٢٢/ ٥٣ - قال أبو عبد الله: حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة، عن أبي جرة قال: كنت أقعد مع ابن عباس -يجلسني على سريره- فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى. فقالوا: يا رسول الله: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل (به) الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء
[ ١ / ١٨٤ ]
الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدبا [الدباء] والنقير، والمزفت، وربما قال: المقير. وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم.
الخزايا: جمع الخزيان، وهو الذي أصابه خزي وعار، وذل وانكسر من أجله يقال منه: خزي الرجل خزيا فهو خزيان، ويجمع على الخزايا، كما قيل: سكران وسكارى. ويقال: خزي الرجل: إذا استحيا. والمصدر منه الخزاية، والمعنى أنهم دخلوا في الإسلام طوعا، فلم يصبهم مكروه من حرب أو سبي، يخزيهم ويفضحهم.
وقوله: (ولا ندامى)، يريد الندامة، وكان حقه [حق] القياس أن يقال: ولا نادمين، جمع نادم، لأن الندامى إنما هو جمع الندمان إلا أنه أتبعه الكلام الأول وهو قوله: خزايا، أخرجه على وزنه، كما قالوا: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، يريد جمع غداة، وهي تجمع على الغدوات، ولكنه لما قرنه بالعشايا أخرجه على وزنها، ومثل هذا في كلامهم موجود.
وقولهم: (مرنا بأمر فصل)، أي بين واضح ينفصل به المراد، ولا يشكل فيه المعنى.
وقوله: ونهى عن الحنتم، فإنه يريد به الانتباذ في الحنتم، والحناتم: الجرار.
والدبا: القرعة ينتبذ فيها.
[ ١ / ١٨٥ ]
والنقير: أصله النخلة ينقر، فيتخذ منه أوعية ينتبذ فيها.
والمزفت: السقاء الذي قد زفت، أي رُبِّب بالزفت، وهو القير، وليس المعنى في النهي تحريم أعيان هذه الأوعية، فإن الأوعية لا تحرم شيئا ولا تحلله، ولكن هذه الأوعية ظروف متينة إذا انتبذ صاحبها فيها، كان على غرر منها، لأن الشراب قد ينش فيها ويغلي فيصير مسكرا وهو لا يشعر به، وكذلك هذا في السقاء المزفت لأن الرب الذي فيه يمنعه من التنفس، فأما السقاء غير المربوب فإنما جاءت الرخصة فيه لأنه إذا اشتد الشراب لم يلبث السقاء أن ينشق فيعلم به صاحبه فيجتنبه.
[ ١ / ١٨٦ ]