٢/ ٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة -﵂- أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول).
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
قوله: (يفصم عني) معناه يقلع عني وينجلي ما يتغشاني منه، وأصله من الفَصْم وهو القطع. ومنه قول الله تعالى: ﴿لا انفصام لها﴾ أي لا انقطاع لها. ويقال: إن أصل الفصم
[ ١ / ١٢٠ ]
الصدق والشق من غير إبانة، وأما القَصْم -بالقاف- فهو الكسر حتى يبين وينفصل، والمعنى أن الوحي كان إذا ورد عليه تصعَّده، له مشقة ويغشاه كرب وذلك لثقل ما يلقى عليه من القول وشدة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحسن وعيه وحفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، وهو معنى ما جاء في رواية أخرى أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضاء أي البُهْر والعرق، ولذلك كان يتفصد جبينه، أي يسيل عرقا كما يفصد العرق فسيل منه الدم، وبيان هذا في قوله ﷿: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾. وقوله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه﴾. قال ابن عباس: كان يستذكر مخافة أن ينفلت منه.
وأما قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) فإنه يريد، والله أعلم، أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم ويستثبت فيتلقفه حينئذ ويعيه، ولذلك قال: (وهو أشده علي).
وجملة الأمر فيما كان يناله من الكرب عند نزول الوحي هي شدة
[ ١ / ١٢١ ]
الامتحان له ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة، وحسن الاضطلاع للنهوض به إن شاء اله، وقد روى أبو عبد الله فيما يشبه هذا حديثا في كتاب المناسك كتبناه هاهنا، إذ كان مشاكلًا لهذا الحديث.
[ ١ / ١٢٢ ]