٩/ ١٨ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو إدريس -عائذ الله- أن عباد بن الصامت وكان قد شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله - ﷺ - قال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله ﷿، إن شاء عفا وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك.
يشكل من هذا الحديث قوله: ولا تاتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم). والبهتان: مصدر. يقال: بهَت الرجلُ
[ ١ / ١٥٠ ]
صاحبه بهتًا وبهتانًا، وهو أن يكذب عليه الكذب الذي يبهت من شدة نكره، ويتحر فيه، فيبقى مبهوتا منقطعا ومعناه هاهنا قذف المحصنات والمحصنين، وهو من جملة الكبائر التي قرنه بذكرها، وقد يدخل في ذلك الكذب على الناس، والاغتياب لهم ورميهم بالعضاية [بالعضائه] والعظائم وكل ما يلحق بهم العار والفضيحة، وموضع الإشكال في ذلك ذكر الأيدي والأرجل فيقال: ما معنى ذكرها وليس لها صنع فيما وقع عنه النهي من البهت؟
وتأويل ذلك على وجهين: أحدهما أن معظم أفعال الناس إنما تضاف منهم إلى الأيدي والأرجل، إذ كانت هي العوامل والحوامل، فإذا كانت المباشرة لها باليد، والسعي إليها بالرجل، (أضيفت) الجنايات إلى هذين العضوين، وإن كان يشاركها سائر الأعضاء فيها، أو كانت تختص بها دونها، ولذلك يقول الرجل إذا أولاه صاحبه معروفا من قول أو بلاغ في حاجة ونحوها: صنع فلان عندي يدا، وله عندي يد، ويسمون الصنائع الأيادي، وليس لليد نفسها في شيء منها صنع، وقد يعاقب الرجل بجناية يجنيها قولا بلسانه فيقال له: هذا بما كسبته يدك، واليد لا فعل لها هاهنا. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس
[ ١ / ١٥١ ]
بظلام للعبيد﴾.
ومعنى الحديث: لا تبهتوا الناس افتراء واختلاقا من قبل أنفسكم بما لم تعلموه منهم ولم تسمعوه فيهم، فتجنوا عليهم من قبل أيديكم وأرجلكم جناية تفضحونهم (بها) وهم بُراء منها، فتأثموا وتستحقوا العقوبة عليها، واليد والرجل في هذا كناية عن الذات على المعنى الذي بينته لك.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحا (وأنتم) حضور يشاهد بعضكم بعضا، كما يقول الرجل لصاحبه: قلت كذا وفعلت كذا بين يديك، أي بحضرتك ومشهد منك، وهذا النوع أشد ما يكون من البهت وأفظع ما يكون من المكروه.
فأما قول الله ﷿ في امتحان النساء المهاجرات: ﴿ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ فإنه يحتمل إلى ما ذكرناه من هذين الوجهين وجها ثالثا لا مساغ له في نعوت الرجال، وذلك
[ ١ / ١٥٢ ]
حملهن ولدًا على أزواجهن ليس منهم ينسبنه إليهم فيقلن: هذا منكم؛ وذلك أن موضع الولد وحضانته وتربيته في صغره إنما هو فيما بين الأيدي والأرجل منهم، فأخذ عليهم من الشرط لا يأتين بكذب وبهتان من الفعل محله من أنفسهن بين الأيدي والأرجل، وعلى هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
قلت لي حاجة إليك فقالت بين أذني وعاتقي ما تريد
يريد أنها أمانة في رقبتي وذلك أن مكان الرقبة بين الأذن والعاتق
[ ١ / ١٥٣ ]