن ظبية زاجر لعادية الثاوي أبوه بغضورا
[ ٢ / ٦٧١ ]
وإن القساسي الذي فت ضرسه وشاخس فوديه لعند ابن أحمرا
كان ابن أحمر- وهو ابن ظبية- قتل أبا هادية بغضور؛ فالمعنى: ألم يك في كف ابن ظبية الذي قتل أباك يا هادية بغضور زاجر لك وناه؟. والقساسي: السيف. وقساس: جبل فيه معدن تعمل منه السيوف الماضية. ومن ههنا أخذ أبو الطيب قوله:
فإن الحسام الصقيل الذي قتلتم به في يد القاتل
ومنها- وهو لأبي العرندس العوذي، من بني عوذ، بفتح العين، ابن سود-:
[ ٢ / ٦٧٢ ]
أقول لذي البوائق من لكيز أليل مد فوقك أم صباح
فلو تحت الكواكب حيث تسري لما علقت بثوبك الملاحي
أقوى في هذا الشعر وإصلاحه: أفي ليل فعالك أم صباح. والبوائق: الدواهي؛ أي أقول لصاحب الدواهي أي: الذي يرتكبها: أليل تفعلها فيه أم نهار؟ أي: إن هذه البوائق التي تركبها بالنهار ظاهرة للناس ولا تكترث [١٤٢/ب]، إنما عملك هذا عمل من لا يدري أنه في نهار، فلو أن الكواكب سرت حيث سريت- لأنه الكواكب في ظاهر الأمر الذي يعتقدونه لا تسري بالنهار- فلو كانت تسري حيث تسري أنت لما لحيت، أي: لو فعلت هذا حيث تسري الكواكب، أي: لو فعلته بليل لما أصابك لوم؛ لاستتارك.
ومنها:
[ ٢ / ٦٧٣ ]
كأن ذات العرش لما بدت مقصورة بيضاء في مجسد
ذات العرش: الثريا. والمقصور: من قوله ﷿: ﴿حور مقصورات﴾. شبهها بامرأة مقصورة في ثوب أحمر وهو المجسد، لأنها من أجل الجدب طلعت في حمرة الأفق.
ومنها:
ولهم قباب كالهضاب شوامخ شدوا بكل مطهم أبوابها
شدوا، أي: ربطوا خيلهم على أبوابها. والمطهم: الفرس التام الجمال. والمطهم من كل شيء كذلك.
ومنها:
وإذا تعذرت السواعد والتوت جال المفدى وسطها المضبوح
[ ٢ / ٦٧٤ ]