مسألة
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن بري﵀-:
الكلام في أصل اللغة أصوات متتابعة لمعنى مفهوم. والكلام على ما اصطلح عليه النحويون عبارة عما ألف من مسند ومسند إليه، أو مقدر بهما. وإنما جعلوا الكلام هو المؤلف من الكلم الثلاث، التي هي: الاسم، والفعل، والحرف، من جهة أن الكلام عندهم هو ما أفاد معنى من المعاني الستة التي هي: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنداء، والتمني، والعرض؛ وكل واحد من هذه الستة مؤلف من مسند ومسند إليه، ومقدر بهما. وأعني بالمقدر بهما قولهم: يا عبد الله، فـ (يا): تصويت للمنادى، والمصوت هو المنادي، والتصويت فعل المنادي، والمنادي [١٥٥/ب] هو الفاعل، والمنادى هو المفعول؛ فلذلك صار قولك: (يا عبد الله) مقدرا بالمسند والمسند إليه؛ ولهذا لم يفد حرف واسم إلا في النداء خاصة.
واعلم أن الكلام عندهم هو اسم الشيء المتكلم به، وليس
[ ٢ / ٧٤٠ ]
عبارة عن فعل المتكلم، وليس هو مصدر جار على كلم، إنما مصدر (كلم) التكليم؛ فنسبة الكلام من كلم كنسبة السلام من سلم. وربما أوقعوا الكلام موقع التكليم، ويكون حينئذ عبارة عن فعل المتكلم، على أصله في أصل اللغة، كقولك: كلمت زيدا كلاما؛ فأوقعوا الكلام موقع التكليم، كما أوقعوا العطاء موقع الإعطاء في نحو قول القطامي:
أكفرا بعد رد الموت عني
وبعد عطائك المائة الرتاعا
واعلم أن الجملة اللفظية يطلق عليها اسم الكلام، ويطلق أيضا على المعنى الذي دلت عليه هذه الجملة اللفظية، وعلى المعنى القائم بالنفس أيضا قبل النطق به، كقول عمر ﵁:
(إني قد كنت زورت في نفسي كلاما).
وقد يكون الكلام عبارة عن فعل المتكلم دون الشيء المتكلم
[ ٢ / ٧٤١ ]
به على أصله في اللغة، على ما تقدم، نحو: عجبت من كلامك زيدا. وقد يطلق على الإشارة؛ لأنه يفهم منها ما يفهم من الكلام، وذلك مجاز لا حقيقة. وقد يطلق على الحروف المرسومة في الكتاب أن تسمى كلاما على معنى أنه إذا رآها فقد سمعها، وهذا مجاز واتساع لأن الحروف المكتوبة أجسام لا يوصف لها، وإنما يوصف الكاتب بفعله الذي هو الكتابة، وهي غيرها.
[ ٢ / ٧٤٢ ]