ذهب ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن عُصْفُور وَابْن يعِيش إِلَى أَن الْهَاء تبدل من الْهمزَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كَلَام الْعَرَب٧. وَهَذَا الْإِبْدَال وَارِد فِي الِاسْم وَالْفِعْل والحرف.
(أ) إبدالها فِي الِاسْم:
أما إبدالها فِي الِاسْم فقد ورد فِي: إياك. قَالُوا: هياك. قَالَ الشَّاعِر:
فهياك وَالْأَمر الَّذِي إِن توسعت موارده ضَاقَتْ عَلَيْك مصادره٨
_________________
(١) ٧ انْظُر الْإِنْصَاف ١٣١. والممتع١ / ٣٩٧وَشرح الْمفصل ٨/١١٨ والأشباه والنظائر١ /١٣٥. ٨ التصريف المملوكي ٤٤. وَالْوَجِيز ٥٤ والإنصاف ١٣١ وَشرح الْمفصل٨/٨ ١١ والممتع١ /٣٩٧.
[ ١٦٢ ]
وَقَالَ الآخر:١
يَا خَال هلا قلت إِذْ أَعْطَيْتنِي هياك هياك وحنواء الْعُنُق٢
كَمَا ورد قَوْلهم: هِبْرِيَّة، وَالْأَصْل فِيهِ: إبرية، وَهُوَ الحزاز فِي الرَّأْس.
وَقَالُوا فِي مهيمن، أَصله: مؤيمن فأبدلت الْهمزَة هَاء٣.
(ب) إبدالها فِي الْفِعْل:
وَأما إبدالها فِي الْفِعْل فقد ورد فِي قَوْلهم: أنرت الثَّوْب، وأرحت الْمَاشِيَة وأرقت المَاء، وَأَرَدْت الشَّيْء، فأبدلوا فِي الْجَمِيع الْهَاء من الْهمزَة فَقَالُوا: هنرت الثَّوْب، وهرحت الْمَاشِيَة، وهرقت المَاء، وهردت الشَّيْء. وَذَلِكَ لاتِّفَاقهمَا مخرجا لِأَنَّهُمَا من أقْصَى الْحلق٤.
(جـ) إبدالها فِي الْحَرْف:
وَأما إبدالها فِي الْحَرْف فقد ورد فِي همزَة إِنَّ الْمُؤَكّدَة، وإنْ الشّرطِيَّة، وأيَا فِي النداء، وَفِي همزَة الِاسْتِفْهَام، وَإِلَيْك بَيَان ذَلِك.
جَاءَ إِبْدَال الْهَاء من همزَة إِنَّ الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة مَعَ اللَّام. وَذَلِكَ على طَرِيق اللُّزُوم حَيْثُ قَالُوا: يهَنَّكَ قَائِم، قَالَ الشَّاعِر:
أَلا يَا سنا برق على قُلَل الْحِمْيَ لَهِنَّك من برق عَلَيَّ كريم٥
وَكَذَلِكَ أبدلت من همزَة (إِنْ) الشّرطِيَّة٦ مثل قَوْلهم: هِنْ فعلت. تُرِيدُ: إِنْ فعلت. وَهِي لُغَة
طَيء٧.
وَأما إبدالها من همزَة (أَيَا) فِي النداء فَفِي قَوْلهم: هيا وأيا، وَإِن كَانَ أيا أَكثر من هيا. قَالَ الشَّاعِر:
وانصرفت وَهِي حَصَان مُغضبة وَرفعت بصوتها هَيَا أَبه٨
_________________
(١) ١ انْظُر الْإِبْدَال السّكيت ٢٥ وَالْوَجِيز ٥٣ والإنصاف ١٣١. ٢ حنواء الْعُنُق. الَّتِي تميل عُنُقهَا من الْإِبِل وَالغنم. ٣ التَّصْرِيح٢ /٣٦٨. ٤ الْإِنْصَاف ١٣٢. ٥ انْظُر مجَالِس ثَعْلَب ١٣ ١ والخصائص١/ ٣١٥ والممتع١/ ٣٩٨ وَابْن يعِيش ٠ ١/ ٤٢ وَاللِّسَان (لَهُنَّ) . ٦ انْظُر شرح الشافية٣ / ٢٢٢والممتع١/ ٣٩٧. ٧ الْمفصل للزمخشري ص٠ ٣٧. ٨ الممتع١/ ٣٩٩.
[ ١٦٣ ]
وإبدالها من همزَة الِاسْتِفْهَام فِي مثل قَوْلهم: هَزَيْدُ منطلقٌ. يُرِيدُونَ: أَزِيد منطلق. وَأنْشد الْفراء:
وأتى صواحبها فَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي
منح الْمَوَدَّة غَيرنَا وجفانا١
يُرِيدُونَ: أذا الَّذِي. بإبدال الْهَاء من الْهمزَة. فإبدال الْهَاء من الْهمزَة مَقْصُور على السماع- كَمَا بَينا- غير أَن ابْن يعِيش٢جعله كثيرا، وقاس عَلَيْهِ إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء، وَجعله ضربا من التَّقَاصّ. أَي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَخذ حكما أَخذه مِنْهُ الآخر. فإبدال الْهمزَة من الْهَاء، تمّ لِأَن الْهَاء أبدلت من الْهمزَة. فَكل مِنْهُمَا فعل بِالْآخرِ مثل مَا فعل الآخر بِهِ، وَهَذَا الضَّرْب هُوَ الَّذِي عرف لَدَى النُّحَاة بالتقاص، وارتضوه سمة لهَذِهِ الظَّاهِرَة، ومصطلحا لهَذِهِ الْقَاعِدَة.
_________________
(١) ١ انْظُر ابْن يعِيش ١٠/ ٤٣ وَشرح الشافية ٣/ ٢٢٤ والممتع ١/ ٣٩٩. ٢ ابْن يعِيش١٠/ ٤٣.
[ ١٦٤ ]