٧ - وبه قال: (حدثنا أبو اليمان)؛ بفتح المثناة وتخفيف الميم واسمه: (الحكم بن نافع)؛ بفتح الحاء المهملة والكاف: الحمصي البهراني، مولى امرأة بهراء، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، وللأصيلي وكريمة: (حدثنا الحكم بن نافع) (قال: حدثنا شعيب)؛ هو ابن أبي حمزة؛ بالحاء المهملة والزاي: دينار القرشي، الأموي مولاهم، أبو بشر، المتوفى سنة اثنين وستين ومئة.
(عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) ﵁، (أن)؛ بفتح الهمزة: (عبد الله بن عباس) ﵄ (أخبره: أن)؛ بفتح الهمزة: (أبا سفيان)؛ بتثليث السين: يكنى أبا حنظلة، واسمه: صخر بالمهملة، ثم
[ ٤ ]
المعجمة (بن حرب)، بالمهملة والراء ثم الموحدة ابن أمية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الغزوات، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان ﵁.
(أخبره: أن)؛ أي: بأن (هِرَقل)؛ بكسر الهاء وفتح الراء: غير منصرف للعلمية والعجمة، ولقبه قيصر، وأول من ضرب الدنانير، وملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي ﵇، والظاهر أنه الموسكوف المسمى الآن بالروسية، وقيل: إنه الفراسة، (أرسل إليه)؛ أي: إلى أبي سفيان حال كونه (في)؛ أي: مع (ركب)؛ جمع راكب كصحب وصاحب؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، كذا قيل (من قريش) صفة لـ (ركب)؛ بضم القاف بعدها راء ومثناة تحتية ساكنة: وهم ولد النضر بن كنانة، وإنما سميت قريشًا: لأنَّهم كانوا يفتشون الحاج خلَّتهم فيسدونها، وقيل: من القرش، وقيل: باسم دابة في البحر، والله أعلم، و(من) إما بيانية أو تبعيضية، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا.
(و) الحال أنهم (كانوا تُجَّارًا)؛ بضم المثناة الفوقية وتشديد الجيم، على وزن (كفار) وعلى وزن (كلاب): جمع تاجر (بالشام) بالهمز، وقد تترك، وقد تفتح الشين مع المد، وقد دخلها ﵇ مرتين قبل النبوة مع عمه أبي طالب حتى بلغ بصرى حين لقيه الراهب، ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى، ومرتين بعد النبوة ليلة الإسراء وفي غزوة تبوك، وتمامه في «شرح الإمام بدر الدين العيني»، (في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ)؛ بتشديد الدال من (مادد)، فأدغم الأول في الثاني من المثلين: وهو مدة صلح الحديبية سنة ست، التي ماد (فيها أبا سفيان) زاد الأصيلي: (ابن حرب)، (وكفار قريش)؛ أي: مع كفارهم على وضع الحرب عشر سنين، ونصب (كفار) على المفعول معه.
(فأتوه)؛ أي: أرسل إليه في طلب إتيان الركب، (وهم) بالميم؛ أي: هرقل وجماعته، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: (وهو) (بإيلياء)؛ بهمزة مكسورة، فمثناتين آخر الحروف، أولاهما ساكنة، بينهما لام، آخره ألف مهموزة، بوزن كبرياء، [و] بالقصر، وهو بيت المقدس، (فدعاهم) هرقل حال كونه (في مجلسه وحوله)؛ بالنصب على الظرفية: خبر المبتدأ؛ وهو (عظماء الروم)؛ وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وفي رواية: (وعنده بطارقته، والقسيسون، والرهبان)، (ثم دعاهم)؛ أي: أمر بإحضارهم؛ فلا تكرار، (ودعا ترجمانه) بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (بترجمانه)، وفي رواية: (بالترجمان)؛ بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم فيهما، وقد تضم التاء فيهما اتباعًا؛ وهو المفسر لغة بلغة، فقال له: أيكم أقرب؟ ولم يسم الترجمان.
(فقال) الترجمان: (أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل؟)، وفي رواية: (من هذا الرجل)، وفي رواية: (إلى هذا الرجل)، وفي رواية: (الذي خرج بأرض العرب)، (الذي يزعم)، وفي رواية: (يدعي) (أنه نبي، فقال) وفي رواية: (قال) (أبو سفيان: قلت) وفي رواية: (فقلت): (أنا أقربهم نسبًا) وفي رواية: (أنا أقربهم به نسبًا)؛ أي: من حيث النسب، وأقربيته أبي سفيان؛ لكونه من بني عبد مناف؛ وهو الأب الرابع للنبي ﵇ ولأبي سفيان، وإنَّما خص هرقل الأقرب؛ لأنَّه الأعلم الأتقن.
(فقال)؛ أي: هرقل، وفي رواية: (قال): (أدنوه مني)؛ بهمزة قطع مفتوحة: من الدنو؛ وهو القرب حتى يمعن في السؤال، (وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره)؛ لئلا يستحوا أن يواجهوه بالتكذيب (إن كذب)؛ كما في رواية، (ثم قال) هرقل (لترجمانه: قل لهم)؛ أي: لأصحاب أبي سفيان (إني سائل هذا)؛ أي: أبا سفيان (عن هذا الرجل)؛ أي: النبي ﵇، (فإن كذبني) بالتخفيف، كذا قيل؛ (فكذِّبوه) بتشديد المعجمة المكسورة، (قال)؛ أي: أبو سفيان، وفي رواية بإسقاط لفظ: (قال).
(فوالله؛ لولا الحياء) وفي رواية: (لولا أن الحياء)، (من أن يأثروا علي) بضم المثلثة وكسرها و(عليَّ) بمعنى (عني)؛ أي: رفقتي: يرون عني (كذبًا) بالتنكير، وفي رواية: (الكذب) (لكذبت عنه)؛ أي: لأخبرت عن حاله بكذب؛ لبغضي إياه، وفي رواية: (لكذبت عليه)، (ثم كان أول ما سألني عنه) بنصب (أول) خبر (كان)، واسمها ضمير الشأن، وفي رواية: برفع (أول) اسم (كان)، وخبره قوله: (أن قال: كيف نسبه) ﵇ (فيكم)، أهو من أشرافكم أم لا؟ قال أبو سفيان: (قلت: هو فينا ذو)؛ أي: صاحب (نسب) عظيم، فالتنوين للتعظيم، (قال) هرقل: (فهل قال هذا القول منكم) من قريش (أحد قط) بتشديد الطاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يضمان، وقد تخفف الطاء وتفتح القاف، ولا تستعمل إلَّا في الماضي المنفي، وإنَّما استعمل هنا بغير نفي؛ لأنَّ الاستفهام حكمه حكم النفي، (قبله) بالنصب على الظرفية، وفي رواية: (مثله).
قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يقله أحد قبله، (قال) هرقل: (فهل كان من آبائه مِن) بكسر الميم؛ حرف جر (مَلِك؟)؛ بفتح الميم وكسر اللام: صفة مشبهة، وفي رواية: (مَن) بفتح الميم؛ اسم موصول، و(مَلَك) فعل ماضي، وفي رواية: (فهل كان من آبائه ملك)، قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يكن، (قال) هرقل: (فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟) وفي رواية: (أيتبعه أشراف الناس؟) بإثبات همزة الاستفهام، وفي أخرى: (فأشراف الناس اتبعوه؟) قال أبو سفيان: (قلت): وفي رواية: (فقلت): (بل ضعفاؤهم)؛ أي: اتبعوه.
قال ابن حجر: الأشراف هنا؛ أهل النخوة والتكبر، لا كل شريف، ليخرج مثل العمرين ممن أسلم قبل سؤال هرقل، واعترضه الإمام بدر الدين العيني؛ بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب إلى آخره، قلت: وهو وجيه؛ فليحفظ، وفي رواية: (تبعه منا الضعفاء والمساكين)، وأما ذوو الأنساب والشرف؛ فما تبعه منهم أحد، قال ابن حجر: وهو محمول على الأكثر الأغلب.
قلت: فيه نظر؛ لأنَّ هذا المحمل بعيد جدًا؛ لأنَّ كلامه لا يعطيه ولا يشير إليه، فالأولى الحمل على أنه لم يتبعه أحد في الظاهر، وفي باطن الأمر قد اتبعوه وأخفوه حتى يعلموا ما يقع؛ فافهم.
(قال) هرقل: (أيزيدون أم ينقصون؟) بهمزة الاستفهام، وفي رواية: بإسقاطها؛ وهو جائز مطلقًا على الصحيح، قال أبو سفيان: (قلت: بل يزيدون، قال) هرقل: (فهل يرتد أحد منهم سخطة)؛ بفتح السين المهملة: منصوب على المفعول لأجله، أو على الحال؛ أي: ساخطًا، وجوَّز ابن حجر: ضم السين وفتح الخاء، ورده الإمام بدر الدين العيني بما يطول، نعم في رواية بضم السين وسكون الخاء، (لدينه بعد أن يدخل فيه؟) خرج من ارتد مكرهًا أو رغبة؛ كما وقع لابن جحش.
قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم يرتد، وإنما سأل عنه؛ لأنَّ من دخل في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف دخوله في الباطل.
(قال) هرقل: (فهل كنتم تتهمونه بالكذب) على الناس (قبل أن يقول ما قال؟)، قال أبو سفيان: (قلت: لا)؛ أي: لم نتهمه، وإنما عدل عن سؤال الكذب إلى سؤال التهمة؛ تقريرًا لهم على صدقه.
(قال) هرقل: (فهل يغدر؟)؛ بدال مهملة مكسورة؛ أي: ينقض العهد، قال أبو سفيان: (قلت: لا) ينقض (ونحن منه)؛ أي: النبي ﵇ (في مدة)؛ أي: مدة صلح الحديبية أو غيبته، (لا ندري ما هو فاعل فيها)؛ أي: في المدة، وأشار بقوله: (لا ندري) إلى عدم الجزم بغدره، (قال) أبو سفيان: (ولم يمكني)؛ بالمثناة الفوقية أو التحتية، (كلمة أدخل فيها شيئًا) أنتقصه به (غير هذه الكلمة)، قيل: النقص أمر نسبي، فإن من يقطع بعدم غدره؛ أرفع درجة ممن يجوَّز ذلك، وقد كان ﵇ معروفًا عندهم بعدم الغدر، ولكن لما كان الأمر مغيبًا؛ أمن أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب، انتهى، و(غير) رفع صفة لـ (كلمة)، ويجوز فيها النصب؛ صفة لـ (شيئًا)، لكن الرواية على الأول.
(قال) هرقل: (فهل قاتلتموه؟) إنَّما نَسب القتال إليهم ولم ينسبه له ﵇؛ لما علم أنَّه لا يبدأ قومه حتى يقاتلوه، قال أبو سفيان: (قلت: نعم) قاتلناه، (قال) هرقل: (فكيف كان قتالكم إياه؟) بفصل ثاني الضميرين، والاختيار ألا يجيء بالمنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل؛ وهو أفصح من (قتالكموه) باتصال الضمير، فلذا فصله؛ وهو الصواب، كذا قال الإمام بدر الدين العيني.
قال أبو سفيان: (قلت) وفي رواية (قال): (الحرب بيننا وبينه سجال)؛ بكسر السين المهملة وبالجيم المخففة؛ أي: نُوَب، نوبة لنا ونوبة له؛ كما قال: (ينال منا وننال منه)؛ أي يصيب منا ونصيب منه، و(السجال)؛ بمعنى المساجلة: مرفوع خبر لـ (الحرب)، فما قاله ابن حجر غير وارد ومردود، والجملة: لا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها مفسرة، وفي (الحرب بيننا وبينه سجال)؛ تشبيه بليغ.
(قال) هرقل: (ما) وفي رواية: (بما) وفي أخرى: (فما) (ذا يأمركم؟)؛ أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: (قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا)، وفي رواية: بحذف الواو؛ فيكون تأكيدًا لقوله وحده، والجملة من عطف الخاص على العام، (واتركوا ما يقول آباؤكم) من عبادة الأصنام، (ويأمرنا بالصلاة) المعهودة، وفي رواية بزيادة: (والزكاة)، (والصدق)؛ القول المطابق للواقع، وفي رواية: (بالصدقة)، (والعفاف)؛ بفتح العين: الكف عن المحارم، (والصلة) للأرحام، (فقال) هرقل (للترجمان: قل له)؛ أي: لأبي سفيان: (سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو) صاحب (نسب) عظيم؛ (فكذلك)، وفي رواية: بالواو (الرسل تبعث في نسب قومها)؛ لما علمه في الكتب.
(وسألتك هل قال أحد) وفي رواية: بإسقاط (هل) (منكم هذا القول) وفي رواية: (قبله)، (فذكرت أن لا، فقلت) في نفسي: (لوكان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يأتسي)؛ بهمزة ساكنة، بعدها مثناة فوقية مفتوحة، وسين مهملة مكسورة؛ أي: يقتدي (بقول قيل قبله)، وفي رواية: (يتأسى) بتقديم المثناة الفوقية على الهمزة المفتوحة وفتح السين المشددة.
(وسألتك هل كان من آبائه مِن مَلك؟) وفي رواية: بفتح الميمين (فذكرت: أن لا، قلت) في نفسي، وفي رواية: (فقلت): (فلو) وفي رواية: (لو) (كان من آبائه من ملك؛ قلت: رجل يطلب ملك أبيه) بالإفراد، وإنما قال: (لأبيه) ولم يقل: (لآبائه)؛ بالجمع؛ لأنَّه يكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: (ملك آبائه).
قال هرقل لأبي سفيان: (وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر) اللام جحودية؛ أي: لم يكن ليدع (الكذب على الناس) قبل النبوة، (ويكذب) بالنصب (على الله) بعد إظهارها، (وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه؛ وهم أتباع الرسل) غالبًا؛ كما مر.
قال هرقل لأبي سفيان: (وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون؛ وكذلك أمر الإيمان)؛ فإنَّه يزيد (حتى يتم) وحيه؛ ولهذا آخر النزول كان قوله: ﴿اليوم أكملت﴾ الآية [المائدة: ٣]، (وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين) بالنون، وفي رواية: (حتى) بالمثناة الفوقية، (تخالط) بالمثناة الفوقية، (بَشَاشَتُه)؛
[ ٤ ]
بفتح الموحدة، والشين المعجمتين، وضم التاء (القلوبَ): بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يخالط) بالمثناة تحت (بشاشةَ) بالنصب مفعول، و(القلوبِ): بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ (بشاشة القلوب): انشراح الصدور.
(وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر)؛ لأنَّها تطلب الآخرة، (وسألتك بما يأمركم؟) بإثبات الألف مع (ما) الاستفهامية، (فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان)؛ جمع (وثن) بالمثلثة؛ وهو الصنم، (ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف)؛ أي: بأداء الصلاة المعهودة، وعدم الكذب، وأن تكفُّوا عن المحارم، قال هرقل لأبي سفيان: (فإن كان ما تقول حقًّا)؛ لأنَّه خبر محتمل للصدق والكذب؛ (فسيملك) أي: النبي ﵇ (موضع قدمي هاتين) أرض بيت المقدس، (وقد كنت أعلم أنه) أي: النبي ﵇ (خارج)، وفي رواية: (فإن كان ما تقول حقًّا؛ فإنه نبي)، وفي رواية: (هذه صفة نبي)، وإنما علم ذلك هرقل؛ لأنَّ النبي منعوت في كتبهم، (لم) وفي رواية: (ولم) (أكن أظن أنَّه منكم) أي: من قريش، (فلو أنَّي أعلم أني) وفي رواية: (أنني) (أخلُص)؛ بضم اللام؛ أي: أصل (إليه؛ لتجشمت)؛ بالجيم والشين المعجمتين؛ أي: لتكلفت (لقاءه) على ما فيه من المشقة، والمراد بالتجشم: الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كل مسلم، وفي رواية: (قال هرقل: ويحك! والله إنِّي لأعلم أنَّه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته)، (ولو كنت عنده) أي: النبي ﵇؛ (لغسلت عن قدميه)، وفي رواية: بإسقاط لفظ (عن)، وفي رواية: (لو علمت أنه هو؛ لمشيت إليه، حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه، ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة)، وفي رواية: (قدمه) بالإفراد، والمراد: المبالغة في الخدمة.
(ثم دعا) هرقل (بكتاب رسول الله ﷺ)؛ أي: ثم دعا من أتى بكتابه ﵇، وجاز زيادة الباء؛ أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، وما قاله ابن حجر؛ ففيه نظر، (الذي بعث به دَِحيةُ)؛ بكسر الدال وفتحها ورفع التاء على الفاعلية: ابن خليفة الكلبي، وفي رواية: (مع دحية)، وهو مدفون في سطح المزة؛ قرية قرب دمشق، وكان البعث في آخر سنة ست بعد الرجوع من الحديبية، (إلى عظيم) أهل (بُصرى)؛ بضم الموحدة مقصورًا: مدينة حوران؛ أي: أميرها الحارث بن أبي شمر الغساني، (فدفعه إلى هرقل)، فيه مجاز؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عدي بن حاتم، وكان وصوله إليه في سنة سبع، (فقرأه) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره؛ وهو الثابت عند الواقدي، (فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم) وتقديم سليمان اسمه على البسملة؛ حكاية الحال، أو خاف منها أن تسب فقدَّم اسمه فإذا سبَّت يقع على اسمه، وفيه دليل على استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا؛ كذا قيل، وقال بعض الفضلاء: إن السنة تصدير الاسم فيقول: من فلان إلى فلان؛ وهو قول الجمهور، مستدلين بما في «أبي داود» عن العلاء وكان عامل النبي على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه؛ فليحفظ.
(من محمد عبد الله ورسوله)، وفي رواية: (من محمد بن عبد الله ورسول الله)، وإنما وصف نفسه بالعبودية؛ تعريضًا لبطلان قولهم في المسيح: إنه ابن الله؛ لأنَّ الرسل على السواء في أنهم عباده تعالى (إلى هرقل عظيم) أهل (الروم)؛ أي: المعظم عندهم، ويجوز في (عظيم) الجر بدل من سابقه، والرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، وإنما لم يصفه بالإمرة أو الملك؛ لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وذكر المدائني: أن القارئ لما قرأ: (من محمد رسول الله)؛ غضب أخو هرقل فاجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ فقال: لأنَّه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله؛ إنَّه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم واللهُ مالكي ومالكه، (سلامٌ) بالتنكير، وفي رواية بالتعريف، (على من اتبع الهدى)؛ أي: الرشاد، ومعناه: سلم من عذاب الله من أسلم، فليس المراد به التحية وإن كان اللفظ يشعر به، (أما بعدُ): بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة المنوية لفظًا، ويؤتى بها للفصل بين الكلامين، واختلف في أول من تكلم بها؛ فقيل: داود، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب، وقيل: يعقوب، والأرجح: أنه يعرب أو يعقوب، والأقوال كثيرة؛ (فإني أدعوك بدِعاية الإسلام)؛ بكسر الدال المهملة، وفي رواية: بداعية الإسلام؛ أي: بالكلمة الداعية إليه؛ وهي الشهادة والباء بمعنى (إلى)، (أسلِمْ)؛ بكسر اللام؛ (تسلَمْ) بفتحها (يؤتك الله أجرك مرتين) بالجزم في الأول على الأمر، وفي الثاني جواب له، والثالث بحذف حرف العلة جواب ثان له أيضًا، أو بدل منه، وإعطاء الأجر مرتين؛ لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد ﵇، وفي رواية: (أسلم؛ تسلم، أسلم؛ يؤتك) بتكرار (أسلم) مع زيادة الواو، (فإن توليت)؛ أي: أعرضت عن الإسلام؛ (فإن عليك) مع إثمك (إثم اليَرِيْسِين)؛ بمثناتين تحتيتين؛ الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بينهما راء مكسورة، ثم سين مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة، ثم نون: جمع (يريس)، على وزن (كريم)، وفي رواية: (الأريسين) بقلب المثناة الأولى همزة، وفي أخرى: (اليريسيِّين) بتشديد الياء بعد السين جمع (يريسي)، وفي رواية: (الأريسيِّين)؛ بتشديد الياء بعد السين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوله موضع الياء، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ فمعناه: أنَّ وزر الإثم لا يتحمله غيره والفاعل يتحمل من جهتين؛ جهة فعله وجهة تسببه، والأريسيون: الأكارون؛ أي: الفلاحون، والمراد بهم هنا: أهل مملكته الشامل للفلاحين وغيرهم على الأظهر، وفيه أقوال، وكلها بعيدة؛ فليحفظ، وفي قوله: (فإن توليت) استعارة تبعية.
(و﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ﴾) وفي رواية: بإسقاط الواو، والمراد: أهل الكتابين، والظاهر أنه ﵇ أراد مخاطبتهم بذلك ولم يرد التلاوة؛ فهو من باب الالتفات؛ فافهم، (﴿تَعَالَوْا﴾) بفتح اللام (﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾)؛ أي: مستوية (﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾) لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل؛ وهي (﴿ألَّا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ﴾)؛ أي: نوحده بالعبادة، (﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾)؛ أي: لا نجعل له شريكًا كما جعلتم، (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾) فلا نقول: المسيح ابن الله، ولا: العزير ابن الله، ولا نطيع الأحبار، وروي: لمَّا نزلت: ﴿اتَّخَذُواأَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١]، قال عدي بن حاتم: ماكنا نعبدهم يارسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون، فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم، قال: هو ذاك، (﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾) عن التوحيد (﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾) [آل عمران: ٦٤]؛ أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون.
وكتب ذلك ﵇ قبل نزول الآية؛ فوافق لفظه لفظها، ونزلت في وفد نجران سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان سنة ست، وقيل: نزلت في اليهود، وقيل: نزلت مرتين، وقيل: إنَّ هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب؛ تعظيمًا، وإنهم يتوارثونه، وقيل: إن ملكهم زمن المنصور قلاوون أخرج لسيف الدين قلج صندوقًا مصفحًا بالذهب فيه الكتاب، فقال: هذا كتاب نبيكم الذي أرسله إلى جدي قيصر، وأوصانا آباؤنا: أنه مادام عندنا؛ لا يزال الملك فينا.
وفي سنة ست وسبعين ومئتين وألف وجد أحد الفرنج كتابًا في أرض مصر، وذهب به إلى الفرنج، فقالوا: إنه كتاب محمد إلى المقوقس، فاشتروه منه بستين ألف قرش، وأهدوه إلى الملك الأعظم؛ السلطان عبد المجيد خان-نصره الله تعالى- العثماني، فتبارك فيه وعظمه، وجمع العلماء لقراءته، فما (^١) أحد عرف قراءته؛ لأنَّه مكتوب بالكوفي، فرسم صفته وأرسله إلى والي ديارنا الشريفة الشامية، فأرسل الوالي إلى شيخ الحرم الأموي، وطلب منه مصحف عثمان ﵁، وأمر بعض عماله على ترجمته بالعربي، وأرسله إلى السلطان، والله تعالى أعلم.
(قال أبو سفيان: فلما قال) هرقل (ما قال)؛ أي: الذي قاله من السؤال والجواب، (وفرغ من قراءة الكتاب) النبوي؛ (كثر عنده الصَّخَب)؛ بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين؛ أي: اللغط، (وارتفعت الأصوات) المختلفة؛ وهذا معنى اللغط، (وأُخرِجنا)؛ بضم الهمزة وكسر الراء؛ أي: أمر بإخراجنا، (فقلت لأصحابي حين أخرجنا): وفي رواية: (حين خلوت بهم): والله (لقد أَمِرَ)؛ بفتح أوله مقصورًا وكسر ثانيه؛ أي: عظم (أمْر ابن أبي كَبْشة) بسكون الميم؛ أي: شأنه، و(كَبْشة)؛ بفتح الكاف وسكون الموحدة، اسم مرتجل، وأراد بذلك: النبي ﵇؛ لأنَّها كنية أبيه من الرضاعة؛ الحارث بن عبد العزى، وكانت له بنت تسمى كبشة، فكُنِّي بها، قيل: إنه أسلم، أو هو والد حليمة مرضعته، أو نسبه إلى جدِّ جدِّه وهب؛ لأنَّ أمه آمنة بنت وهب، وأم جد وهب: قيلة بنت أبي كبشة، والظاهر الأول؛ (أنه يخافه)؛ بفتح الهمزة: مفعول لأجله، وقيل: بكسر الهمزة على الاستئناف، والمعنى: عظم أمره ﵇ لأجل أنه يخافه (ملك بني الأصفر)؛ وهم الروم؛ لأنَّ جدهم روم بن عيص بن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة؛ فجاء ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، قال أبو سفيان: (فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام) فأبرزت ذلك اليقين.
(وكان ابن الناطور) بالمهملة؛ أي: حافظ البستان، وفي رواية: بالمعجمة، وفي رواية: بزيادة ألف آخره، والواو عاطفة، والقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزهري، كذا قيل، وقوله: (صاحبَ) منصوب (إيلِياء)؛ بكسر الهمزة واللام، بينهما مثناة تحتية مع المد؛ وهي بيت المقدس؛ أي أميرها، ونصبه؛ إما على الاختصاص في رواية، أو على الحال، وفي رواية: أنَّه مرفوع صفة لابن الناطور؛ لأنَّ الإضافة معنوية؛ كذا قاله الإمام شهاب الدين الكرماني، واستظهره البرماوي، (وهرقلَ) بفتح اللام مجرور عطفًا على (إيلياء)؛ أي: صاحب هرقل أيضًا، وأطلق عليه الصحبة؛ إما بمعنى الاستقلال بالرأي، أو بمعنى التبع أو الصداقة، والظاهر الأول، (أُسقف)؛ بضم الهمزة: مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: (أُسْقُفًا) بضم الهمزة، وسكون السين، وضم القاف، وتخفيف الفاء، وفي رواية: (أسقفًّا) بتشديد الفاء، وفيه روايات؛ أي: مقدمًا (على نصارى الشام)؛ لكونه رئيس دينهم، أو ملكهم، أو قيم شريعتهم؛ وهو البترك الكبير المسمى بالباب؛ بفتح الموحدتين بينهما ألف، وما قيل؛ فهو بعيد، (يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء) وغلبة جنوده جنود فارس وإخراجهم في سنة عمرته ﵇ الحديبية؛ (أصبح خبيث النفس)؛ مما حل به من الهم، وفي رواية: (أصبح يومًا خبيث النفس)، (فقال) له (بعض بَطارقته)؛ بفتح الموحدة: جمع بطريق، بكسرها؛ وهو العالم بدينهم: (قد استنكرنا هيئتك)؛ لمخالفتها عادتك، (قال ابن الناطور): بالمهملة وفي رواية بالمعجمة (وكان هرقل) عالمًا وكان (حَزَّاءً)؛ بالمهملة وتشديد الزاي، آخره همزة منونة، منصوب؛ لأنَّه خبر (كان)؛ أي: كاهنًا (ينظر في النجوم) خبر ثان لـ (كان)؛ إن قلنا: إنه ينظر في الأمرين، أو تفسير لـ (حزاء)؛ لأنَّ الكهانة تؤخذ تارة من ألفاظ الشياطين وتارة من أحكام النجوم،
_________________
(١) في الأصل: (فلم).
[ ٥ ]