مسألة
إذا قلت: (ما أراد أخذ زيد) فـ (ما) في موضع نصب بـ (أخذ)، و(أراد) صلة لـ (ما)، والتقدير: أراده، فحذف العائد، و(زيد): فاعل لـ (أخذ)، ولا يكون فاعلا لـ (أراد)؛ لوقوع الفصل بين (أراد) وفاعله بـ (أخذ) وهما صلة (ما)، و(أخذ) أجنبي.
وترتيب المسألة على الأصل: أخذ زيد ما أراده. فإن قدمت زيدا على (أخذ) كان زيد فاعلا لـ (أراد)، وإن شئت رفعته بالابتداء و(أخذ) خبره، و(ما أراد) مفعول (أخذ)، ويجب تقديم المفعول ليعوج الضمير في (أخذ) على زيد. ولنا أن نجعل (ما) شرطية، وتكون في موضع نصب بـ (أراد)، و(زيد) فاعل (أراد)، و(أخذ) جواب الشرط، ومفعول (أخذ) محذوف أي: أخذه.
وإن قدمت زيدا فقلت: (زيد ما أراد أخذ) جاز في (ما) أيضا أن تكون شرطية في موضع المفعول لـ (أراد)، و(أخذ) جواب الشرط، والجملة خبر المبتدأ. وجاز في (ما) أيضا أن تكون موصولة في موضع المفعول لـ (أخذ).
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وتقول: (ما أراد زيد يأخذ) فيجوز أن تكون (ما) شرطية، وموصولة، واستفهاما. فإن قدرناها موصولة فهي في موضع نصب بـ (يأخذ)، وصلتها (أراد)، والعائد عليها محذوف، أي: أراده. وإن قدرناها شرطية فهي في موضع نصب بـ (أراد)، و(يأخذ) جواب الشرط، والجملة خبر المبتدأ ويكون (يأخذ) مجزوما. وإن قدرناها استفهامية كانت في موضع نثب بـ (أراد)، و(يأخذ) مجزوم على جواب الاستفهام، كما قالوا: ما اسمك أذكر.
قول الشاعر:
شهدت الحروب فشيبنني
وقاتلت فيها ولم أولد
أي: وأنا في صلب أبي [١٥٨/آ].
وقول الآخر:
[ ٢ / ٧٥٤ ]
عجوز بين نابيها حمار
وبين ثنيتيهما رأس بغل
(نابيها): ناقتاهما. والثنيتان: الجبلان.
وقول الآخر:
وشيئان من شيئين شتى تجمعا
لشيء فكان الشيء شيئا سواهما
وقال آخر:
رأيت أبا قيس يباع بدرهم
وليس على قيس بذلك عار
أبو قيس: من أسماء المكيال.
وأنشد بعضهم البيت المشهور:
.. .. .. .. ..
ولا يك موقفا منك الوداعا
[ ٢ / ٧٥٥ ]
على تقدير: قفي موقفا ولا يكن الوداعا. وأنشد بعضهم:
شر يوميها وأشقاه لها
ركبت عنز بحدج جملا
(عنز) ههنا اسم امرأة. وكان الوجه أن يقول: وأشقاهما، ولكن هذا من كلامهم: أن يذكروا مثنى أو مجموعا أو مؤنثا، ويأتوا بضمير مفرد، فيقولون: هو أحسن الفتيان وأجمله.
ومية أحسن الثقلين جيدا
وسالفة وأحسنه قذالا
ومنه قول الفرزدق:
[ ٢ / ٧٥٦ ]
. .. ..
فإني كريم المشرقين وشاعره
وقول الآخر:
مثل الفراخ فتقت حواصله
وقول الآخر:
وبالبدو منا أسرة يحفطوننا
كرام مساعيهم عظام كراكره
كأنه يريد (عظام كراكر ما ذكرت)، فيحمله على الواحد. وقد أجيز أن يكون الضمير في قوله ﷿: ﴿مما في بطونه﴾ على هذا.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وقول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم
لنا قمراها والنجوم الطوالع
القمران: الشمس والقمر؛ كمل قالوا في رؤبة والعجاج: العجاجان والعمران للصديق والفاروق ﵄.
ومثل ذلك قول الفرزدق أيضا:
عشية سال المربدان كلاهما
عجاجة موت بالسيوف الضوارب
ومنه الزهدمان والخبيبان.
قول الأعشى:
[ ٢ / ٧٥٨ ]
فلئن ربك من رحمته
كشف الضيقة عنا وفسح
ولئن كنا كقوم هلكوا
مالحي- يالقوم- من فلح [١٥٨/ب]
جواب الشرط في البيت الأول محذوف.
وقول الشاعر:
الآن بعد لحاحتي ينهونني
هلا التقدم والقلوب صحاح
التقدم منصوب بفعل مضمر. كما قال الآخر:
أتيت بعبد الله في القد موثقا
فهلا سعيدا ذا الخيانة والغدر
وكقول جرير:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم
بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
الضوطرى، والضوطر، والضيطر، والضيطار: الضخم الذي
[ ٢ / ٧٥٩ ]
لا غناء عنده. ومنه قول الشاعر:
تعرض ضيطارو فعالة دوننا
وما خير ضيطار يقلب مسطحا
أراد بـ (فعالة) خزاعة. وما خير ضيطار، أي: ضعيف، ومع ذلك فلا سلاح له، إنما معه مسطح؛ وكذلك الضياطرة.
قول الشاعر:
لا تنظرن شزرا إلى ذي مودة
فإن مشاريط القلى النظر الشزر
لم يتكلموا بواحد لـ (مشاريط) هذا.
قول الشاعر:
مشمر نعل السيف عن نصف ساقه
وقد أطول القين الحمائل عاتقه
أي: مشمر نعل السيف عاتقه عن نصف ساقه، مع أن القين
[ ٢ / ٧٦٠ ]
قد أطول الحمائل، أي إنه طويل.
وقول الشاعر:
هجرتك حتى قيل: ما يحسن: القلى
وزةتك حتى قيل: ما إن له صبر
(ما) الأولى: موصولة، والقلى: خبر.
وقول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من محارب
أبوه ولا كانت كليب تناسبه
فيه وجهان، أحدهما: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، فهذا وجه، على هذه الرواية؛ وقد أنشده قوم: (ما أمه من محارب أبوها). وقول الشاعر:
[ ٢ / ٧٦١ ]
أليس بصيرا من يرى وهو قاعد
بمكة أهل الشام يختبزون
رأى أهل الشام بمكة لما حجوا وهم يختبزون [١٥٩/آ].
وقول سيبويه- والشعر له فيما ذكر-:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى
إذا طرق الداء الذي هو قاتل
قطوب فما تلقاه إلا كأنما
زوى وجهه لو لاكه فوه حنظل
أي: زوى وجهه حنظل لو لاكه فوه. وفي قوله: (قاتل) مع قوله (حنظل) لا يجوز؛ لأن ألف التأسيس لا يكون معها
[ ٢ / ٧٦٢ ]
غيرها؛ فما أظن هذا يصح عن سيبويه، إلا أن يكون هذا الشعر قد غير، مثل أن يكون:
إذا طرق الداء الذي هو يقتل
وأنشد أبو محمد التوزي النحوي:
إني أرى دارا بأغدرة السـ
ـيدان لم يدرس لها رسم
إلا رمادا هامدا دفعت
عنه الرياح خوالد سحم
قال: و(إلا) ههنا في معنى الواو، وكأنه قال: ورمادا هامدا، قال: كذا قال الخليل فيه؛ كما قال الشاعر:
من كان أشرك في تفرق فالج
فلبونه جربت معا وأغدت
ويروى (أسرع) مكان أشرك.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
إلا كناشرة الذي ضيعتم
كالغصن في غلوائه المتنبت
يقول: وكناشرة.
قال أبو محمد التوزي: وقال أبو عبيدة في قول الله ﷿: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا﴾، قال: (إلا) في معنى الواو.
قلت: فيكون (والذين ظلموا) على هذا مستأنفا، كأنه قيل: والذين ظلموا منهم لا يفلحون، ونحوه.
وقول الشاعر:
إذا نحن نلنا من ثريدة عوكل
فقدنا لها ما بعدها من طعامها
[ ٢ / ٧٦٤ ]
فقدنا معناه: فحسبنا؛ كما قال:
قدني من نصر الخبيبين قد
وقال يزيد بن الحكم:
مرحبا بالذي إذا جاء جاء الـ ..
ـخير أو غاب غاب عن كل خير
تقديره: إذا جاء الخير أو غاب غاب هو عن كل خير.
وقال النابغة:
[ ٢ / ٧٦٥ ]
أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني
وتلك التي تستك منها المسامع
ملامة أن قد قلت سوف أناله
وذلك من تلقاء مثلك رائع
نصب ملامة على معنى لمتني ملامة.
وقول الشاعر [١٥٩/ب]:
آتي الندي فلا يقرب مجلسي
وأسوق للشرف الرفيع حماري
يعني أنه يسوق حماره إلى شرف ليركب؛ لأنه لكبر سنه لا يطيق الركوب إلا على تلك الحال.
وقول النابغة:
تبدو كواكبه والشمس طالعة
لا النور نور ولا الإظلام إظلام
والقوافي مجرورة؛ توهم الباء، فكأنه قال: ولا الإظلام
[ ٢ / ٧٦٦ ]
بإظلام.
وقول الأعشى:
ولقد شربت ثمانيا وثمانيا
وثمان عشرة واثنتين وأربعا
النون من (ثمان عشرة) مكسورة؛ لأنه أراد ثماني عشرة ويروى: (ولأشربن).
وقول قيس بن الخطيم:
لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضنا
تدحرج عن ذي سامة المتقارب
المتقارب: صفة لـ (بيضنا). وذي سامة: موضع ولم يصرف للتأنيث والعلمية. والسام: عرق من فضة يكون في المعدن فضربه مثلا.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وقول الأعشى:
فإن يمس عندي الشيب والهم والعشى
فقد بن مني والسلام تقلق
بأشجع أخاذ على الدهر حكمه
فمن أي ما تجني الحوادث أفرق
قوله: (بأشجع) متعلق بقوله: بن مني، أي: ذهبن مني بأشجع أي بفتى أشجع. وقوله: والسلام تفلق: مبتدأ وخبر، يعني والحجارة تتكسر، فكيف الإنسان؟!.
وقال متمم بن نويرة:
سقى الله أرضا حلها قبر مالك
ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
تجيته مني وإن كان نائيا
وأمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
[ ٢ / ٧٦٨ ]
أي: هذه تحيته مني. وبلقعا نصب على الحال.
وقول عمر بن أبي ربيعة:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا
إذا أقول صحا يعتاده عيدا
نصب عيدا؛ لأنه جعله مصدرا.
وقال آخر [١٦٠/آ]:
المال يزري بأقوام ذوي حسب وقد يسود غير السيد المال
[ ٢ / ٧٦٩ ]