ثَانِيًا: فِي إِبْدَال بعض الْحُرُوف من بعض:
١- إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء:
من حُرُوف الْإِبْدَال القياسي الْهمزَة وَالْهَاء، لِأَنَّهُمَا من حُرُوف "هدأت موطيا" وهما يتبادلان الْإِبْدَال، بِمَعْنى أَن الْهَاء قد تبدل همزَة، كَمَا أَن الْهمزَة قد تبدل هَاء.
فإبدال الْهمزَة من الْهَاء يكون فِي الِاسْم والحرف.
فإبدالها من الْهَاء فِي الِاسْم جَاءَ فِي قَوْلهم: مَاء وَشاء٢. وَالْأَصْل موه وشوه. قلبت الْوَاو ألفا، وأبدلت الْهمزَة هَاء.
وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْجمع. قَالُوا فِي جمع مَاء: أمواء، وَالْأَصْل أمواه، وَإِذا ثَبت أَن أَصْلهَا هَاء، ثَبت أَن الْهمزَة مبدلة عَنْهَا قَالَ الشَّاعِر:
وبلدة قالصة أمواؤها مَا صِحَة رأد الضُّحَى أفياؤها٣
وَالدَّلِيل على أَن هَذِه الْهمزَة مبدلة من الْهَاء، رُجُوعهَا فِي التصغير والتكثير، قَالُوا فِي تَصْغِير مَاء مُوَيه، وَفِي جمعه مياه وأمواه. والتصغير والتكثير يردان الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا.
وَقد أكد ابْن عُصْفُور إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء بقوله: "وَإِنَّمَا جعلت الْهَاء هِيَ الأَصْل،
_________________
(١) ١العسكريات ١٥٣. ٢ أنظر سر الصِّنَاعَة١ / ١١٣. والتبصرة ٨١٥ وَشرح الْمفصل لِابْنِ الْحَاجِب٢/ ٣٩٦. والممتع١ / ٣٤٨وَابْن يعِيش ١٠/١٥ والأشباه والنظائر ١/ ١٣٥والأشموني والصبان٤/ ٢١٣، ٢٢٣. ٣ سر الصِّنَاعَة ١/١١٣ وَشرح الشافية ٣/ ١٠٨ والممتع١ / ٣٤٨وَشرح الْمفصل لِابْنِ الْحَاجِب ٢/ ٣٩٦ وَابْن يعِيش ١٠/١٥.
[ ١٦٠ ]
لِأَن أَكثر تصاريف الْكَلِمَة عَلَيْهَا، قَالُوا: أمواه ومياه وماهت الرَّكية١. إِلَى غير ذَلِك من تصاريفها"٢
وَكَذَلِكَ ورد إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء فِي قَوْلك: (آل) ٣، وأصل آل: أهل فأبدلت الْهَاء همزَة فَقيل: أَأْل، ثمَّ أبدلت الثَّانِيَة ألفا لسكونها إِثْر فتح فَقيل: آل، كَمَا قَالُوا آدم وَآخر فِي الِاسْم، وآمن وآثر فِي الْفِعْل، وَالْأَصْل: أأْدم وأَأخر، وأَأمن وأَأَْثر.
وَالدَّلِيل على أَن أصل آل: أهل قَول الْجَمَاعَة فِي التصغير: أُهَيْل، وَلَو كَانَت الْألف منقلبة عَن غير هَاء- أَي عَن وَاو- لقيل فِي تصغيره (أُوَيل) . وَقد اخْتَار هَذَا الرَّأْي يُونُس٤.
وَمِمَّا يُؤَكد أَن الْهمزَة فِي (آل) أَصْلهَا هَاء الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، فقد قَالُوا أهلك وَأَهله كثيرا، لِأَن الضَّمِير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. ولاَ يُقَال: آلك وَآله إِلَّا قَلِيلا، وَذَلِكَ مثل قَول عبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ:
وانصر على دين الصليـ ـب وعابديه الْيَوْم آلَكْ٥
وَقَول الآخر:
أَنا الرجل الحامي حَقِيقَة وَالِدي آلي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَة آلكا٦
وَنَحْو قَول الْكِنَانِي: "رجل من آلك وَلَيْسَ مِنْك "٧.
وَجَاء إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء- أَيْضا- فِي اسْم الْإِشَارَة حَيْثُ إِنَّهُم قَالُوا فِي هَذَا آذا. وَجَاء على ذَلِك قَول الشَّاعِر:
فَقَالَ فريق: آأذا إِذْ نحوتهم نعم وفريق لَا يمُنُ الله مَا نَدْرِي٨
أَرَادَ: أَهَذا، فقلبت الْهَاء همزَة، ثمَّ فصل بَين الهمزتين بِأَلف، وأبدلت كَذَلِك فِي غير اسْم الْإِشَارَة، مثل قَوْلهم: الْأَزَل والهزل، وَهُوَ مأزول ومهزول٩.
وَأما إبدالها فِي الْحَرْف فقد ورد فِي: هَلْ وهَلاَّ. فَقَالُوا: ألْ فعلت كَذَا؟ يُرِيدُونَ هَل
_________________
(١) ١ماهت: ظهر مَاؤُهَا وَكثر. ٢ الممتع ١ / ٣٤٨. ٣ انْظُر التصريف الملوكي ٣٩. وسر الصِّنَاعَة ١/ ١١٤ والإبدال والمعاقبة والنظائر للزجاجي ٢٩ والممتع١ /٣٤٨. ٤ التصريف الملوكي ٣٩. ٥ الممتع ١/ ٣٤٩ والدرر اللوامع ٢/ ٦٢ وتاج الْعَرُوس (أهل) . ٦ الممتع ١/ ٣٤٩. ٧ الْمصدر السَّابِق ١/ ٣٥٠. ٨الْكتاب٢/ ١٤٧ وسر الصِّنَاعَة ١/ ١٣٠ والممتع ١/ ٣٥١ والإنصاف٠٧ ٤ والإبدال والمعاقبة ص ٣٠ والمغنى ١٠١ ٩الْإِبْدَال والمعاقبة ص٣٠.
[ ١٦١ ]
فعلت كَذَا؟ حكى ذَلِك قطرب١ عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَالُوا: ألاَّ فعلت يُرِيدُونَ هلاَّ فعلت.
والإبقاء على الأَصْل فِي (هَل) هُوَ الْأَكْثَر، بيد أَن الْهمزَة وَالْهَاء فِي ألاَّ وهلا سَوَاء.
وَقد عدهما بعض النَّحْوِيين٢ من حُرُوف التحضيض، كَمَا ذهب غَيرهمَا إِلَى أَنَّهُمَا مادتان مستقلتان٣. فالهمزة أَصْلِيَّة فِي (ألاَّ) كَمَا أَن الْهَاء أَصْلِيَّة فِي (هلاَّ) بِخِلَاف (هَل وأل) فَإِن الِاسْتِفْهَام بهما لَيْسَ على دَرَجَة وَاحِدَة، لِكَثْرَة الِاسْتِفْهَام ووضوحه بهل، وندرته بألْ.
وَجَاء إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء- فِي غير مَا تقدم- على قلَّة فِي اسْم الْفِعْل٤. قَالُوا فِي هَيْهَات: أيهات.
فإبدال الْهمزَة من الْهَاء إِبْدَال قياسي، وهما من مخرج وَاحِد. وكونهما من مخرج وَاحِد جدير بِأَن يُقَوي هَذَا الْإِبْدَال ويؤكده.
قَالَ الصَّيْمَرِيّ: "قلبت الْهَاء همزَة، لِأَنَّهَا من مخرج الْهَاء، وَهِي أقوى مِنْهَا فِي الصَّوْت "٥.
وَلَكِن ابْن يعِيش٦ ذهب إِلَى أَن هَذَا الْإِبْدَال إِنَّمَا تمّ لضرب من التَّقَاصّ. وَذَلِكَ لِكَثْرَة إِبْدَال الْهَاء من الْهمزَة على الْعَكْس.
وَذَلِكَ أَمر يقتضينا الْإِشَارَة إِلَى إِبْدَال الْهَاء من الْهمزَة- عكس مَا تقدم- حَتَّى نلم بأطراف الْمَسْأَلَة. ونؤكد الظَّاهِرَة الَّتِي ارتضاها ابْن يعِيش.
_________________
(١) ١ الممتع ١/ ٣٥١. ٢ ابْن النَّحْوِيّ فِي شَرحه للمفصل٢ /٣٩٦. ٣ انْظُر حَاشِيَة الصبان٤/ ٢٢٣. ٤ أمالي ثَعْلَب ٤٧ ٥ وَابْن يعِيش ٠ ١/ ٥ ١ والمزهر٢ / ٤٧٣ والأشباه والنظائر١ /٣٩٧. ٥ التَّبْصِرَة والتذكرة ص ٨١٥. ٦ شرح الْمفصل ١٠/١٥.
[ ١٦٢ ]