هذا (باب أمور الإيمان) الإضافة بمعنى اللام؛ أي: باب الأمور الثابتة للإيمان في تحقيق ثمراته وضيائه، وقيل: إن الإضافة بيانية بناء على أن الأعمال هي الإيمان، وفي رواية: (أمر الإيمان) بالإفراد على إرادة الجنس، (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على (أمور)، وفي رواية: (﷿): (﴿لَيْسَ البِرَّ﴾) الفعل الخير (﴿أَن تُوَلُّوا﴾) الخطاب لليهود والنصارى في دعوى القبلة، (﴿وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ﴾) قبلة النصارى (﴿وَالْمَغْرِبِ﴾) قبلة اليهود؛ أي: ليس البر مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البر ما أنتم عليه؛ فإنه منسوخ (﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾) الذي يهتم به (﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾) القرآن أو أعم (﴿وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾) تعالى أو حب المال (﴿ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾) المحاويج منهم، ولم يقيده؛ لعدم الإلباس، (﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾) جمع: مسكين؛ مَن لا شيء له، لقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: صاحب تراب، (﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾) المسافر، وقيل: الضيف، (﴿وَالسَّائِلِينَ﴾)؛ أي: الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال (﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾)؛ أي: تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأسارى، أو ابتياع الرقاق لعتقها، (﴿وَأَقَامَ [الصَّلاةَ] وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) المفروضتين؛ أي: أداها في مصارفها، (﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾) عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾، (﴿وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاء﴾) الفقر (﴿وَالضَّرَّاءِ﴾) نصب على المدح ولم يعطف؛ لفضل الصبر: المرض، هذا هو المشهور؛ فليحفظ، (﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾) وقت الجهاد (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾) في الدين وطلب البر (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]) عن الكفر وسائر الرذائل، وفي رواية بإسقاط قوله ﴿ولكن البر﴾ إلى آخر الآية، وفي رواية بإسقاط: ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
وهذه الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، فمن عمل بها؛ فقد تحققت ثمرات الإيمان عنده، وأشرق نوره وضياؤه، وفي حديث أبي ذر عند عبد الرزاق: أنَّه ﵇ سئل عن الإيمان فتلا عليه هذه الآيات، ولم يذكره المؤلف؛ لأنَّه ليس على شرطه.
وقال الله ﷿: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾)؛ أي: فاز (﴿المُؤْمِنُونَ﴾ الآية) [المؤمنون: ١] بإسقاط واو العطف؛ لعدم الإلباس، قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: (﴿هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧]) تقديره: هم الموصوفون بقوله: (﴿قد أفلح﴾)، وفي رواية الأصيلي: (وقد أفلح) بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكر: (وقوله: ﴿قد أفلح﴾)، قلت: وهذا يرد ما قاله ابن حجر في «فتحه»: من احتمال التفسير مع ما فيه من البعد، أفاده القسطلاني، ويجوز في قوله: (الآية)؛ النصب بتقدير: اقرأ، والرفع مبتدأ خبره محذوف.