٣ - ٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا)، ولأبي ذر بواو العطف (يحيى) أبو زكريا بن عبد الله (ابن بُكير) بضم الموحدة؛ تصغير (بكر) المخزومي المصري، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به.
(قال: حدثنا الليث) بالمثلثة؛ ابن سعد الفهمي عالم أهل مصر، من تابع التابعين، المتوفى سنة خمس وسبعين ومئة، وكان من أتباع الإمام الأعظم على التحقيق، وما قيل: إنه مجتهد؛ تعصُّب، قال الشافعي: الليث أفقه من مالك. انتهى، إلَّا أنه كان حنفي المذهب؛ فليحفظ.
(عن عُقَيل) بضم العين المهملة وفتح القاف مصغر، ابن خالد ابن عَقيل؛ بفتح العين، الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، الأموي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة، (عن ابن شهاب) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي صغير، ونسبه المؤلف لجده الأعلى لشهرته، المتوفى بالشام سنة ست وتسعين ومئة، (عن عروة بن الزُبير) بضم الزاي؛ مصغر ابن العوام، (عن عائشة أم المؤمنين) ﵂ وعن أبيها: (أنها قالت: أول ما بُدِئ به) بضم الموحدة وكسر الدال (رسول الله ﷺ من الوحي) أي: من أقسام الوحي، من ربه إليه: (الرؤيا الصالحة في النوم)، قيل: الحديث من المراسيل، والظاهر أنها سمعت ذلك من النبي ﵇، وإنما كانت الرؤيا من الوحي؛ لأنَّه لا مدخل للشيطان فيها، وفي رواية: (الصادقة) بدل (الصالحة)؛ وهي التي ليس فيها ضغث، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر، واحترز بقوله: (من الوحي) عما رآه من دلائل النبوة من غير وحي؛ كتسليم الحجر عليه كما في «مسلم»، وأوله ما سمعه من بحيرا الراهب
_________________
(١) في الأصل: (أبو).
(٢) في الأصل: (وتزويج).
(٣) في الأصل: (خالهم).
(٤) في الأصل: (ثمان).
(٥) في الأصل: (خمس).
(٦) في الأصل: (تسع).
(٧) كذا قال، وهكذا ترسم ولكن المحدِّثين يلفظونها: «الحارث».
[ ٣ ]
كما في «الترمذي».
(فكان) بالفاء للأصيلي، ولأبوي ذر والوقت: بالواو؛ أي: النبي ﵇، (لا يرى رؤيا) بدون تنوين، وروي به، (إلا جاءت) وقعت (مثل)؛ بالنصب بمصدر محذوف؛ أي: إلا جاءت مجيئًا مثل (فلق الصبح)؛ كرؤياه دخول المسجد الحرام، والمعنى: أنها شبيهة له في الضياء والوضوح، وعبر بـ (فلق الصبح)؛ لأنَّ مبادئ النبوة الرؤيا، والفلق: الصبح، وهل أوحي إليه شيء من القرآن في النوم أم لا؟ والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وإنما ابتدئ ﵇ بالرؤيا؛ لئلا يفاجئه الملك.
(ثم حبب إليه الخلاء) بالمد؛ مصدر بمعنى الخلوة؛ أي: الاختلاء؛ بالرفع، نائب فاعل، وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنَّها تريح القلب من الاشتغال بالدنيا والتفرغ لعبادة الله تعالى، (وكان) ﵇ (يخلو بغار حِراء)؛ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد، والأصيلي: فتحها والقصر، وهو مصروفِ إنْ أريد المكان، وممنوع منه إن أريد البقعة، فهي أربعة: التذكير، والتأنيث، والمد، والقصر، وحراء: جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، والغار نقب فيه؛ وهو الكهف.
(فيتحنث فيه)؛ بالحاء المهملة وآخره مثلثة؛ أي: يتبع دين إبراهيم؛ (وهو التعبد الليالي ذوات العدد) مع أيامهن، واقتصر عليهن تغليبًا، و(الليالي): نصب على الظرفية، وأقل الخلوة: ثلاثة أيام، ثم سبعة، ثم شهر؛ لما عند المؤلف: جاورت بحراء شهرًا، وعند أبي إسحاق: أنه شهر رمضان، وما قيل: إنه أكثر فلم يصح، والخلوة: أمر مرتب على الوحي، وإنما خص حراء بالتعبد؛ لأنَّه له فضلٌ (^١)؛ من حيث إنه ينظر منه الكعبة، والنظر إليها عبادة، ولم يأت التصريح بصفة تعبده، وقيل: بالتفكر، والله أعلم.
(قبل أن يَنزِع)؛ بفتح أوله وكسر الزاي؛ أي: يشتاق ويرجع (إلى أهله) عياله (ويتزود لذلك)؛ برفع الدال؛ أي: يتخذ الزاد للخلوة، (ثم يرجع إلى خديجة) ﵂ (فيتزود لمثلها)؛ أي: لمثل الليالي، وخص خديجة؛ لأنَّه كان يتزود من عندها دون غيرها، وفيه: أن الانقطاع عن الأهل ليس من السنة؛ أي: بالكلية.
(حتى جاءه) الأمر (الحق) الوحي (وهو في غار حراء، فجاءه الملك) جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان، وهو ابن أربعين سنة؛ كما رواه ابن سعد، (فقال) له: (اقرأ) ما أتلوه عليك، (قال) ﵇، ولأبوي ذر والوقت: (قلت): (ما أنا بقارئ)، وفي رواية: (ما أحسن أن أقرأ)، و(ما): استفهامية على التحقيق؛ فإنَّ الأخفش جوَّز دخول الباء في خبرها، والدليل على أنَّها استفهامية الرواية الأخرى عن أبي الأسود في (المغازي): (قال: كيف اقرأ؟)، وقيل: إنَّ (ما) نافية، واسمها (أنا)، وخبرها (بقارئ).
(قال) ﵇: (فأخذني) جبريل (فغطني)؛ بالغين المعجمة ثم المهملة؛ أي: ضمَّني وعصرني، وفي رواية: (فغتني)؛ بالمثناة الفوقانية؛ أي: حبسني، (حتى بلغ مني الجَهدَ)؛ بفتح الجيم ونصب الدال؛ أي: غاية الوسع، مفعولٌ حُذف فاعله، وروي: بضم الدال والرفع؛ أي: بلغ مني الجهد مبلغه، فهو فاعل (بلغ)، وهي الأوجه، (ثم أرسلني)؛ أي: أطلقني.
(فقال: اقرأ، قلت) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (فقلت): (ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية)؛ أي: مرة ثانية، (حتى بلغ مني الجهد)؛ بالفتح والنصب، والضم والرفع؛ كما مر، (ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة)؛ أي: المرة الثالثة، وهذا من خصائصه ﵇، واستدل به: على أن المؤدب لا يضرب صبيًا أكثر من ثلاث ضربات.
(ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾)؛ أي: بكلام ربك الذي أتلوه عليك، (﴿الَّذِي خَلَقَ﴾) [العلق: ١]؛ أي: الذي له الخلق، أو الذي خلق كل شيء، ولا دلالة فيه للشافعي على وجوب قراءة التسمية في ابتداء كل قراءة؛ لأنَّ المراد المقروء؛ وهو كلام الله تعالى، وعن علي: (أن أول ما نزل من القرآن: (﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١])، والجمهور: أن أول ما نزل منه هذه الآيات؛ فليحفظ.
(﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾): خصه بالذكر؛ لشرفه، (﴿مِنْ عَلَقٍ﴾) [العلق: ٢]؛ بتحريك اللام: الدم الغليظ، والقطعة منه علقة، (﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾) [العلق: ٣]؛ الزائد في الكرم على كل كريم، (فرجع بها)؛ أي: بالآيات (رسول الله ﷺ) إلى أهله، والظاهر أن (رجع) مخفف؛ أي: أنَّه بمجرد سماعها وقراءتها حفظها، ويحتمل أنه مشدد؛ أي: صار يكررها حتى حفظها، فسار إلى أهله حال كونه (يرجُف)؛ بضم الجيم: يخفق ويضطرب، (فؤادُه): قلبه وحواسه؛ لما ظهر له من الأمر الخارق للعادة، (فدخل) ﵇ (على خديجة بنت خويلد) (^٢)؛ أم المؤمنين ﵂، فأعلمها بما وقع له، (فقال) ﵇: (زمِّلوني زمِّلوني)؛ بكسر الميم مع التكرار مرتين: من التزميل؛ وهو التلفف، (فزمَّلوه)؛ بفتح الميم، (حتى ذهب عنه الرَّوع)؛ بفتح الراء؛ أي: الخوف.
(فقال) ﵇ (لخديجة) ﵂ (وأخبرها الخبر)؛ جملة حالية: (لقد)؛ أي: والله لقد (خشيت على نفسي) الموت من شدة الخوف أو المرض، (فقالت له) ﵇ (خديجة) ﵂، ولأبي ذر: (قالت)؛ بإسقاط الفاء: (كلا) نفي وإبعاد؛ أي: لا تقل ذلك، (والله ما يُخْزِيْك الله أبدًا)؛ بضم المثناة التحتية، وبالخاء المعجمة الساكنة، والزاي المكسورة، وبالمثناة التحتية الساكنة: من الخزي؛ أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: (ما يَحزنك الله)؛ بفتح أوله وبالحاء المهملة وبالنون: من الحزن؛ ضد الفرح.
(إِنك)؛ بكسر الهمزة؛ أي: المتصف بمكارم الأخلاق، (لتصل الرحم)؛ أي: القرابة، (وتحمل الكَلِّ)؛ بفتح الكاف وتشديد اللام: الثِّقْل؛ بكسر المثلثة وإسكان القاف؛ أي: تدفعه عن الضعيف والمنقطع، (وتَكسب المعدوم)؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، و(كسب): يتعدى لواحد واثنين، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: (وتكسب)؛ بضم أوله من (أكسب)؛ أي: تكسب غيرك المال المعدوم، و(المعدوم): الرجل الفقير، وإنَّما سماه معدومًا؛ لكونه كالميت؛ من حيث العجز، والعديم: الذي لا عقل له.
(وتَقري الضيف) بفتح أوله بلا همز؛ ثلاثيًا، وسمع بضمها؛ رباعيًا؛ أي: تهيئ له طعامًا، (وتعين على نوائب الحق)؛ أي: حوادثه، وإنما قالت: نوائب الحق؛ لأنَّها تكون في الحق والباطل، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وحسن رأيها.
(فانطلقت)؛ أي: مضت (به خديجة) ﵂؛ مصاحبة له، (حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة)؛ بنصب (ابن) الأخير بدلًا من (ورقة) أو صفة، ولا يجوز جره؛ لأنَّه يصير صفة لعبد العزى، وليس كذلك، وتكتب بالألف ولا تحذف؛ لعدم وقوعه بين علمين، وراء (ورَقة) مفتوحة، وتجتمع معه خديجة في أسد؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسد.
(وكان) ورقة امرأ (قد) ترك عبادة الأوثان، و(تنصر)، وللأربعة: (وكان امرأ تنصر) (في الجاهلية)؛ بإسقاط (قد)، فإنَّه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأَعجب ورقة النصرانية للُقيه من لم يبدل شريعة عيسى ﵇، (وكان) ورقة (يكتب الكتاب العبراني)؛ أي: الكتابة العبرانية، وفي رواية: (الكتاب العربي).
(فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب)؛ أي الذي شاء الله كتابته، و(العبراني)؛ بكسر العين: نسبة إلى (العِبْر)؛ بكسر العين وإسكان الموحدة، وزيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك؛ لأنَّ إبراهيم تكلم بها لما عبر الفرات فارًا من نمرود، وقيل: إن التوراة عبرانية، والإنجيل سريانية، وقيل: ما نزل من السماء وحي إلَّا عربي، وكانت الأنبياء تترجمه لقومها.
(وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) حال كونه (قد عمي، فقالت له خديجة) ﵂؛ (يا بن العم؛ اسمع)؛ بهمزة وصل (من ابن أخيك)؛ تعني: النبي ﵇؛ لأنَّ الأب الثالث لورقة؛ هو الأخ للأب الرابع لمحمد ﵇.
(فقال له) ﵇: (ورقة يا بن أخي: ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما)، وللأصيلي وأبي ذر: (بخبر ما) (رأى فقال له ورقة: هذا الناموس)؛ بالنون والسين المهملة: وهو صاحب السر الوحي، والمراد به جبريل (الذي نزل الله على موسى)، زاد الأصيلي: (ﷺ)، و(نزل)؛ بحذف الهمزة.
وإنَّما خصَّ موسى مع كون ورقة نصرانيًّا؛ لأنَّ توراة موسى مشتمل على الأحكام، بخلاف الإنجيل؛ لأنَّه مشتمل على المواعظ، ولأنَّ نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين، بخلاف عيسى؛ فإنَّ اليهود ينكرون نبوته.
وفي رواية عيسى: (يا ليتني فيها)؛ أي: في مدة النبوة أو الدعوى، (جَذَعًا)؛ بفتح الجيم والمعجمة وبالنصب: خبر كان مقدرة، أو على الحال من ضمير خبر ليت المقدر، وللأصيلي وأبي ذر: (جذع)؛ بالرفع: خبر ليت، والجذع: هو الصغير من البهائم، ثم استعير للإنسان؛ أي: شابًّا قويًّا، (ليتني)، وللأصيلي: (يا ليتني)، (أكون حيًّا) عند ظهور نبوتك.
(إذ يخرجك قومك) من مكة، وفي رواية: (حين يخرجك قومك)، وإنما تمنَّى ورقة عود الشباب مع أنه مستحيل؛ لأنَّ التمني في الخير جائز ولو كان مستحيلًا، أو أنَّ التمني ليس مقصودًا على بابه.
(فقال رسول الله ﷺ: أوَ)؛ بفتح الواو (مخرجيَّ هم)؛ بتشديد الياء مفتوحة؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مخرج، من الإخراج، فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة كسرة وفتحت ياء (مخرجي)؛ تخفيفًا، و(هم): مبتدأ، خبره: (مخرجي) مقدمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة؛ لأنَّ الإضافة غير محضة بل لفظية.
(قال) ورقة: (نعم؛ لم يأت رجل قَطُّ)؛ بفتح القاف وتشديد المهملة مضمومة، وقد تكسر وقد تخفف، (بمثل ما جئت به): من الوحي (إلا عودي)؛ لأنَّ الإخراج عن المألوف موجب لذلك، (وإن يدركْني)؛ بالجزم بأن الشرطية (يومُك)؛ بالرفع: فاعل (يدركني)؛ أي: يوم ظهور نبوتك؛ (أنصرْك)؛ بالجزم: جواب الشرط، (نصرًا): بالنصب على المصدرية (مُؤزَّرًا)؛ بضم الميم، وفتح الزاي المشددة، آخره راء مهملة مهموزًا؛ أي: قويًّا بليغًا؛ وهو صفة لـ (نصر)، وفيه إشارة: إلى أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام؛ فيكون مثل بحيرا، وفي «المغازي»: أنه قال: أشهد أنك نبي مرسل.
وفي آخره: قال ﵇: «لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدقني»، وأخرجه البيهقي، ففيه إشارة إلى ثبوت صحبته، وقد ذكره ابن منده في «الصحابة»؛ فتأمل.
(ثم لم يَنشب)؛ بفتح المثناة التحتية والمعجمة: أي: لم يلبث، (ورقةُ)؛ بالرفع: فاعل ينشب، (أن توفي)؛ بفتح الهمزة وتخفيف النون: وهو بدل اشتمال من (ورقة)؛ أي: لم تتأخر وفاته عن هذه القصة، واختلف في وقت موته؛ قيل: بمكة، وقيل: قتل ببلاد لخم.
(وفتر الوحي)؛ أي: احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصف، وفي رواية: (حتى حزن ﵇ حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال).
(قال ابن شهاب) الزهري: (وأخبرني) بالإفراد (أبو سَلَمة)؛ بفتحتين: عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف المتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وأتى بالواو العاطفة؛ لبيان أنه مسند في (الأدب) و(التفسير) مع الإخبار عن عروة، وحينئذٍ؛ فهو من التعاليق حقيقة ومعنًى، كما ذكره الإمام الكرماني، وما قاله في «الفتح»، وتبعه القسطلاني؛ فقد ردَّه الإمام بدر الدين العيني بما يطول؛ فليحفظ: (أن جابر بن عبد الله) بن عمرو (الأنصاري)
_________________
(١) في الأصل: (فضلًا).
(٢) في حاشية الأصل: (هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أم المؤمنين، تزوجها ﵇ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي أم أولاده خلا إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوج غيرها قبلها ولا عليها، حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح. قال آدم: مما فضل الله به ابني عليَّ أنْ زوجه خديجة كانت عونًا له على تبليغ أمر الله، وإن زوجتي كانت عونًا لي على المعصية، كذا قال الإمام بدر الدين العيني).
[ ٣ ]
الخزرجي، المتوفى بالمدينة سنة ثمان، أو أربع، أو تسع وسبعين؛ وهو آخرهم موتًا بالمدينة، (قال وهو يحدث عن فترة الوحي)؛ أي: عن حال احتباس الوحي عن النزول: (فقال) النبي ﵇ (في حديثه: بينا) أصله: (بين)، فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا؛ وهي ظرف زمان مقطوع عن الإضافة بالألف، (أنا أمشي)، وجواب (بينا) قوله: (إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري؛ فإذا الملك) جبريل (الذي جاءني بحراء جالس)؛ خبر المبتدأ، وهو الملك، ويجوز نصب (جالس) على الحال، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا (على كرسي)؛ بضم الكاف وقد تكسر: ما يُجلس عليه من الأعواد، (بين السماء والأرض) ظرف محله الجر صفة لـ (كرسي).
(فرُعِبت)؛ بضم الراء وكسر العين المهملة: مبني للمفعول، وللأصيلي: (فرَعُبت)؛ بفتح الراء وضم العين؛ أي: فزعت (منه)؛ أي: من الملك جبريل، (فرجعت) إلى أهلي (فقلت) لهم: (زملوني زملوني) بالتكرار مرتين، ولكريمة: مرة واحدة، وفي رواية: (دثروني)، (فأنزل الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت: (﷿): (﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾) [المدثر: ١]؛ أي: المتدثر وهو لابسُ الدثار؛ وهو الثوب الذي يلبس فوق القميص، قيل: إن التدثير والتزميل؛ بمعنى واحد، والظاهر أن بينهما فرقًا خفيفًا؛ فالتزمل: التلفف بالثوب، والتدثر: بسط الثوب عليه، فالفرق بين اللف والبسط؛ فليحفظ.
(﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾) [المدثر: ٢] حذِّر من العذاب لمن لا يؤمن، ولا شك أنَّ الإنذار يكون عقب نزول الوحي؛ فليحفظ، (إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ﴾)؛ أي: الأوثان، (﴿فَاهْجُرْ﴾) [المدثر: ٥]، وللأربعة: (الآية).
(فحَمِي)؛ بفتح الحاء المهملة وكسر الميم: أي: فكثر، (الوحي)؛ أي: نزوله، (وتتابع)، ولأبي ذر: (وتواتر)؛ وهما بمعنى واحد، قاله القسطلاني، قلت: ليس كما قال؛ فإن (التتابع): ظهور الشيء وبعده الآخر وهكذا، و(التواتر): ظهور الأشياء بعضها عقب بعض؛ بمهملة بفتح الميم؛ فليحفظ، وإنما لم يقتصر على قوله: فحمي؛ لأنَّه لا يفيد التواتر والتتابع.
(تابعه)؛ أي: تابع يحيى بن بكير في رواية الحديث عن الليث (عبد الله بن يوسف) التنيسي، (و) تابعه (أبو صالح) عبد الله كاتب الليث، أو عبد الغفار بن داود البكري الحرَّاني، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، وكلاهما عن الليث، وروى عنهما المؤلف، قال القسطلاني: ووهم ابن حجر العسقلاني في «فتحه الباري»؛ حيث جعل القائل عبد الغفار، انتهى.
قلت:. . . .
(وتابعه)؛ أي: تابع عقيل بن خالد في هذا الحديث (هلال بن رداد)؛ بدالين مهملتين، الأولى مشددة الطائي، وليس له في الكتاب إلا هذا الموضع، (عن الزهري) محمد بن مسلم، (وقال يونس) بن يزيد الأَيْلي؛ بفتح الهمزة وسكون التحتية: التابعي، المتوفى سنة تسع وخمسين ومئة، (ومَعْمَر)؛ بفتح الميمين وسكون العين: أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحراني؛ مولاهم، المتوفى سنة أربع وخمسين ومئتين: (بَوادره)؛ بفتح الموحدة: جمع بادرة؛ وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، فوافقا عقيلًا، إلَّا أنهما قالا بدل (يرجف فؤاده): (ترجف بوادره)؛ وهما بمعنى واحد في المعنى؛ من حيث أنَّهما دالان على الفزع، ولأبي ذر وكريمة: (تواتر)، وهذا أول موضع ذكر المتابعة؛ وهي المشاركة في الرواية، فإن اتفقت رجال السند؛ تسمى: متابعة حقيقية تامة، وإن اختلفت الرجال؛ سميت: ناقصة، وقد تسمى: شاهدًا.