٣٣/ ١١٢ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل (منهم) قتلوه، فأخبر بذلك النبي ﷺ فخطب وقال: إن الله ﷿ حبس عن مكة القتل أو الفيل، شك أبو عبد الله وسلط عليهم رسول الله والمؤمنين ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ألا (وإنها حلت لي ساعة من نهار) ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقت ساقطها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظري، إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل
[ ١ / ٢١٤ ]
القتيل)، فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان. فقال رجل من قريش: إلا الإذخر، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال: إلا الإذخر.
قوله: لا يختلى شوكها، إنما جاء في سائر الروايات: ولا يختلى خلاها). والخلا: الحشيش. ومنه سميت المخلاة، (وأما الشوك فإن أكثر أهل العلم على إباحته، ويشبه أن يكون المحظور منه) الشوك الذي يرعاه الإبل وهو ما رق منه دون الشوك الصُّلب الذي لا يرعاه فيكون ذلك بمنزلة الحطب ونحوه.
وقوله: (إلا لمنشد) أي لمعرف لها. يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها. وكان بعض أهل العلم يذهب إلى التفرقة بين ضالة الحرم وغيرها من البقاع فيقول: لا تحل لقطتها لآخذها بعد تعريف السنة، كما تحل لقطة غيرها من البقاع، يقول: إنما حظ آخذها منها الحفظ والتعريف حتى تصل إلى ربها،
[ ١ / ٢١٥ ]
وأكثر أهل العلم على الجمع في هذا الحكم بين لقطتها ولقطة سائر البقاع إذا أنشدها سنة حلت لآخذها بعد السنة في مذهب أهل الحجاز ويتصدق بها على مذهب أهل العراق.
وقوله: من قتل فهو يخير، هكذا وقع في روايته وفيه حذف ونقصان، وبيان ذلك في سائر الأحاديث، وهو ما رواه أبو شريح الخزاعي قال: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعقل وإما أن يقاد).
وفيه بيان أن ولي القتيل بالخيار بين أحد الأمرين أيهما شاء أعطيه، وإلى ذلك ذهب فقهاء أهل الحجاز. وقال أهل العراق: ليس له إلا القصاص، فإن ترك حقه منه لم يكن له أن يأخذ الدية.
وفي قوله: اكتب لي يا رسول الله، وأمره بأن يكتب له دليل على أن كتابة الحديث غيرم كروهة، وأن النهي عن كتاب شيء غير القرآن منسوخ.
[ ١ / ٢١٦ ]
(الباب نفسه)
٣٤/ ١١٤ - قال أبو عبد الله: حدثني يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵁ قال: (لما اشتد بالنبي ﷺ وجعُه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده).
قال عمر: إن النبي ﷺ لوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع (فخرج) ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه.
هذا يتأول على وجهين: أحدهما:- أنه أراد أن يكتب اسم الخليفة بعده لئلا يختلف الناس ولا يتنازعوا، فيؤديهم ذلك إلى الفتنة والضلال.
[ ١ / ٢١٧ ]
والوجه الآخر:- أنه ﷺ قد هم أن يكتب لهم كتابا يرتفع معه الاختلاف بعده في أحكام الدين، شفقة على أمته وتخفيفا عنهم، فلما رأى اختلاف أصحابه في ذلك قال: قوموا من عندي وتركهم على ما هم عليه.
ووجه ما ذهب إليه عمر أنه لو زال الاختلا بأن ينص كل شيء باسمه تحليلا وتحريما لارتفع الامتحان وعُدم الاجتهاد في طلب الحق ولاستوى الناس في رتبة واحدة ولبطلت فضيلة العلماء على غيرهم. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: اختلاف أمتي رحمة، فاستصوب عمر هذا الرأي وقدمه على رأي من ذهب من الصحابة إلى خلافه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الاختلاف خيرا من الاتفاق؟ ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا، وليس إسناد الحديث الذي رويتموه بذاك. قيل: أما وجه ما ذكرناه من أن الله تعالى لو
[ ١ / ٢١٨ ]
نص على كل حادثة من الحوادث وكفى الناس مؤونة الاجتهاد والاستنباط لماتت الخواطر وتبلدت الأفهام وسقطت فضيلة العلماء، فأمر بين غير خاف.
وأيضا فلو جاء التوقيف في كل حادثة تحدث إلى آخر الدهر لاشتد حفظه ولامتنع على الناس ضبطه ولأدى ذلك إلى الضيق والحرج ولكان غايته العجز عما أمروا به لتعذر حصره والعجز عن حفظه وضبطه.
فأما قول القائل: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا لأنه ضده، فهذا قول لم يصدر عن نظر وروية، وقد وجدت هذا الكلام لرجلين اعترضا به على الحديث: أحدهما:- مغموص عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الذي يعرف بالجاحظ والآخر: معروف بالسخف والخلاعة في مذهبه وهو (إسحاق بن إبراهيم الموصلي)، فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمعن في تلك الأباطيل ل يرض بما تزوده من إثمها حتى صدَّر كتابه بذم أصحاب الحديث
[ ١ / ٢١٩ ]
والحَطْبِ عليهم وزعم أنهم يروون ما لا يدرون، وذكر بأنهم رووا هذا الحديث، ثم قال: ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا، ثم تكايس وتعاقل فأدخل نفسه في جملة العلماء وشاركهم في تفسيره وتأويله فقال: وإنما كان الاختلاف رحمة ما دام رسول الله ﷺ حيا بين ظهرانيهم فإنهم إذا اختلفوا سألوه فأجابهم وبين لهم ما اختلفوا فيه، ليس فيما يختلفون بعده، وزعم أنهم لا يعرفون وجوه الأحاديث ومعانيها فيتأولونها على غير جهاتها.
والجواب عما ألزمانا من ذلك يقال لهما: إن الشيء وضده قد يجتمعان في الحكمة، ويتفقان في المصلحة. ألا ترى أن الموت لم يكن فسادا، وإن كانت الحياة صلاحا، ولم يكن السقم سفها، وإن كانت الصحة حكمة، ولا الفرق خطأ، إذا كان الغنى صوابا. وكذلك الحركة والسكون الليل والنهار وما أشبَهَهَا من الأضداد. وقد قال سبحانه: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه﴾، فسمى الليل رحمة، فهل أوجب أن يكون النهار عذابا من قبل أنه ضده، وفي هذا بيان خطأ ما ادعاه هؤلاء ولله الحمد.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وأما وجه الحديث ومعناه فإن قوله: (اختلاف أمتي رحمة) كلام عام اللفظ، خاص المراد، وإنما هو اختلاف في إثبات الصانع ووحدانيته وهو كفر، واختلاف في صفاته ومشيئته وهو بدعة، وكذلك ما كان من نحو اختلاف الخوارج والروافض في إسلام بعض الصحابة، واختلاف في الحوادث من أحكام العبادات المحتملة الوجوه، جعله الله تعالى يسرا ورحمة وكرامة للعلماء منهم.
وقد قال ﷺ: (إنما أنا رحمة مهداة). وقال: (بعثت بالرحمة). وقد سأل بعضهم أيضا على هذا فقال: كيف يكون مبعوثا بالرحمة، وقد بعث بالسيف وأمرنا بالقتال وسفك الدم؟
والجواب: أن الله تعالى بعث أكثر الأنبياء وأمرهم بالإبلاغ وأيدهم بالجوامع والحجج والمعجزات، فمن أنكر من تلك الأمم
[ ١ / ٢٢١ ]
الحق بعد قيام الحجة وظهور المعجزة أرسل عليه العذاب، وعوجل بالهلاك، واستؤني بهذه الأمة فلم يعاجل من أنكر الحق منهم بالعذاب والاستئصا، وأمر الله ﷿ نبيه بجهادهم، وحملهم على الدين بالسيف ليرتدعوا عن الكفر، فلا يجتاحوا بالعذاب ويأتي على (آخرهم) الهلاك، فإن (بعد) السيف بقية، وليس بعد العذاب المنزل بقية. وقد روي أن قوما من العرب جاءوه فقالوا: يا رسول الله أفنانا السيف. فقال: (ذاك أبقى لآخركم)، فهذا معنى الرحمة المبعوث بها ﷺ. وأما قول إسحاق وتأويله الحديث على أن المراد بهذا الاختلاف هو ما كان في أيام حياة رسول الله ﷺ فإن هذا تأويل فاسد، ولو كان الأمر على ما زعمه لكان قد عدم بيان أمور الدين بعد موته ﷺ، ولكانت الأمة قد ضلت بعد خروجه من الدنيا عند حدوث الاختلاف فيما بينهم، وهذا باطل، لأنه ﷺ كان مبعوثا إلى آخر نسمة من أمته تخلق في آخر الزمان، كما كان مبعوثا إلى أهل زمانه وعصره، فلم يترك شيئا مما كان حدث وجاز أن سيحدث إلا أودعه بيانا يعلم به حكمُه.
إلا أن البيان على ضربين: (جلي) واضح: وهو ما يتلى أو
[ ١ / ٢٢٢ ]
يروى بالنص على اسم الشيء والتوقيف فيه. وخفي غامض: وهو ما يستنبط من طريق التفهم والقياس له على نظيره وشكله وكل ذلك مفروغ من بيانه والحمد لله على ذلك.
وقد يسأل فيقال: كيف يجوز لعمر أن يعترض على رأي رآه رسول الله ﷺ في أمر الدين فلا يسرع إلى قبوله، وما وجه عذره وتأويله في ذلك؟ أفتراه قد خاف أن يتكلم ﷺ بغير الحق أو يجري على لسانه الباطل، فقال من أجل ذلك إن رسول الله صلى الله عليه قد غلبه الوجع، وحسبنا كتاب الله، وقد تيقن علما أنه ﷺ معصوم ومشهود له بأن لا ينطق عن الهوى ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾.
والجواب: أن عمر ﵁ لا يجوز عليه أن يتوهم الغلط على رسول الله ﷺ، أو يظن به التهمة في حال من الأحوال، إلا أنه لما نظر وقد أكمل الله الدين وتمم شرائعه واستقر الأمر فيها على منهاج معلوم، وقد غلب رسول الله ﷺ الوجع وأظلته الوفاة وهو بشر يعتريه من الآلام ما يعتري البشر، ويتورد طباعه من التغير بالمرض ما يتورد غيره. وقد قال
[ ١ / ٢٢٣ ]
ﷺ: (إني أوعك كما يوعك رجلان منم). وقال: (إني بشر أغضب كما يغضب البشر) وقال: (إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء) وقال عند موته: (واكرباه) إلى ما يتصل بهذا الباب من نظائره ولواحقه مما لا عزيمة له فيه، فيجد به المنافقون سبيلا إلى تلبيس أمر الدين وقد كان أيضا ﷺ يرى الرأي في الأمر فيراجعه أصحابه في ذلك إلى أن يعزم الله له كل شيء، كما راجعوه في حلاق الشعر قبل أن يطوفوا، وكما
[ ١ / ٢٢٤ ]
راجعوه يوم الحديبية في الكتاب الذي كتب بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزم لم يراجع فيه ولم يخالف عليه. وأكثر العلماء متفقون على أنه قد يجوز على رسول الله ﷺ الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحي، ولكنهم مجمعون على أن تقريره على الخطأ غير جائز. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما عبد لعنته أو سببته فاجعل ذلك عليه صلاة ورحمة). ومعلوم أن الله سبحانه وإن كان رفع درجته فوق الخلقك لهم فإنه لم يبرئه من سمات الحدث ولم يخله من الأعراض البشرية، وهذيان المريض موضوع عنه، والقلم عن الناسي مرفوع، وقد سها ﷺ في صلاته ونسي بعض العدد من ركعاتها حتى ذُكِّر بها ونبه عليها، فلم يستنكر أن
[ ١ / ٢٢٥ ]
يظن به حدوثُ بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل ما جرى من الحال، ويستثبت حتى يتبين حقيقته. فلهذه الأمور وما يشبهها من الأسباب كانت مراجعة عمر إياه في ذلك الموطن والله أعلم.
ويجب أن يعلم أن ذلك القول منه ﷺ لو كان عزيمة لأمضاه الله، والحمد لله على ما يسر من أمر دينه، وبه نستعين على حسن طاعة نبيه ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٢٢٦ ]