زعم بعض النحاة أن البناء هو الأصل، وأن الإعراب إنما وقع للضرورة. وقد غلط؛ لأن البناء في الأسماء لم يكن الأصل ثم خرجت عنه إلى الأعراب للضرورة؛ لأن الكلام إنما وضع للتفاهم.
وإذا كانت الأسماء لا يفهم المراد بها إلا بالإعراب لم يكن الإعراب طارئًا عليها. فإن قيل: فإنها قبل التركيب مبنية، فدل ذلك على أن الأصل البناء؛ لأن التركيب إنما هو بعد الإفراد= قيل: الأصل هو التركيب؛ لأنها إنما وضعت ليخبر بها وعنها، والإفراد بعد ذلك. وإيرادها غير مركبة ليس الأصل إنما هو خارج عن المقصود الأكبر الذي هو فائدة الكلام. ولو كان البناء في [١٧٧/آ] الأسماء الأصل لم يقل: لم بني (يا زيد) مثلًا؟ لأنه جاء على الأصل؛ فعله البناء في (قبل) و(بعد)، في نحو قول
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الله ﷿: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ أنهما لما قطعا من الإضافة، مع أنها مرادة فيهما أشبها في قطعهما عن الإضافة الإتيان ببعض حروف الكلمة فبنيا لذلك.
وإنما بنيا على حركة؛ لأنهما قد كانا معربين في حال الإضافة، فجعل بناؤها على الحركة تنبيهًا على حال الإعراب.
فإن قيل: فلم كانت ضمة؟ قيل: أريد بناؤهما على حركة لم تكن لهما في حال الإعراب؛ لتحالف حال البناء حال الإعراب. وكذلك القول في (أسفل) و(من عل) و(وراء) و(قدام)، وجميع الغايات إذا قطعت عن الإضافة.
وحيث مشبهة بالغايات، لأنها مبهمة في جميع الجهات، والجهات كلها مضافة إلى ما بعدها، وأوقعت (حيث) عليها كلها فبنيت لذلك. وإنما بنيت على حركة هربًا من اجتماع الساكنين، وكانت ضمة؛ لما ذكرته من شبهها بالغايات. ومنهم من بناها على الكسر لالتقاء ساكنين، ومنهم من فتح استثقالًا للضمة
[ ٢ / ٨٤٨ ]
والكسرة مع الياء.
*ومنذ: لابتداء الغاية في الزمان، فبنيت لشبهها بـ (من).
ولا يقال لم بنيت (من)؟ لأن البناء للحروف وبنيت على الضم إتباعًا لحركة الميم.
فإذا قيل: (مذ)، زال الموجب لبنائها على الحركة، وبنيت على السكون الذي هو أصل البناء.
*ويازيد: بني لوقوعه موقع المبني، وهو (أنت)؛ قال:
يامر يابن واقع ياأنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا
أقبلت مرتادًا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
وبني على الضم لأنه وقع موقع الضمير المرفوع، والضم
[ ٢ / ٨٤٩ ]
يناسب الرفع.
*وكذلك نحن، بني على حركة لسكون الحاء، وكانت الحركة ضمة لأنه ضمير المرفوع [١٧٧/ ب]. وأما علة بنائه فلأنه ضمير، والضمائر كلها مبنية؛ لافتقارها إلى ما ترجع إليه، فشابهت الحرف في الافتقار، فبنيت.
*وبنيت، قط لأنها مشابهة لـ (قط) الخفيفة؛ لأنك إذا قلت: ما رأيته قط، فقد قطعت الطمع عن الرؤية، فقرب في المعنى من قولك: قط، أي اكتف. وبني على حركة للإدغام، وكانت ضمة؛ لأن بناءه على الكسر يلبس بفعل الأمر؛ لأنه يكون مثل: غط، وبناؤه على الفتح أيضًا يلبس بالفعل الماضي وبفعل الأمر.
*و(أين) و(كيف) بنيا لما تضمناه من الاستفهام، فأشبها حرف الاستفهام. وبنيا على الفتح، لأن السكون لا يمكن،
[ ٢ / ٨٥٠ ]
والضم والكسر مع الياء ثقيل.
*والأفعال الماضية كلها مبنية، ولا يقال لم بنيت؛ لأن أصل البناء للأفعال والحروف. وإنما أعرب الفعل الذي أعرب لمشابهة الاسم. وإنما بني على حركة لأنه قد يقع موقع المعرب في قولك: إن أكرمتني أكرمتك ويقع موقع الاسم المعرب في قولك: ممرت برجل ضحك، كما تقول: مررت برجل ضاحك. وبنيت على الفتح، لأنه أقرب الحركات إلى السكون من قبل الخفة.
*و(أيان) بني لما فيه من معنى الحرف، وهو الاستفهام. وكانت الحركة فتحة من أجل ثقل الكسرة فيه، والضمة من أجل الياء، والألف غير حاجز حصين.
*و(الآن) بني لمخالفته ما عليه الأسماء؛ لأن الأسماء إنما تقع نكرة ثم تتعرف، ووقع هذا من أول أحواله معرفًا بالألف واللام فلما خرج عن شبه الأسماء بني. وبني على حركة
[ ٢ / ٨٥١ ]
لسكون ما قبل آخره، وكانت فتحة لأتها تناسب ما قبلها.
*شتان وسرعان بنيا لأنهما اسم لـ (بعد) و(سرع). وبنيا على الفتح لما ذكرناه في (الآن). وكذلك علة بناء (هلم) و(هيهات).
*وأسماء العدد من أحد عشر إلى تسعة عشر مبنية إلا اثني [١٧٨/آ] عشر. وإنما بنيت لتضمنها واو العطف؛ إذا كان الأصل عطف الاسم الثاني على الأول. ولم يبن اثنا عشر؛ لأن الألف فيها علامة التثنية، وهي علامة الإعراب، وما أعرب بالحرف لا يصح بناؤه، لأن الحرف لازم له. وبني على اخف الحركات لطوله. وكذلك حضر موت، ورامهرمز، ومارسرجس.
وتقول في المؤنث من العدد: ثماني عشرة، فتفتح الياء، كما تقول: ثلاث عشرة. ومنهم من يسكنها تشبيهًا بـ (معدي كرب).
وقول الشاعر:
ولقد شربت ثمانيًا وثمانيًا وثمان عشرة واثنتين وأربعًا
حذف الياء من (ثماني)، وبقيت النون على كسرتها.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
*وأمس مبني، وبني لأنه خالف ما عليه الأسماء من لزوم مسمياتها.
*وذا لا يخص يومًا بعينه، ولأنه أشبه المبهم. لأنك إذا قلت: (ذا) أشرت إلى حاضر، ثم لا يلزم المشار إليه بل يزول عنه وينتقل إلى غيره. وكذلك إذا قلت: أمس، أشرت إلى اليوم الذي قبل يومك، ثم يزول عنه كما زال (ذا). وبني على الكسر هربًا من التقاء الساكنين. أو بني على السكون، ثم كسر لالتقاء الساكنين، واختير الكسر لالتقاء الساكنين دون غيره؛ لأن الكسرة إذا كانت إعرابًا كان معها التنوين ولابد، وليس كذلك غيرها؛ فاختيرت هذه الحركة لالتقاء الساكنين؛ لحصول العلم بأنها غير حركة الإعراب لمفارقتها التنوين.
وأيضًا فإن الكسر يناسب السكون، من أجل اختصاص كل واحد منهما ببابه وانفراده به؛ فلما افتقروا إلى تحريك الساكن حركوه بنظيره.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
وأيضًا فإن الساكن قد يقع في الفعل. وقد علم أن الفعل لا يدخله الكسر. فلو حرك بالضم أو الفتح لتوهم أن ذلك حركة إعراب لأنهما يدخلانه في حالة الإعراب. وإنما حرك الأول من الساكنين دون الثاني، لأن سكون الأول منع من النطق بالثاني.
*ونزال وأخواته مبني، لأنه اسم لفعل الأمر، ومعناه: انزل.
*والمعدول عن المصدر نحو: فجار وعن الصفة نحو: حلاق، وفساق، وعن فاعله نحو: حذام؛ كل ذلك أشبه نزال فبني.
*ومن بنيت لمضارعتها الحرف في أحوالها: من الاستفهام، والجزاء، وكونها موصولة لأنها بعض اسم [١٧٨/ ب].
*وكم بنيت لمضارعة حرف الاستفهام وفي الخبر شابهت (رب) لأنها للتكثير، و(رب) للتقليل.
*وقط بالسكون اسم للفعل بمعنى: اكتف، وكذلك قد التي في معناها.
*وإذ وإذا بنيتا لمشابهة الحرف في الافتقار إلى ما يوضحهما
[ ٢ / ٨٥٤ ]
مما يضافان إليه. وقيل: لمضارعة (الذي).
*والمبهمات والمضمرات علتهما في البناء سواء، وهو أنهما لا يلزمان ما يرجعان إليه ويقعان عليه، وليس كذلك الأسماء؛ فلما خرجا عما عليه الأسماء بنيا. وإن شئت قلت: شابها الحرف فبنيا، وذلك لافتقارهما. والضمائر كالمبهمات. والأصوات مبنيات كلها، لأنها مدات كأصوات المزامير.
[ ٢ / ٨٥٥ ]