١٢/ ٢٥ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو روح -حرمي بن عمارة- قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
قد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة من زيادة ونقصان، وكلها صحاح، منها حديث أبي هريرة الذي رواه عن عمر في محاجَّته أبا بكر في قتال مانعي الزكاة وهو قوله: أمرت أن أقاتل الناس
[ ١ / ١٥٧ ]
حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، وهو حديث مختصر، ليس فيه ذكر الصلاة والزكاة.
ومنها حديث أنس، عن النبي - ﷺ - قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها).
ومنها حديث ابن عمر هذا، وقد زاد فيه ذكر الزكاة، وقد اجتمعت هذه الأحاديث بأسانيدها في كتاب الزكاة من هذا الكتاب، ورتبتها هناك، وبينت وجوهها على اختلافها، لأن ذلك الموضع كان أملك تبيان [ببيان] وجوهها، وإشباع القول فيها، وليس هذا باختلاف تناقض، إنما هو اختلاف ترتيب، إذا اعتبرته بالزمان والتوقيت، وذلك أن الفرائض كانت تنزل شيئا فشيئا في أزمنة مختلفة، فكان حديث أبي هريرة الذي رواه عن عمر،
[ ١ / ١٥٨ ]
حكاية الحال عن أول مبدأ الإسلام والدعوة، إذ ذاك، مقصورة على كلمة الشهادتين وحقوقها مضمنة في درجها غير مذكورة، وحديث أنس وابن عمر متأخران، ثم سائر الأحاديث التي فيها ذكر الأشياء المزيدة على ما في هذه الأخبار الثلاثة من صيام الشهر، وإعطاء الخمس من المغنم المذكور في خبر وفد عبد القيس، إنما جاءت فيما بعد، وهو أيضا حديث صحيح لا يشك في ثبوته، وفيما وصفناه من ذلك دليل على أن هذه الفرائض كلها من الإيمان، وسنذكر فيما بعد فرق ما بين الإيمان بالله والإيمان لله فيزول معه الشبه في هذا الباب، وليس هذا موضع استقصائه، وقد أشبعت بيان هذا الباب في كتاب السراج.
ومعنى قوله: (وحسابهم على الله) أي فيما يستسرُّون به دون ما يُخِلُّون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر، وفيه دلالة على أن الكافر المستسرَّ بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهر حاله الإسلام، وأن توبته مقبولة إذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره أنه كان يعتقده قبل، وهو قول أكثر العلماء.
[ ١ / ١٥٩ ]