فمنها قول الشاعر:
أبوك بسيف كان لاقى محمد
به الله في بيض حديث صقالها
معناه: أبوك محمد لاقى به الله بسيف.
ومنها:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه
يوما فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وإن من
أثنى عليك بما صنعت فقد جزى
(لا يحر) أي: لا يرجع، وجزمه على جواب الأمر، أي: يرجع ضعفه عليك، أي: ينزل بك الدهر فيصير ضعفه فيك ويرفعه.
وفي معناه:
[ ٢ / ٧٠٣ ]
لا تهين الفقير علك أن
تركع يوما والدهر قد يرفعه
أي لا تهينن، بنون التأكيد الخفيفة. قال المبرد: حذفها لالتقاء الساكنين. وفي معناه:
ولا تحرم المرء الكريم فإنه
أخوك ولا تدري لعنك سائله
لعن لغة في لعل.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ومنها قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا
أبو أمه حي أبوه يقاربه [١٤٩/آ]
كان هذا الممدوح خال هشام بن عبد الملك. وهشام بن عبد الملك هو المراد بقوله: (إلا مملكا)، واسم هذا الممدوح إبراهيم وكان أميرا على المدينة من قبل ابن أخته هشام بن عبد الملك.
وتقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه. فـ (إلا مملك) بدل من (حي يقاربه)، فلما قدمه بطل البدل ونصب على الاستثناء. وأبو أم هشام بن عبد الملك أبو إبراهيم الممدوح، فأبو هذا الممدوح أخو أم هشام.
وكان الفرزدق يصد في شعره مثل هذا، كقوله:
[ ٢ / ٧٠٥ ]
لئن أخرجت برزة من أبيها
إلي لأدفعن لك العنانا
كمدحة جزول لبني قريع
إذا من فيه أخرجها اللسانا
الهاء في (أخرجها) للمدحة، والتقدير: إذا أخرجها باللسان من فيه، فحذف الجار فتعدى الفعل فنصب.
ومن أبيات الإعراب قوله:
بي الغرام يذيب بلاها
رب هذا دعاء صب كئيبا
الغرام مبتدأ، والخبر مقدم عليه. ويذيب جملة لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها صلة (الذي). ثم قال: (بلاها) من بلاه يبلو.
رب: فاعل (بلا) والهاء مفعوله، وأصل الكلام ربي، فحذف الياء واجتزأ بالكسرة. و(هذا دعاء) مبتدأ وخبر، ويجوز أن تنصبه على المصدر، والتقدير: أدعوه دعاء صب. (كئيبا) منصوب على الحال من الياء في (ربي) والعامل بلا، والحال لا تكون من مثل
[ ٢ / ٧٠٦ ]
هذا المضمر إلا قليلا.
ومنها:
لقد قال عبد الله شر مقالة
كفى بك يا عبد العزيز حسيبها
(عبدا الله) مثنى، وحذف النون للإضافة، والألف لالتقاء الساكنين، و(شر مقالة): مصدر؛ لأن ما أضيف إلى المصدر من هذا فهو مصدر، وهما كشيء واحد، والناصب له (قال)؛ لأنه من جنسه. و(يا عبد) منادى مرخم، والأصل: يا عبدة، ثم ابتدأ فقال: العزيز حسيبها كما تقول: الله حسيبك.
ومنها:
إن فيها أخيك وابن زياد
وعليها أبيك والمقدارا [١٤٩/ب]
(أخيك): جمع أخ جمع السلامة تعويضا له ما حذف منه، والأصل: أخين، فحذف النون للإضافة. و(ابن زياد) معطوف على (أخيك) الذي هو اسم إن. و(أبيك) مثل أخيك، وهو جمع
[ ٢ / ٧٠٧ ]
أب وهو معطوف على أخيك. و(المقدار) أيضا كذلك.
ومنها:
فما أدري أغيرهم تناء
وطول العهد أم مال أصابوا
(مال): مبتدأ، والنكرة يبتدأ بها لعد الاستفهام كقولك: أرجل عندك أم امرأة؟ والأصل: أصابوه، والهاء عائدة على المال، ولكنه حذف الضمير. و(أصابوه) خبر المبتدأ.
ومنها:
أرى رجلا منكم أسيفا كأنما
يضم إلى كشحيه كفا مخضبا
إن شئت جعلت (أرى) من رؤية القلب، فيكون (منكم) مفعولا ثانيا، وإن جعلته من رؤية العين فهو منصوب صفة
[ ٢ / ٧٠٨ ]
لـ (أسيف) و(مخضبا) صفة لكف، والكف مؤنثة، ومجازه أن التأنيث غير حقيقي، ولك أن تتأوله بمعنى العضو كما تأولت في قوله:
.. .. ..
ولا أرض أبقل .. ..
ويجوز أن تجعل (مخضبا) صفة لرجل أو تجعله حالا من الهاء في (كشيحه).
ومنها:
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ومن قبل آمنا وقد كان قومنا
يصلون للأوثان قبل محمدا
نصب محمد بآمنا؛ لأنع بمعنى صدقنا محمد ﷺ، وقيل: بإسقاط الخافض، وهذا أحسن.
ومنها:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر
فإن قومي لم تأكلهم الضبع
(ما أنت) عوض من (كنت) وتقديره: إن كنت، فحذف (كان) وأقام مقامها (ما)، ونقل (إن) الشرطية إلى (أن) المصدرية، والتقدير: لأن كنت؛ فـ (أن) وما بعدها منصوب بإسقاط الخافض، و(أنت) اسم كان، و(ذا) خبرها.
[ ٢ / ٧١٠ ]
ومنها:
إن مستهترًا بحبك قلبي
فاهجريني فما بقي لك حظ
الأصل إن أنا، فألقيت حركة الهمزة من (أنا) على نون (إن) وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون، فصار (إنا) ثم حذفت الألف فصار (إن) وهو مبتدأ، أعني أنا، ومستهتر خبره.
ومنها:
الواهب المائة الهجان وعبدها
عوذا تزجى خلفها أطفالها [١٥٠/آ]
يجوز في (المائة) النصب والجر، على المفعولية والإضافة. ويجوز في قوله (وعبدها) الوجهان المذكوران في المائة. ويجوز أن تخفض المائة على الإضافة، وتنصبه عطفًا على الموضع.
[ ٢ / ٧١١ ]
و(عوذا) منصوب على الحال. و(تزجى)، وما بعده، في موضع نصب صفة لعوذ. وتزجى مبني للمفعول، و(أطفالها) مرفوع به. ويجوز أن يرتفع (أطفالها) على الابتداء وخبره (خلفها) وفي (تزجى) ضمير يعود إلى المائة.
ومنها:
والله لو كنت لهذا خالصا
لكنت عبدا آكل الأبارصا
(والله) جار ومجرور في موضع نضب بفعل مقدر. وإن شئت: في موضع رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: قسمي أو يميني والله. و(كنت) في موضع جزم بما في (لو) من معنى الشرط. و(لهذا): في موضع نصب، أي خالصا لهذا. و(آكل): صفة عبد. و(الأبارص): مفعول آكل، والأصل آكلا، وإنما حذف النون لالتقاء الساكنين.
[ ٢ / ٧١٢ ]
ومنها:
يا خالق الحبة السودا بلا سأم
علا خوانك ملح غير مدقوق
يا خال: منادى مضاف، وحذف ياء الإضافة، وحذفها كثير في النداء. ق: فعل أمر من وقى يقي، ولم يبق من هذا الفعل إلا عينه؛ لأن فاءه حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحذفت لامه للأمر. والحبة: مفعول. و(بلا): جار ومجرور؛ لأن (لا) ههنا اسم بمعنى غير، وإن شئت جعلتها زائدة فتكون الباء جارة لـ (سأم) وخوانك: مفعول؟ وعلا: فعل ماض. وملح: فاعل علا.
ومنها:
ولو أن واش باليمامة بيته
وبيتي بأعلى حضرموت اهتدى ليا
والوجه: ولو أن واشيا. والنجاة يقولون: هذا من أحسن
[ ٢ / ٧١٣ ]
الضرورة؛ لأنه حمل لحال على حالين، وهذا كقوله:
خذا حدثاني عن فل وفلان
لعلي أرى باق على الحدثان
ومنها:
وقد كنت لا أرضى بنعمان منزلا
فصار مناي أن يلوح بها برقا
برقا: منصوب على أنه خبر صار، والتقدير: فصار مناي برقا أن يلوح، أي: برقا يلوح، فيكون (يلوح) في موضع الصفة لبرق، وتكون (أن) زائدة فلما تقدم على الموصوف كان في موضع نصب على الحال، على ما قالوا في نعت النكرة إذا تقدم عليها [١٥٠/ب] وها أنا أذكر في هذه المسألة ما يكشف عن حقيقتها بمعونة الله ﷿.
[ ٢ / ٧١٤ ]
قال النحاة في قول الشاعر:
لعزة موحشا طلل قديم
عفاه كل أسحم يستديم
انتصب (موحشا) على الحال من طلل، والعامل الجار والمجرور؛ وهذا كلام فيه نظر؛ لأن الجار والمجرور إما أن يقال فيه ما قال سيبويه، أو ما قال الأخفش.
فإن قلنا بقول سيبويه فالجار والمجرور خبر المبتدأ، والمبتدأ: طلل، والخبر مقدم على المبتدأ والنية به التأخير، وفيه- أعني الخبر الذي هو الجار والمجرور- ضمير يعود إلى المبتدأ، وهذا الضمير مرفوع بالجار والمجرور كما كان مرفوعا بالفعل الذي جعل الجار والمجرور نائبا عنه. ومما استقر عندهم أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال. والحال ههنا صاحبها (طلل) والعامل في طلل معنوي، فكيف يكون الجار والمجرور عاملا في الحال، وهو غير عامل في طلل؟!.
وإن قلنا بقول الأخفش فارتفاع طلل على أنه فاعل، والرافع له
[ ٢ / ٧١٥ ]
الجار والمجرور، كما يرتفع بالفعل الذي هو نائب عنه. وقلت: لا مرية، على قول الأخفش، أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال، بقي عليك أن العامل إذا كان غير متصرف لم تتقدم عليه الحال ولا على صاحب الحال؛ ألا ترى أنه لا يجوز: هذا قائما زيد، ولا: قائما هذا زيد؟ والذي ينبغي أن يقال: العامل في الحال: الجار والمجرور، وصاحب الحال، الضمير الذي في الجار والمجرور. ولما كان (موحشا) حالا عنه، وهو عائد إلى طلل الذي هو نكرة، وكان موحشا قبل التقدم نعتا للنكرة قالوا: وإذا تقدم نعت النكرة عليها نصب على الحال. ولا ريب في انتصابه على الحال إذا تقدم عليها، فقولهم: (إذا تقدم عليها نصب على الحال) كلام صحيح على ما ذكرته.
ومن أبيات الإعراب [١٥١/آ] قول عمرو بن يربوع:
رأى برقا فأوضع فوق بكر
فلا بك ما أسال ولا أغاما
يقال: أوضع بعيره، أي: ساقه. ووضع في سيره يضع وضعا
[ ٢ / ٧١٦ ]
ووضوعا. والإيضاع دون الشد. والبكر من الإبل: الفتي. و(فلا بك) معناه: لا أقسم بك؛ كما قال الله ﷿: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾، قالوا: (لا) زائدة، وقيل: رد على المخاطب، وقيل: نفي للقسم أي: لا يحتاج إلى القسم لأنه أوضح من أن يقسم عليه.
ولا يدخل على المقسم به غير الباء لأنها الأصل. وقال أبو الفتح: لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها في كثير من المواضع، تقول: أعطيتكم درهما، ثم تقول: الدرهم أعطيتكموه، وما حكاه يونس من قولهم: أعطيتكمه، شاذ.
وقال أبو بكر محمد بن عبد الملك النحوي: إنما يرد الإضمار الأشياء إلى أصولها لأسباب توجب الرد، لا لأجل الإضماؤ؛ فلا يقاس عليه ما لا سبب فيه. مع أن الشيء إذا جاء على أصله ولم يمنعه مانع فلا سؤال فيه. ولا يحتاج إلى تعليل إلا أن يخالف
[ ٢ / ٧١٧ ]
الاستعمال. فقوله (أعطيتكم درهما) أصله أعطيتكمو، فأسكنوا الميم تخفيفا، وكرهوا الإسكان مع الهاء لخفائها وقربها من الساكن. ولذلك كان (عليه مال) أحسن من قولك: (عليهي مال)، وكذلك: اليوم سرت فيه؛ لأن الإضمار يبطل كونه ظرفا، فاحتاجوا فيه إلى (في) كسائر الأسماء التي ليسن ظروفا.
قلت: قوله: (إنما يرد الإضمار الأشياء إلى أصولها لأسباب توجب الرد، لا لأجل الإضمار) كلام متناقض يقتضي أن الإضمار يرد ولا يرد. وقوله: (مع أن الشيء إذا جاء على أصله ولم يمنعه مانع فلا سؤال فيه) فأقول: بلى، فيه سؤال؛ لأن قولنا: (بك لأفعلن) قد جاء على أصله، وفيه من السؤال: لم لم يجز أن نقول: وك، ولا: تك؟ فاختصاص الباء بهذا لابد له من سبب، ولا سبب إلا أن الباء الأصل؛ ولهذا تقول: أقسم بالله، ولا تقول: أقسم والله، ولا: أقسم تالله. [١٥١/ب]
ومنها بيت وضعه النحاة للتعليم، وهو قولهم:
[ ٢ / ٧١٨ ]
كيف يخفى عنك ما حل بنا
أنا أنت الضاربي أنت أنا
قال فيه الشيخ أبو محمد عبد الله بن بري النحوي﵀-:
فيه وجهان، أحدهما: أن تجعل الألف واللام لـ (أنا)، والفعل لـ (أنت) فـ (أنا) مبتدأ، و(أنت) مبتدأ ثان؛ و(الضاربي) مبتدأ ثالث؛ لأنه غير (أنت) إذ الألف واللام لـ (أنا)، والعائد على الألف واللام الياء في (الضاربي)؛ لأنها (أنا) في المعنى، و(أنت) فاعل بـ (الضاربي) أبرزته لما جرى على غير من هو له؛ إذ الألف واللام لـ (أنا)، والفعل لـ (أنت)، و(أنا) خبر (الضاربي)، و(الضاربي) وخبره خبر (أنت) و(أنت) وخبره خبر (أنا).
والوجه الثاني: أن تكون الألف واللام والفعل لـ (أنت) فـ (أنا) على هذا مبتدأـ و(أنت) مبتدأ ثان، و(الضاربي) خبر أنت. ولا يبرز الضمير فيه لأنه جرة على من هو له، ويكون الكلام قد تم عند قوله: (الضاربي)، [ويكون] أنت أنا على طريق المطابقة للأول، ليكون آخر الكلام دالا وجاريا على أوله. ألا تراه قال في أول الكلام: (أنا أنت)؟ ولهذا قال في آخره: (أنت أنا)،
[ ٢ / ٧١٩ ]
أي: كيف أشكو ما حل بي منك وأنا أنت، وأنت أنا؛ فإذا شكوتك فكأنما أشكو نفسي.
قال: ولو جعلت الألف واللام والفعل في هذه المسألة لـ (أنا) لقلت: أنا أنت الضاربك أنا، فـ (أنا) مبتدأ، و(أنت) مبتدأ ثان، و(الضاربك) مبتدأ ثالث، لأنه غير (أنت)، وفيه ضمير يعود على الألف واللام التي هي (أنا) في المعنى، ولم يبرز الضمير الذي في (الضاربك)، و(الضاربك) وخبره خبر (أنت)، و(أنت) وخبره خبر (أنا). هذا ما لغني من كلامه في هذه المسألة.
ومنها:
ما بالمدينة دار غير واحدة
دار الخليفة إلا دار مروانا [١٥٢/آ]
(دار) مبتدأ، و(بالمدينة) خبره مقدم عليه، و(غير) صفة له- أعني للمبتدأ- و(دار الخليفة) بدل منه، و(دار مروانا) بدل من (دار الخليفة). ويجوز رفع (دار الخليفة) على أنه خبر مبتدإ محذوف والتقدير: (هي دار الخليفة)، وتجعل (دار مروان) بدلا منها.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
ومنها:
فليت كفافا كان خيرك كله
وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
في (ليت) ضمير الشأن، و(كفافا) خبر كان، و(خيرك) اسم كان؛ وخبر (ليت) كان وما اتصل بها من اسم وخبر، و(كله) تأكيد لخيرك، و(شرك) معطوف على اسم كان إن رفعته وينصب فيكون معطوفا على اسم (ليت)، وهو ضمير الشأن، و(عني) إن شئت قلت: يتعلق بـ (كفافا) وإن شئت علقته بـ (مرتو) أي: وليت شرك مرتويا عني، جعلت الشر مرتويا مجازًا.
ومنها:
[ ٢ / ٧٢١ ]
يا دار سلمى بين دارات العوج
جرت عليه كل ريح سيهوج
من عن يمين الخط أو سماهيج
هوجاء جاءت من بلاد ياجوج
الدارات يجوز أن تكون جمع دار؛ لأن الدار مؤنثة، ويجوز أن تكون جمع دارة، والدارة أخص من الدار؛ فكل دارة دار ولا يقال لكل دار: دارة. و(العوج) صفة، والموصوف محذوف، والمراد: معاطف الأدوية العوج لأن معاطف الأدوية مواضع نزولهم لخصبها وكثرة النبات فيها، وهو جمع أعوج. و(جرت) يروى بالتشديد، والتقدير: جرت عليها ذيولها ويروى: جرت، بالتخفيف. و(سيهرج): سريعة شديدة المر، دائمة الهبوب. و(عن) ههنا اسم، لدخول (من) عليها. والخط: موضع بالبحرين، والرماح الخطية منسوبة إليه. [١٥٢/ب] وسماهيج أيضا: موضع. والهوجاء: التي تحمل التراب. وقوله: (من
[ ٢ / ٧٢٢ ]
بلاد ياجوج) أي إنها هبت من تلك الجهة.
ومنها قول الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القوافـ
ـي بعد المشيب كفى ذاك عارا
أنكر جماعة من النحاة البصريين قوله: (أنا وانتحالي)، وإثبات الألف في الوصل. وقال بعضهم: أثبتها ضرورة. وممن أنكر ذلك المبرد، وكذلك أنكر قراءة ابن عامر ﴿لكنا هو الله ربي﴾. وقال السيرافي: يجوز أن يكون وصل في نية الوقف، كما قرأ بعضهم ﴿اقتده قل لا أسألكم﴾، لأن الفصل بين اللفظين قد يكون قصير الزمان.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
و(انتحالي): مفعول معه، وهو مصدر مضاف إلى الفاعل. وعبر بـ (القوافي) عن القصائد.
ومنها أيضا:
إن تبخلي يا جمل أو تعلي
أو تصبحي في الظاعن المولي
٣ يسل وجد الهائم المغتل
ببازل وجناء أو عيهل
٥ كأن مهواها على الكلكل
وموقعا من ثفنات زل
٧ موقع كفي راهب يصلي
ويروى (مهواه) على التذكير. والوجناء: الشديدة القوية من النوق، وما غلظ من الأرض يقال له: الوجين.
والعيهل: النجيب، والأنثى: عيهلة. والثفنات:
[ ٢ / ٧٢٤ ]
ما يبرك عليه من جسده مما يلاقي الأرض ويعتمد عليه عند القيام.
وهذا الشعر يروى لمنظور بن مرثد الأسدي؛ وقد روي لغيره. ويزاد فيه:
إن أصح عن داعي الهوى المضل
٩ صحوة ناسي الشوق مستبسل
أو تعدني عن حاجها حاج لي
١١ يسل وجد الهائم المغتل
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وقوله: (عيهل) و(الكلكل) إجراء للوصل مجرى الوقف؛ لأن هذا التشديد إنما يكون في الوقف، واللام هي الموقوف عليها، وقد شددها في الوصل لأنه وصلها بحرف الإطلاق.
ومثله قول ربيعة بن صبح [١٥٣/آ]:
١ لقد خشيت أن أرى جدبا
في عامنا ذا بعدما أخصبا
٣ إن الدبا فوق المتون دبا
وهبت الريح بمور هبا
٥ تترك ما أبقى الدبا سبسبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
٧ أو كالحريق وافق القصبا
والتبن والحلفاء فالتهبا
٩ حتى ترى البويزل الإرزبا
من عدم المرعى قد اقرعبا
١١ تبا لأصحاب الشوي تبا
[ ٢ / ٧٢٦ ]
وأنشده أبو علي: (مثل الحريق وافق القصبا)، والرواية الصحيحة هذه.
وفي نصب (مثل) على إنشاد أبي علي: أن يكون حالا من ضمير السيل الذي في (اسلحب)، أو ينتصب على: اسلحبابا مثل الحريق. وقال أبو الفتح: لا يقال في هذا: إنه موقوف عليه ولا موصول.
و(جدب) أصله: جدب، بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وغنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه.
ويروى: (من بعد ما أخصبا) بفتح الهمزة وكسرها؛ فعلى الفتح يكون مثل (القصبا)، وعلى الكسر يكون اخصب مثل احمر، فليس فيه أكثر من قطع ألف الوصل.
والمور: الريح والغبار. والإرزب: الشديد. واقرعب: اجتمع وتقبض. والشوي: الشاء، وقد تقدم هذا.
ومنها:
[ ٢ / ٧٢٧ ]
فأصبحت بعد خط بهجتها
كأن قفرا رسومها قلما
الإشكال فيه من قبل التقديم والتأخير. والتقدير: فأصبحت قفرا بعد بهجتها كأن قلما خط رسومها. وبعد بهجتها في موضع نصب على الحال لما قالوه من نصب نعت النكرة إذا تقدم. و(كأن قلما) أيضا في موضع المصب على الحال، أي: مشبها.
ومنها:
وما أم عمرو ساعة البين مغزل
تحاكي طلا يوما بأحسن من هندا
والتقدير فيه: وما مغزل طلا تحاكي هندا يوما بأحسن من أم [١٥٣/ب] عمرو ساعة البين.
[ ٢ / ٧٢٨ ]