تبين لنا مِمَّا تقدم أَن ظَاهِرَة التَّقَاصّ تتأتى فِي إِبْدَال الْهمزَة من الْهَاء، وإبدال الْهَاء من الْهمزَة. ونبين الْآن وُرُودهَا بَين الْوَاو والهمزة، ويتحقق ذَلِك فِي إِبْدَال كل مِنْهُمَا من الآخر. فالهمزة تقلب واوًا، كَمَا أَن الْوَاو تقلب همزَة، ويتضح ذَلِك على النَّحْو التَّالِي:
(أ) قلب الْهمزَة واوًا:
تبدل الْهمزَة واوًا فِي عدَّة مَوَاضِع هِيَ٣:
ا- أَن تكون الْهمزَة للتأنيث، فَإِنَّهَا تبدل واوًا باطراد على سَبِيل اللُّزُوم فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع بِالْألف وَالتَّاء وَالنّسب. فَتَقول فِي صحراء وعشراء ونفساء: صحراوين وعشراوين ونفساوين، وصحراوات وعشراوات ونفساوات، وصحراويّ وعشراويّ ونفساوي.
٢- أَن تكون الْهمزَة قبل الْألف فِي الْجمع الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد، بِشَرْط أَن يكتنف ألف الْجمع همزتان، وَذَلِكَ نَحْو: ذوائب فِي جمع ذؤابة. أَصله ذآئب، فأبدلت الْهمزَة واوًا هروبًا من ثقل اجْتِمَاع الهمزتين وَالْألف، وَهَذَا الْإِبْدَال اطرادي لَازم.
٣- أَن تقع الْهمزَة لامًا لجمع على مفاعل وَقد سلمت فِي الْمُفْرد، وَذَلِكَ مثل: هِراوة، قَالُوا فِي جمعه هراوي، بإبدال الْهمزَة واوا ليشكل الْجمع مفرده.
٤- أَن تلتقي همزتان فِي كلمة وتسكن الثَّانِيَة بعد ضم. فَإِنَّهَا يجب إبدالها واوًا. وَذَلِكَ
_________________
(١) ٣ انْظُر سر الصِّنَاعَة ٤ ٠ ١ وَمَا بعْدهَا والتصريف الملوكي ٣٨ والتبصرة ٤ ١ ٨ والإنصات ٤٧٧ والممتع ١/ ٣٦٣ وَالتَّصْرِيح ٢/ ٣٧٢ والأشباه والنظائر ١/ ١٣٥ والأشموني ٤/ ٢١٤.
[ ١٦٤ ]
نَحْو: أومن وأوثر. وَالْأَصْل: أُؤْمِن وأؤثر. إِلَّا أَنه رفض الأَصْل هروبا١ من اجْتِمَاع همزتين.
٥- أَن تكون الثَّانِيَة مَضْمُومَة مُطلقًا. أَي سَوَاء انْضَمَّ مَا قبلهَا أَو انْفَتح أوِ انْكَسَرَ، أَو تكون مَفْتُوحَة بعد فتح أَو ضم. وَذَلِكَ مثل: أُوُمٌ، وأوُمّ وإِوُمّ. وَالْأَصْل: أُؤم، وأؤُم، وإِؤُم. وَمثل أُويدم تَصْغِير آدم. وأَوادم جمع آدم. وَالْأَصْل: أُؤيدم وأَأًدم. فأبدلت الثَّانِيَة فِي الْجَمِيع واوًا. وَهَذَا الْإِبْدَال قياسي مطرد لَازم.
(ب) قلب الْوَاو همزَة:
تقدّمت مَوَاضِع قبل الْهمزَة واوًا، وَأمر هَذِه الْمَسْأَلَة يحتم علينا ذكر الْمَوَاضِع الَّتِي تبدل فِيهَا الْوَاو همزَة حَتَّى ينْكَشف وَجه هَذِه الظَّاهِرَة، ونصل إِلَى النتيجة الَّتِي نرجوها.
وَمن الْمُقَرّر فِي هَذَا الْبَاب٢ أَن الْوَاو تقلب همزَة فِي خَمْسَة مَوَاضِع:
١- أَن تتطرف إِثْر ألف زَائِدَة مثل: كسَاء وسماء وَدُعَاء. وَالْأَصْل: كساو وسماو ودعاو.
٢- أَن تقع عينا لاسم فَاعل فعل ثلاثي أعلت عين فعله نَحْو: صَائِم وقائم، وَالْأَصْل: صاوم وقاوم.
٣- أَن تقع مُدَّة ثلاثية زَائِدَة فِي الْمُفْرد إِذا كَانَ جمعه على مِثَال مفاعل. نَحْو: عَجَائِز ورعائف جمعي عَجُوز ورعوفة، وَالْأَصْل عجاوز ورعاوف.
٤- أَن تقع ثَانِي لينين اكتنفهما ألف مفاعل مثل: أَوَائِل وسيائد. وَالْأَصْل: أواول وسياود فِي جمع أول وَسيد.
٥- أَن تتصدر فِي الْكَلِمَة واوان. فَإِن الأولى مِنْهُمَا تقلب همزَة بِشَرْط أَن لَا تكون الثَّانِيَة مِنْهُمَا مُدَّة غير أَصْلِيَّة، أَي: أَن تكون الثَّانِيَة غير مُدَّة وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك فِي جمع الأولى أُنْثَى الأول أُوَل. وَالْأَصْل: وُوَل وَنَحْو ذَلِك فِي جمع واصلة وواقية تَقول: أواصل وأواق، وَالْأَصْل: وواصل، ووواق.
أَو تكون الثَّانِيَة مُدَّة أَصْلِيَّة نَحْو: الأولى أُنْثَى الأول. أَصْلهَا وَولى بواوين أولاهما فَاء، وَالثَّانيَِة عين سَاكِنة.
_________________
(١) ١ ينظر الممتع١ /٣٦٦. ٢ أَي بَاب الْإِبْدَال والإعلال.
[ ١٦٥ ]
هَذِه هِيَ مَوَاضِع قلب الْوَاو همزَة، وَقد تقدّمت مَوَاضِع قلب الْهمزَة واوًا.
وَقد تمّ هَذَا الْقلب المتبادل بَين الْوَاو والهمزة على طَرِيق الْمُقَاصَّة. لِأَن الْهمزَة وَإِن لم تكن من حُرُوف الْعلَّة، فَهِيَ شَبيهَة بِالْألف، وَلِهَذَا عدهَا بعض الصرفيين١ من حُرُوف الْعلَّة.
وأيا مَا كَانَ فَإِن الْألف أخف حُرُوف الْعلَّة، وَكَذَلِكَ مَا أشبههَا وَهُوَ الْهمزَة بِخِلَاف الْوَاو فَإِنَّهَا أثقلها.
فاللجوء- حِينَئِذٍ- إِلَى قلب الْوَاو همزَة لجوء إِلَى التَّخْفِيف، لِأَنَّهُ انْتِقَال من الثّقل إِلَى الخفة. بِخِلَاف الْعَكْس، وَهُوَ قلب الْهمزَة واوًا. لِأَنَّهُ انْتِقَال من الْخَفِيف إِلَى الثقيل.
لهَذَا كَانَ قلب الْهمزَة واوًا فِي نَحْو صحراء وعشراء ونفساء فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع بِالْألف وَالتَّاء، وَالنّسب٢، انْتِقَال من الخفة إِلَى الثّقل، لِأَن الْهمزَة أخف من الْوَاو- كَمَا علمنَا- وَلَكِن ذَلِك تمّ على سَبِيل التَّقَاصّ.
فَكَمَا أَن الْوَاو قلبت همزَة. كَذَلِك أبدلت الْهمزَة واوًا على طَرِيق الْمُبَادلَة والمقاصة، نظرا لتحقيق الشّبَه بَينهمَا، بِسَبَب أَن الْهمزَة شَبيهَة بِالْألف وهى حرف عِلّة.
بيد أَن ابْن "فلاح " جعل هَذِه الظَّاهِرَة٣ متحققة بإبدال الْهمزَة واوًا فِي الْجمع بِالْألف وَالتَّاء فَقَط. فِي مثل صحراء وصحراوات. أَي أَنه قصر الْمُقَاصَّة على جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم، اقتصاصا من قلب الْوَاو همزَة.
وَنحن إِذْ نقدر لِابْنِ فلاح جهده فِي الْإِشَارَة إِلَى هَذِه الظَّاهِرَة، وَفِيمَا ذهب إِلَيْهِ. نرى أَنه لَا ضير من جعل الْمُقَاصَّة شَامِلَة لكل الْمسَائِل الَّتِي تقلب فِيهَا الْهمزَة واوًا، اطرادا للقاعدة، وشمولا للظاهرة، وتثبيتا للْقِيَاس، وتعميما للمصطلح، وتوسعًا فِي أساليب اللُّغَة، لِأَنَّهَا- بِلَا شكّ- تقبل ذَلِك وَلَا تضيق بِهِ.
_________________
(١) ١ رَضِي الدّين الإستراباذي فِي شَرحه للشافية أول بَاب الإعلال ٣/ ٧٩. ٢ الممتع١/ ٣٦٣. ٣ الْأَشْبَاه والنظائر ١/ ١٣٥.
[ ١٦٦ ]