٢٨/ ٩١ - قال أبو عبد الله: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد -مولى المنبعث- عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ سأله رجل، عن اللقظة فقال: اعرف وكاءها أو قال: وعاءها ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدها إليه.
قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه أو قال: احمر وجهه. وقال: ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها: ترد الماء
[ ١ / ٢٠٢ ]
وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها.
قال: فضالة الغنم، قال: لك أو لأخيك أو للذئب.
الوكاء: الخيط الذي يربط به الكيس والصرة ونحوها من الظروف.
وقوله: (اعرف وكاءها أو وعاءها). يتأول على وجهين: أحدهما: أن يكون إنما أمر بذلك من لا يكلفه الشهادة عليها ويلزمه ردها إذا أصاب الصفة فحسب.
والوجه الآخر: أن يكون إنما أمره بمراعاة الصفة والعلامة لتتميز بها من خاص ماله فلا تختلط به، فيتعذر ردها إن حدث عليه الموت، فيحوزها الورثة فلا يردونها، ولذلك أمر الملتقط بالإشهاد عليها إذا التقطها.
وقوله: (عرفها سنة، ثم استمتع بها) فيه بيان أنها له بعد تعريف السنة، يفعل بها ما شاء من أنواع المنافع والمتع بشرط أن يردها إذا جاء صاحبها إن كانت باقية أو قيمتها إن كانت تالفة.
وإذا ضاعت اللقطة نظر، فإن كان ذلك في مدة السنة لم يكن عليه شيء لأن يده يد أمانة هذه السنة، وإن ضاعت بعد فعليه الغرمة لأنها صارت دينًا عليه.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وأما قوله: فضالة الإبل، وغضب النبي ﷺ لذلك حتى احمرت وجنتاه، فمعناه أن غضبه إنما كان استقصارا لعلمه وسوء فهمه (إذ) لم يراع المعنى الذي أشار إليه ولم يتنبه له، فقاس الشيء على غير نظيره، وذلك أن اللقطة إنما هو اسم الشيء الذي يسقط عن صاحبه فيضيع، لا يدري أين موضعه، وليس للشيء في نفسه حول تقلب ولا تصرف هداية للوصول إلى صاحبه، والإبل مخالفة لذلك اسما وصفة، إنما يقال لها الضالة لنها تضل لعدولها عن المحجة في مسيرها وهي لا تعدم أسباب القدرة على العود إلى ربها لقوة سيرها وإمعانها في الأرض، وذلك معنى الحذاء المذكور في الخبر، ومعنى السقاء أنها ترد المياه ربعا وخمسا فتمتلئ شربا وريا لأيام ذات عدد. ثم هي تمتنع على الآفات من سبع يريدها أو بئر تتردى فيها، ولذلك جعل الأمر في الغنم على العكس منها فقال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب)، (إذ) كانت لا امتناع بها لضعفها وانقطاعها إذا انقطعت عنها رعاية الحفاظ لها والذابين عنها، فجعل سبيلها سبيل اللقطة وأمره بالاستمتاع بها وردها إذا جاء صاحبها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
(الباب نفسه)
٢٩/ ٩٢ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها، فلما كثر عليه غضب، ثم قال للناس: سلوني ما شئتم وذكر الحديث.
قال عمر: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله ﷿)
يشكل من هذا الحديث معنى الغضب من رسول الله ﷺ وقد قال: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ثم قد فصل الحكم هاهنا في وقت غضبه ..؟ والجواب أن الغضب من رسول الله ﷺ قد يكون على وجهين أحدهما: أن يكون خوفا وشفقا على الأمة أن يضلوا إذا خفي عليهم علمُ ما يلزمهم، ويعنيهم من مر الدين، فيكون ذلك تحريضًا منه لهم
[ ١ / ٢٠٥ ]
على الواجب من ذلك. والوجه الآخر: ما يحدث له من الغضب البشري الذي هو طبع وجبلة، كما قال ﷺ: (إني بشر أغضب كما تغضبون)، وعلى الوجهين معا، بل على الأحوال كلها لا يجوز عليه غلط في الحكم يقر عليه قولا ولا فعلا لعصمة الله ﷿ إياه ﷺ، ولذلك حكم للزبير في حال غضبه حين قال للأنصاري له: إن [أن] كان ابن عمتك، وليس قياس سائر الناس قياسه، ولا معناهم في ذلك معناه.
[ ١ / ٢٠٦ ]