١٥/ ٣٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا سليمان - هو أبو الربيع- قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثني نافع بن مالك بن أبي عامر - أبو سهيل- عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان).
ظاهر هذا الكلام يوجب أن من جمع هذه الخلال المذكورة كان منافقا، وقد روينا عن الحسن أنه ذكر هذا الحديث فقال: إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا.
[ ١ / ١٦٤ ]
وهذا القول من رسول الله ﷺ إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم، والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال، شفقا أن تفضي به إلى النفاق، وليس المعنى أن من بدرت منه هذه الخلال، وكان ما يفعل منها على غير وجه الاختيار والاعتياد له أنه منافق، وقد جاء في الحديث أن التاجر فاجر، وجاء أيضا أن أكثر منافقي أمتي قراؤها، وإنما هو على معنى التحذير من الكذب في البيع، وهو معنى الفجور، إذ كانت الباعة قد يكثر منهم التزيد والكذب في مدح المتاع، وربما كذبوا في الشراء ونحوه، ولا يوجب ذلك أن يكون التجار كلهم فجارا، وكذلك القراء قد يكون من بعضهم قلة الإخلاص في العمل والتبرؤ من الرياء والسمعة، ولا يوجب ذلك أن يكون من فعل شيئا من ذلك من غير اعتياد له منافقا.
[ ١ / ١٦٥ ]
والنفاق ضربان: أحدهما أن يظهر صاحبه الدين وهو مسر يبطن الكفر، وعلى هذا كانوا في عهد رسول الله ﷺ.
والضرب الآخر منه: ترك المحافظة على أمور الدين سرا. ومراعاتها علنا، وهذا يسمى نفاقا، كما جاء من قوله ﷺ: (سباب المؤمن فسق وقتاله كفر)، وإنما هو كفر دون كفر، وفسق دون فسق، كذلك هو نفاق دون نفاق.
وقد قيل: إن هذا القول من رسول الله ﷺ إنما جاء في رجل من المنافقين بعينه، كان في زمان النبي ﷺ، وكان رسول الله ﷺ لا يواجههم بصريح القول ولا يسميهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق، وإنما يشير إليهم بالأمارة المعلومة على سبيل التورية عن الصريح، وكان حذيفة بن اليمان يقول: إن النفاق إنما كان على عهد رسول الله ﷺ وما كان بعد زمانه كفر.
[ ١ / ١٦٦ ]
حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك قال: حدثنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا المسعودي قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الشعثاء قال: كنت مع ابن مسعود، فقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ، ولكنه الكفر بعد الإيمان.
ومعنى هذا القول أن المنافقين في زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا قد أسلموا، إنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ونفاقا، ويسرون الكفر عقدا وضميرا، فأما اليوم وقد شاع الإسلام
[ ١ / ١٦٧ ]
واستفاض، وتوالد الناس عليه فتوارثوه قرنا بعد قرن، فمن نافق منهم بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتد، لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الدين، وإنما كان المنافق في زمان رسول الله ﷺ مقيما على كفره الأول، فلم يتشابها.
فأما قول الحسن فيما كان من أولاد يعقوب ﵇، فإن ذلك الصنيع منهم كان أمرا نادرا غير معتاد.
وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل، والقوم لمي صروا على ما كان منهم من الخطيئة، وقد تابوا وتنصلوا من فعلهم إلى أبيهم وسألوه أن يستغفر لهم، وتحللوا من المجني عليه، فحللهم واستغفر لهم، فلم تتمكن منهم صفة النفاق، والحمد لله.
[ ١ / ١٦٨ ]