٢٢ - وبه قال: (حدَّثنا إسماعيل) بن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، وقد تُكُلِّم فيه؛ كما أوضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني ﵀، (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة -بفتح العين عَمرو- (المازني) المدني، المتوفى سنة أربعين ومئة، (عن أبيه) يحيى، (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخُدري) بالدال المهملة (﵁، عن النبي) الأعظم (ﷺ) أنه (قال: يدخل أهل الجنة الجنة)؛ أي: فيها، وعبر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحض للحال؛ لتحقق وقوع الإدخال، (و) يدخل (أهل النار النار)؛ أي: فيها، (ثم) بعد دخولهم فيها (يقول الله تعالى) وفي رواية: (﷿)، للملائكة: (أخرجوا)؛ بهمزة قطع مفتوحة: أمر من الإخراج، زاد في رواية: (من النار) (مَن) أي: الذي (كان في قلبه) زيادة على أصل التوحيد (مثقال حبة) وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية فيه: «أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا»، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.
قال الإمام القاضي عِياض: هذا هو الصحيح؛ لأنَّ معنى الخير هنا أمر زائد على الإيمان؛ لأنَّ مجرَّده لا يتجزَّأ، وإنما ينجزئ الأمر الزائد عليه؛ وهي الأعمال الصالحة؛ من ذكر خفي، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونية صادقة في عمل؛ كذا في «عمدة القاري»، وهذه الجملة محلها النصب مفعولَ (أخرجوا) و(مَن) موصولة، وقوله: (كان في) إلى آخره صلتها، و(مثقال حبة) كلام إضافي مرفوع؛ لأنَّه اسم (كان)، وخبره قوله: (في قلبه) مقدَّمًا، ويجوز أن يكون (اخرجوا) بضم الهمزة من الخروج، وعليه يكون (مَن) منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: اُخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة، (من خردل من إيمان)؛ بالتنكير؛ لأنَّ المقام يقتضي التقليل، والقلة هنا: باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يحب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية: (من الإيمان) بالتعريف.
وهذا قوله: (من خردل من إيمان)، من باب التمثيل، فيكون عيارًا في المعرفة وليس عيارًا في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، لكن ما يشكل من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيار محسوس؛ ليُفهم، ويُشبَّه به؛ ليُعلم، والتحقيق فيه: أن يُجعل عمل العبد وهو عرَض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى، ثم يُوزن، ويدلُّ عليه ما جاء مبينًا في قوله: (وكان في قلبه من الخير ما يزن برة)، أو تُمثَّل الأعمال بجواهر؛ فتُجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة، أو الموزون الخواتيم، فإن كانت خاتمة عمله حسنًا؛ جوزي بخير، وإن كانت خاتمة عمله شرًّا؛ جُوزي بشر.
وذكر القاضي عياض: أن المعنى في قوله: (من إيمان) ومن خير وما جاء منه؛ أي: من اليقين، إلَّا أنَّه قال: المراد الثواب؛ أي: ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل، فإن أتبعه بالعمل؛ عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك؛ نقص ثوابه، فإن قيل: كيف تعلمون (^١) ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ قلت: لعله بعلامات؛ كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد؛ كذا في «عمدة القاري».
قال القسطلاني: قال الغزالي: من أيقن بالإيمان وحال بينه وبين النطق به الموت؛ فهو ناج مستدلًا بقوله: (أخرجوا) إلى آخره، وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة؛ فلا يخلد في النار، ويحتمل خلافه، ورجح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله: (في قلبه) فيقدر فيه محذوف تقديره: منضمًا إلى النطق به مع القدرة عليه.
ومنشأ الاحتمالين: الخلاف في أن النطق بالإيمان شطر، فلا يتم الإيمان إلَّا به؛ وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط؛ وهو مذهب جمهور المحققين؛ وهو اختيار الشيخ الإمام أبي منصور، والنصوص معاضدة لذلك، قاله المحقق الثاني سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى.
(فيخرجون منها)؛ أي: من النار حال كونهم (قد اسودوا)؛ أي: صاروا سودًا من تأثير النار (فيُلقون)؛ بضم المثناة التحتية: مبنيًّا للمفعول (في نهر الحيا) بالقصر، وفي رواية: بالمد، قيل: ولا معنى له؛ أي: المطر (أو الحياة) بالمثناة الفوقية آخره؛ وهو النهر الذي مَن غُمس فيه حيي، وهو غير الكوثر، كما لا يخفى، (شك مالك) وفي رواية: (يشك) بالمثناة التحتية أوله؛ أي: في أيهما الرواية، وجملة (شك) اعتراض بين قوله: (فيلقون في نهر الحياة) السابق، وبين لاحقه؛ وهو قوله: (فينبتون) ثانيًا (كما تنبت الحِبة)؛ بكسر المهملة وتشديد الموحدة؛ أي: كنبات بزر العشب، فـ (أل) للجنس أو للعهد، والمراد: البقلة الحمقاء؛ لأنها تنبت سريعًا، (في جانب السيل، ألم تر) خطابٌ لكل من يأتي منه الرؤية (أنها تخرج) حال كونها (صفراء) تسر الناظر، وحال كونها (ملتوية) متمثلة منثنية، فالتشبيه؛ من حيث الإسراع والحسن، والمعنى: من كان في قلبه مثقالُ حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متنجدًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متمايلة، وحينئذٍ فيتعين كون (أل) في الحبة للجنس؛ كذا قيل؛ فتأمل.
وبه قال: (قال وُهَيب)؛ بضم أوله، وفتح ثانيه مصغَّرًا، آخره موحدة: ابن خالد بن عجلان الباهلي البصري: (حدثنا عمرو)؛ بفتح العين: ابن يحيى المازني السابق: (الحياةِ) بالجر على الحكاية؛ وهو موافق لمالك في روايته لهذا الحديث، عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشك كما شك مالك أيضًا.
(وقال) وهيب أيضًا في روايته: مثقال حبة من (خردل من خير) بدل من إيمان، فخالف مالكًا في هذه اللفظة؛ وهذا من تعاليق المؤلف، أخرجه في (الرقاق)، وفيه الرد على المرجئة القائلين: بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، فلا يدخل النار العاصي، وعلى المعتزلة القائلين بأن المعاصي موجبة للخلود في النار.
[حديث: بينا أنا نايم رأيت الناس يعرضون علي]
٢٣ - وبه قال: (حدثنا محمد بن عبيد الله) مصغرًا: ابن محمد بن زيد القرشي الأموي المدني، مولى عثمان بن عفان ﵁ (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة، التابعي، المدني، المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومئة، (عن صالح) أبي محمد بن كيسان الغفاري المدني التابعي، المتوفى بعد أن بلغ من [العمر] مئة وستين سنة، وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين، (عن ابن شهاب): هو الزهري (عن أبي أُمامة)؛ بضم الهمزة: أسعد المختلَف في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذُكر في الصحابة لشرف الرؤية (بن سهل) وفي رواية: زيادة: (ابن حُنيف)؛ بضم المهملة، المتوفى سنة مئة عن نيف وتسعين سنة: (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ حال كونه (يقول: قال رسول الله ﷺ: بينا)؛ بغير ميم، أصله: (بين)؛ أشبعت الفتحة فصارت ألفًا، (أنا نائم؛ رأيت الناس) من الرؤيا الحلمية على الأظهر، أو من الرؤيا البصرية فتطلب مفعولًا واحدًا؛ وهو (الناس)، وحينئذٍ فيكون قوله: (يعرضون علي) جملة حالية، أو علميَّة من الرأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: (الناس يعرضون علي)؛ أي: يظهرون لي، (وعليهم قُمُص)؛ بضم الأَوَّلَين جمع (قميص) والواو للحال، (منها)؛ أي: من القمص (ما)؛ أي: الذي (يبلغ الثُّدِيَّ)؛ بضم المثلثة، وكسر المهملة، وتشديد المثناة التحتية: جمع (ثدي)، يذكر ويؤنث للمرأة والرجل، والحديث يردُّ على خَصِّه بالمرأة، وهو منصوب مفعول (يبلغ)، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وفي رواية: (الثَّدْي) بفتح المثلثة وإسكان الدال، (ومنها)؛ أي: من القمص (ما دون ذلك)؛ أي: لم يصل للثدي لقصره.
(وعُرِض علي)؛ بضم العين وكسر الراء: مبنيًّا للمفعول (عمر بن الخطاب) بالرفع نائب عن الفاعل، رضي الله تعالى عنه (وعليه قميص يجرُّه)؛ لطوله (قالوا)؛ أي: الصحابة، وفي رواية: قال؛ أي: عمر بن الخطاب أو غيره (فما أوَّلتَ)؛ أي: فما عبَّرت
_________________
(١) في الأصل: (تعملون).
[ ٩ ]
(ذلك يا رسول الله؟ قال) ﵇: أولت (الدينَ)؛ بالنصب: معمول (أولت).
قال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من الصدِّيق؛ لأنَّ المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان دينه أكثر؛ فثوابه أكثر، وهو خلاف الإجماع، قال: قلت: لا يلزم ذلك؛ لأنَّ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع، وعلى تقدير الحصر؛ فلم يخص الفاروق بالثالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التخصيص؛ فهو معارَض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصدِّيق، فلا تعارضها الآحاد، ولئن سلمنا التساوي بين الدليلين؛ لكن إجماع أهل السنة والجماعة على أفضليته، وهو قطع، فلا يعارضه الظني، وقد أنكر ذلك الشيعة والخوارج، قلنا: لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال، والأصل إجماع أهل السنة والجماعة) انتهى.
وفي الحديث: التشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدين بالقميص؛ لأنَّه يستر العورة، وكذلك الدين يستره من النار، وفيه التفاضل في أهل الإيمان بالأعمال، والله أعلم.