بثمن، إنما يأكله عند غيره، أو يهدي له الأيسار. وكانوا أكثر ما يجتمعون على الميسر بالليل، ويوقدون نارا لذلك، ثم يؤخذ ثوب شديد البياض، فيلف على يد الحرضة، ويسمى ذلك الثوب (المجول)، وإنما يجعل ذلك الثوب على يده ليغشي بصره، فلا يعرف قدح زيد دون عمرو، وهذا بعد أن يلف كفه بقطعة من جرا لئلا يجد مس قدح يكون له مع صاحبه محاباة.
فإذا أخذ القداح لم ينظر إليها، ويجلس خلفه آخر، ويسمى (الرقيب) ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به. ثم يفيض بالقداح، فإذا نشز، أي ارتفع، منها قدح استله الحرضة من غير أن ينظر إليه، ثم ناوله الرقيب، فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على قدر نصيب القدح منها؛ وذلك هو الفوز. فإن شاء بعد ذلك أمسك وإن شاء أعاد السهم على خطار آخر، ويمسى ذلك (التثنية)، وهو مراد النابغة في قوله:
أني أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
[ ٢ / ٦٨٠ ]
فإن خرج الفذ أخذ صاحبه نصيبه، وله جزء واحد كما تقدم. ثم ضربوا بالقداح الباقية على التسعة الأجزاء الباقية. وإن [١٤٤/ب] خرج التوأم أخذ صاحبه جزأين وقعد إن شاء.
وضربوا بباقي القداح على السبعة الأجزاء الباقية، فإن خرج المعلى أخذ صاحبه الأجزاء السبعة التي بقيت، ووقع الغرم- أعني ثمن الجزور- على من لم يخرج سهمه، وهم أربعة: أصحاب الرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل. ولجملة هذه القداح ثمانية عشر سهما، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا، ويلزم كل صاحب قدح من هذه القداح مثل ما كان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه.
فإن لم يخرج الفذ ولا التوأم وخرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أجزاء، ثم ضربوا ثانية فخرج المعلى أخذ صاحبه السبعة الأجزاء الباقية، وهي تتمة الجزور، وكانت الغرامة على من لم يخرج قدحه، وهم أصحاب القداح الستة التي خابت.
فإن خرج المعلى أول القداح أخذ صاحبه سبعة أجزاء الجزور واحتاجوا إلى نحو جزور أخرى؛ لأن في القداح التي خابت المسبل وله ستة أجزاء، ولم يبق من اللحم إلا ثلاثة
[ ٢ / ٦٨١ ]
أجزاء. ومن خاب قدحه في الجزور الأولى لم يأكل منها شيئا، وذلك عندهم قبيح يعاب.
فإذا نحروا الجزور الثانية وضربوا عليها بالقداح فخرج المسبل أخذ صاحبه ستة أجزاء، منها الثلاثة التي بقيت من الجزور الأولى، ولزمه الغرم في الجزور الأولى ولم يلزمه في الثانية شيء؛ لأن قدحه قد فاز فيها. وصار غرم الجزور الثانية على من لم يخرج قدحه، على ما سبق من الحساب.
وبقي من الجزور الثانية سبعة أجزاء يضرب عليها بقداح من بقي. فإن خرج النافس أخذ صاحبه خمسة أجزاء ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا، ولزمه الغرم في الأولى. وبقي جزءان من اللحم وقد بقي من القداح [١٤٥/آ] الحلس، وله أربعة أجزاء، فاحتاجوا إلى نحر أخرى لتتمة الأجزاء الأربعة، ولا يأكل من خاب في الجزور الثانية منها شيئا.
فإن نحروا الجزور الثالثة وفاز الحلس أخذ صاحبه أربعة أجزاء، منها جزءان من الثانية وجزءان من الثالثة، ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا؛ لأنه قد فاز، وكان ثمنها على من خاب قدحه. وبقي من الجزور الثالثة ثمانية أجزاء، فيضرب عليها
[ ٢ / ٦٨٢ ]
بالقداح من بقي حتى تخرج قداحهم موافقة لأجزاء الجزور. فإن كانت أجزاء اللحم موافقة لأجزاء القداح لم يحتاجوا إلى نحر شيء؛ فإن أعاد من فاز قدحه مرة ثانية فخاب غرم من ثمن الجزور التي خاب قدحه فيها، على هذا الحساب.
فإن فضل من أجزاء اللحم شيء وقد خرجت القداح كلها كانت تلك الأجزاء الفاضلة لأهل الوبد من العشيرة، وهم أهل الضعف وسوء الحال، وشدة العيش. ويقال: رجل وبد، أي: سيء الحال، ويستوي في الوصف به الواحد والجمع، كما تقول: رجل عدل؛ ويجمع أيضا على أوباد، كما يقال: عدول؛ ومنه قوله:
لأصبح الحي أوبادا ولم يجدوا عند التفرق في الهيجا جمالين
ورج مستوبد بمعنى الوبد.
ومن أبيات المعاني قوله:
[ ٢ / ٦٨٣ ]
١ - يا عين بكي حنيفا رأس حيهم الكاسرين القنا في عورة الدبر
٢ - أيسار صدق ينسيهم مراديهم صك القداح مواريب على الخطر
قوله: (الكاسرين القنا في عورة الدبر) فعورة الدبر: ما وراء القوم [١٤٥/ب] إذا انهزموا؛ لأنهم إذا انهزموا بقي ما وراءهم عورة ضائعا؛ فهؤلاء يحامون عن العورة ويطاعنون عنها حتى تتكسر رماحهم.
ومن هذا قوله ﷿: ﴿إن بيوتنا عورة﴾، وقول الشاعر:
[ ٢ / ٦٨٤ ]
الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائنا وكف
وقوله: (ينسيهم مراديهم) يريد أرديتهم، أي إنهم لإقبالهم على الميسر وطربهم لصك القداح يذهلون عن أرديتهم. و(المواريب) من قولهم: أربت العقدة: إذا أحكمت شدها، أي: هم شداد إذا قامروا لا ينحل لهم عقد.
٣ - أعداء كوم الذرى ترغو أجنتها عند المجازر بين الحي والحجر
الكوم: جمع كوماء، وهي العظيمة السنام. وهم أعداؤها لأنهم ينحرونها، يعني أنها تنحر وهي حوامل فيخرج الجنين حيا يرغو.
٤ - يمشي إليها بنو هيجا وإخوتهم شم مخاميص لا يعكون بالأزر
[ ٢ / ٦٨٥ ]
الهيجا: الحرب، تمد وتقصر. ومخاميص، أي: خمص البطون والواحد خميص، وهذا الجمع على غير القياس. وقوله (لا يعكون بالأزر) أي يطرحون الأشياء ولا يكترثون بشد إزار ولا غيره؛ وذلك مما تمدح به ملوكهم.
ومثل المخاميص في خميص الأناجيح في جمع منجح، قال:
بغاته إنما يبغي الصحاب من الـ ـفتيان في مثله الشم الأناجيح
٥ - لا يفرحون إذا ما فاز فائزهم ولا تضيق عليهم أربة العسر
يقول: إذا فازوا لم يفرحوا بذلك، ولا يبطرهم الفوز. ومنه قول [١٤٦/آ] الله ﷿: ﴿إن الله لا يحب الفرحين﴾.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
والأربة: الشدة، أي: لا يبالون بالغرم وإن كانوا معسرين.
٦ - هم الخضارم والأيسار إن ندبوا إذ لا تجيل قداحا راحتا يسر
الخضارم: الأسخياء، والواحد خضرم، وأصل الخضرم للبحر.
ومنها:
١ - يا بنت آل هشام هل علمت إذا أمسى المراضيع في أعناقها خضع
٢ - أني أتمم أياسري بذي أود من فرع شنحاط ضاحي ليطه قرع
يعني القدح. وإذا كان ذا أود كان أسرع لخروجه. وشنحاط أرض. وضاحي ليطه: ظاهر جلده وما ضحا منه للشمس أي برز.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٣ - يحدو قتائله بيض غطارفة شم الأنوف مغاليق الضحى خلع
القتائل: الأشباه، وهذا قتل هذا أي شبهه، والجمع: أقتال؛ قال الأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقتال
ويقال أيضا: فلان قتل فلان أي عدوه.
فقول ابن مقبل: (يحدو قتائله) أي قتائل قدحي. و(مغاليق الضحى) أي: يغلقون الرهن والخطر. و(خلع) معناه: يسلبون الرجال أموالهم بالقمار ويخلعونها.
٤ - ألو الوفاء ولو أدوا قداحهم ولا يزال لهم من لحمها قنع
ألو الوفاء، أي: يؤدون ما يلزمهم وفاء به، ولو لم يبق لهم إلا
[ ٢ / ٦٨٨ ]
قداحهم لأدوها. والقنع: الزيادة والكثرة، ويقال: هو ذو قنع، أي: كثير المال جواد.
ومنها قول عمرو بن قميئة- وهو صاحب امرئ القيس في قوله:
بكى صاحبي لم رأى الدرب دونه -:
١ - بودك ما قومي على أن تركتهم سليمى إذا هبت شمال وريحها
يريد: بودك يا سليمى قومي، و(ما) زائدة. على أنك تركتهم وفارقتهم [١٤٦/ب] وسليمى: امرأته وكانت أرادت منه فراق قومه.
٢ - إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا ولم يك برق في السماء يليحها
[ ٢ / ٦٨٩ ]
رابيًا، أي: مرتفعًا. والنجم: الثريا. وأشد البرد عند طلوع الثريا أول الليل. ويليحها: يظهرها ويضيئها. يقول لها: لعل ودك أنك عند قومي في هذه الحال.
٣ - وغاب شعاع الشمس في غير جلبة ولا هبوة إلا وشيكا مصوحها
الجلبة: السحابة، وكذلك الجلب. والوشيك: السريع. والمصوح: الذهاب. والهبوة: الغبرة.
٤ - وهاج غمام مقشر كأنه نقيلة نعل بان منها سريحها
مقشعر: لا ماء فيه. والنقيلة: النعل البالية من النعال التي تنعل بها الإبل إذا حفيت، وجمعها: نقال. والسريح: السيور التي تشد بها النعل، الواحدة: سريحة.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
٥ - إذا عدم المحلوب عادت عليهم قدور كثير في القدور قديحها
القديح: المغروف.
٦ - يثور إليها كل ضيف وجانب كما رد دهداه القلاص نضيحها
الجانب: الأجنبي الغريب. والدهداه: صغار الإبل، سميت بذلك لأن الإبل إذا وردت الماء دهدهتها ودحرجتها. والنضيح: الحوض.
٧ - بأيديهم مقرومة ومغالق يعود بأرزاق العباد منيحها
مقرومة، يعني القداح بها علامات. وليس المنيح ههنا القدح الذي ذكرناه أنه لا سهم له؛ وإنما المنيح ههنا الممنوج منها المعطى وهو القدح الفائز. ويجوز أن تعيد الهاء في (منيحها) على العباد، ويكون المنيح بمعنى الفاعل، أي: تمنحهم هذه القداح ما أصابوه من قمرها.
ومنها قول الطرماح:
[ ٢ / ٦٩١ ]
١ - وابن سبيل قريته أصلا من فوز بح منسوبة تلده [١٤٧ آ]
البح: القداح كأن أصواتها فيها بحة. وتلد أي: قديمة منسوبة إلى الشجر التي تتخذ منها نحو النبع.
٢ - لم تستدر في ربابة ونحا أصلابها وشوش القرا حشده
الربابة: الجلدة التي تجمع القداح فيها، وفي غير هذا الموضع: القداح نفسها. ونحا أصلابها، أي: اعتمد عليها هذا القدح. الوشوش القرا أي الخفيف، فخرج. والحشد: المجتهد.
٣ - دفعت فيها ذا ميعة صخبا مغلاق قمر يزينه أوده
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الميعة: النشاط. والصخب: الصوت، يعني قدحا.
٤ - لم يبق فيه من كف صاحبه أخلاق سرباله ولا جدده
يقول: إنه من كثرة ما تمسه كف صاحبه. وأراد بالسربال ههنا ماله من القشر.
٥ - موعب ليط القرا به قوب سود قليل اللحاء منجرده
موعب الليط، أي: قد استؤصل جميع ليطه، واستوعب جميعه. والقوب: الآثار.
٦ - يغدو من الحي ضيفه دسما وقد أوى وهو ظاهر وبده
٧ - مجرب بالرهان مستلب خصل الجواري طرائف سبده
[ ٢ / ٦٩٣ ]
يعني أنه مجرب أنه يفوز. والجواري: القداح التي تجال معه فيستلبها خصلها، والخصل: الفوز. والسبد. استعارة لما يصيب ويكسب بفوزه.
٨ - إذا انتحت بالشمال سانحة جال بريحا واستفردته يده
يعني إذا انتحت القداح جال وحده. واستفردته يد المفيض أي إنه يخرج وحده من بينها فردا فائزا.
ومنها قوله:
ورأته معلبيا يرقع الشن وفي ذاك ما يصد الكعابا
فزوت صافيا كليط ابنة البحـ ـر وردت على الوميض الحجابا [١٤٧/ب]
يقال: علبى الرجل: إذا تشنج علباؤه من الكبر، وهو العرق في جانب العنق. ويقال له إذا اعتمد على يده عند القيام: رقع الشن؛ فلما رأته كذلك زوت وجهها عنه، وشبه وجهها بالصدفة
[ ٢ / ٦٩٤ ]
في صفائها. والليط: القشر. وابنة البحر: الدرة. والوميض: بريق ثغرها.
ومنها:
تلقاهم زمرا خضرا نعالهم قد نشرت كنفيها فيهم الضبع
لو صاب واديهم رسل فأترعه ما كان للضيف في تغميره طمع
خضر النعال، أي أخصبوا فاخضرت نالعلهم، لأنهم يطؤون العشب؛ وهم مع ذلك بخلاء كأن الضبع، وهي السنة المجدبة، قد نشرت فيهم جانبيها. ولو وقع المطر على واديهم حتى ملأه ما كان للضيف في التغمير مطمع. والتغمير أن يسقى لبنا في الغمر، وهو القدح الصغير؛ قال:
[ ٢ / ٦٩٥ ]
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويكفي شربه الغمر
ومنها:
تأود فيه النبت حتى تحيرت رباه وحتى لا ترى الوحوش نوما
يصف مكانا جادته السماء فكثر فيه النبت وطال حتى تأود، أي أعوج لطوله، وتحيرت رباه: ركب بعض نبتها بعضا، فكأن نبتها كالمتحير منه مائل إلى جهة ومائل إلى أخرى؛ لأن المتحير لا يقصد جهة. ومنه قول الشاعر:
وقضين ما قضين ثم تركنني بفيفا خريم قائما أتلدد
[ ٢ / ٦٩٦ ]
فلم أر مثل العين ضنت بمائها علي ولا مثلي على الدمع يحسد
أتلدد: معناه: أتلفت إلى هذه الجهة وإلى هذه الجهة.
واللديدان: عرقا العنق. وقيل للمتحير متلدد، من ذلك. وقوله: (حتى لا ترى الوحش نوما) منصوب على الحال، أي: تنام به الوحش فلا تراها نوما.
ومنها- أنشده الأصمعي-: [١٤٨/آ]
قامت تبكي لأن مرت بها أصلا بجانب الدو أسراب من العين
قالت: أبو مالك أمسى ببلقعة تسفي الرياح عليه غير مدفون
فبنيت صدق ما قالت وما نطقت وصاحب الدهر في خفض وفي لين
[ ٢ / ٦٩٧ ]
غاب عن هذه المرأة أبو مالك، فمرت بها أسراب من الظباء بارحة، والبارح: الذي يريك مياسره، فتطيرت من ذلك وبكت؛ وورد خبر أبي مالك بذلك، فبنيت الظباء البوارح صدق ما قالت.
وقوله: (وما نطقت) في موضع الحال، أي: بنيت صدق قولها غير ناطقة. وفي (بينت) ضمير فاعل يرجع على الظباء، أي: إن الظباء بينت صدق ما قالت. وفي (قالت) ضمير فاعل للمرأة، أي: صدق ما قالت المرأة. و(صاحب الدهر في خفض) أي: في انحطاط تارة، وتارة في رفعة.
ومن هذا الباب قول رؤبة:
وقد أرى واسع جيب الكم
أسفر عن عمامة المعتم
عن قصب أسحم مدلهم
يقال: فلان واسع الجيب، أي: رخي البال لا يكترث.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وأراد بالقصب الأسود شعره.
ومن هذا الباب قوله أيضا:
إذا الدليل استاف أخلاق الطرق
كأنها حقباء بلقاء الزلق
أخلاق الطرق: التي درست العلامة فيها، فكأنها قد بليت كما تبلى الأخلاق من الثياب. واستاف: شم؛ لأنه إذا ضل شم التراب، فإن وجد ريح بول أو رمة علم أنه لم يضل، وإن وجد ريح العذاة، وهي الريح الطيبة، علم أنه قد ضل. و(بلقاء الزلق) يريد عجيزتها. والحقباء: الأتان التي بموضع حقبها بياض، شبه ناقته بها.
قال أبو عبيدة: لم يقل رؤبة شعرا إلا أربعة أبيات- يعني أنه إنما كان يقول الرجز-:
[ ٢ / ٦٩٩ ]
إذا ما الموت أقبل قبل قوم أكب الحظ وانتقص العديد
أرانا لا يفيق الموت عنا كأن الموت إيانا يكيد
والبيتان الآخران:
أيها الشامت المعير بالشيـ ـب أقلن بالشباب افتخارا
قد لبست الشباب غضا طريا فوجدت الشباب ثوبا معارا
في هذين البيتين الأخيرين شيء مما يناسب أبيات المعاني، وإنما أوردت البيتين الأولين لما قال أبو عبيدة، وهي من الفوائد.
ومن أبيات المعاني:
وأبي الذي قاد المهزم عانيا غب الوقاع مكبلًا مجنوبًا
[ ٢ / ٧٠٠ ]
كيف يكون مجنوبا وهو مكبل؟ قيل: معناه: إنه شده إلى كبال السرج، والكبالان حلقتان في قربوس السرج.
حكى الأشنانداني قال: كنا في حلقة [١٤٨/ب] الأصمعي، فأقبل أعرابي يرفل في الخز فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعي؛ فقال: ما معنى قول الشاعر:
لا مال إلا العطاف يؤزره
أم ثلاثين وابنة الجبل
لا يرتقي النز في ذلاذله
ولا يعدي نعليه عن بلل
فتبسم الأصمعي ثم قال:
[ ٢ / ٧٠١ ]
عصرته نطفة تضمنها
لصب تلقى مواقع السبل
أو وجبة من جناة أشكلة
إن لم يرغها بالقوس لم تنل
فولى الأعرابي يقول: لم أر كاليوم عضلة. قال: وأنشدنا الأصمعي القصيدة.
العطاف: السيف. وأم ثلاثين، يعني كنانة فيها ثلاثون سهما. وابنة الجبل: القوس؛ لأنها نبتت فيه. وقوله: (لا يرتقي النز في ذلاذله)، أي: إنه لا يكون إلا في الجبل، وليس هناك نز. وكذلك قوله (ولا يعدي نعليه)، أي: ليس هناك بلل فيتخطاه.
وعصرته: ملجؤه. والنطفة: النقعة من الماء. والوجبة: أن يأكل مرة واحدة. والجناة: الثمرة. والأشكلة: الضالة، أي: إن لم يضربها بالقوس لم تلق ثمرتها.
[ ٢ / ٧٠٢ ]