٢٠/ ٤٨ - قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة، عن زبيد، عن أبي وائل قال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: (سباب المسلم فسق وقتاله كفر).
هذا فيمن سب رجلا بغير تأويل، أو قاتله على غير معنى من معاني أمر الدين يتأوله في قتاله، ويدخل في هذا المعنى من كفر رجلا مسلما على غير مذهب يحتمل التأويل، فأما من فعل شيئا منه متأولا به معنى يحتمله وجه الكلام ضربا من الاحتمال، في تحقيق لأمر من أمور الكفر، أو تشبيه له به، أو تقريب في بعض معانيه، كان خارجا عن هذا الحكم، ألست ترى أن عمر بن الخطاب، ﵁ لما قال لرسول الله ﷺ في أمر حاطب بن أبي بلعتة حين كتب إلى قريش يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه
[ ١ / ١٧٦ ]
وسلم وبقصده إياهم: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فلم يعنفه رسول الله ﷺ بأكثر من قوله: (لا تقل ذلك، أليس قد شهد بدرا؟ وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فبرأه رسول الله ﷺ من النفاق، وعذر عمر فيما تناوله به من ذلك القول، إذ كان الفعل الذي جرى منه مضاهيا لأفعال المنافقين الذين يكيدون رسول الله ﷺ، ويعاونون عليه كفار قريش، وكذلك قصة معاذ بن جبل (حين) افتتح في صلاة العشاء سورة البقرة، فخفف رجل صلاته خلفه لعذر كان له، فلما لقيه معاذ قال له: نافقت، فعذره رسول الله ﷺ في ذلك بعد أن قال له: أعُدتَ فتانا؟ وأمره بتخفيف الصلاة إذا كان إماما.
وعلى هذا المعنى يتأول قول النبي ﷺ إذا قال الرجل لأخيه (يا كافر فقد باء به أحدهما)، وذلك إذا كان هذا
[ ١ / ١٧٧ ]
القول منه خاليًا عن وجه يحتمله التأويل، فإنه لا يبقى حينئذ هناك شيء يعذر به، فيحمل أمره على أنه رآه وهو مسلم كافرا، ورأى دين الإسلام وهو حق باطلا، فلزمه الكفر، إذ لم يجد الكفر محلا ممن قيل له ذلك.
وقوله: (وقتاله كفر)، فإنما هو على أن يستبيح دمه، ولا يرى أن الإسلام قد عصمه منه، وحرمه عليه، فيكون مرجع ذلك إلى اعتقاده أن الله ﷿ لم يحرم دماء المسلمين بغير حقها، ومن أنكر شيئا من معاظم أمر الدين المجمع عليه، المستفيض في الخاص والعام علمه، كفر بذلك.
وقد يتأول هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفار من غير تحقيق للحكم فيه، ومن غير إلحاق لهم بأهل الكفر إذا كان فاعلُه مضاهيا به فعل الكفار لقوله ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب
[ ١ / ١٧٨ ]
بعضكم رقاب بعض أي لا تكونوا كالكفار الذين من شأنهم وعادتهم أن يضرب بعضهم رقاب بعض. وما يشبه ذلك قوله ﷺ:
(كفرٌ بالله انتفاءٌ من نسب وإن دق، وادعاء نسب لا يعرف)، وهذا لا يوجب أن يكون من فعل ذلك كافرا به خارجا عن الملة، وإنما فيه مذمة هذا الفعل وتشبيهه بالكفر، على وجه التغليظ لفاعله، ليجتنبه فلا يستحله، ومثله في الحديث كثير.
[ ١ / ١٧٩ ]