٤٨/ ١٦٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
أمره بغسل يده قبل أن يدخلها الماء الذي يريد أن يتوضأ به، أمر أدب واستحباب لا أمر إيجاب وإلزام، وذلك لأنه علقه بالشك والارتياب، والأمر المضمن بالشك والارتياب لا يكون واجبا، وأصل الماء الطهارة. وبدن الإنسان على حكم الطهارة كذلك أيضا، وإذا ثبتت الطهارة يقينا لم تزل بأمر مشكوك فيه، وإنما جاء هذا في المياه التي هي في حد القلة إذ كان قد جرت عاداتهم باستعمال الآنية الصغار في طهورهم كالمخاضب والركاء ونحوها
[ ١ / ٢٥٣ ]
دون المياه التي في الحياض والبرك والمصانع الواسعة، فإنه إذا كان الماء في حد الكثرة لم يكن هذا المعنى موهوبا [موهوما]، وذهب بعض أهل الظاهر إلى إيجاب غسل اليد قبل إدخالها الإناء، فإن أدخلها فيه قبل غسلها فسد الماء. وفرق بعضهم بين نوم الليل ونوم النهار. قال: وذلك لأن الحديث إنما جاء في نوم الليل بدليل قوله: (أين باتت يده)، والمبيت إنما يكون ليلا، فإن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلا، وربما أصابت موضع العورة، وكانوا قل ما يستعملون الماء، إنما يستنجون بالحجارة ونحوها. وقد يكون هناك لوث من أثر الحدث لم ينقه الاستنجاء بالأحجار فيعلق بيده، فإذا غمسها في الإناء فسد الماء لمخالطة النجاسة إياه.
وهذا الذي قاله واحتج به قد يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون، وأصل الماء الطهارة، وحكم البدن الطهارة، كذلك ما لم يتيقن نجاسة، والمتمكن المستقر لا يزول بالمكتفي المتردد بين أن يكون وبين أن لا يكون، فالاحتياط أن يغسلها والقياس أن لا وجوب. وهو قول أكثر العلماء، وفيه الدلالة على الفرق بين ورود النجاسة على الماء القليل، وبين ورود الماء عليها معقولا لأن الماء الذي أمره ﷺ بصبه من الإناء على يده لغسلها وإزالة نجاسة إن كانت عليها ماء قليل، ثم كان حكمه الطهر والتطهير، وحكم ما في الإناء من الماء وإن كان أكثر كمية منه حكم التنجيس لو كان تيقن نجاسة بيده فدل على الفرق بين الأمرين.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وفيه دلالة على أن غسل النجاسة سبعا مخصوص به بعض أنواع النجاسات وأن ما عداه بخلافه.
[ ١ / ٢٥٥ ]