٢٣/ ٥٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ (على) إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم).
جعل رسول الله ﷺ نصيحة المسلمين شرطا في الدين يبايع عليه كالصلاة والزكاة، ولذلك تراه قرنه بهما، وقد ترجم أبو عبد الله هذا الباب من كتابه بقول النبي ﷺ: الدين النصيحة، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلا أنه لم يذكر إسناده (لأن) راوي هذا الحديث -من طريق تميم الداري، وهو أشهر طرقه- سهيل بن أبي صالح، وليس
[ ١ / ١٨٧ ]
سهيل من شرطه. وقد روي ذلك أيضا عن نافع، عن ابن عمر، وهو أيضا طريق لا بأس به، وفي الباب غير ذلك أيضا، فنحن من أجل ذلك نذكر (هذا) الحديث ونبين معناه للحاجة إليه، وكثرة الفوائد فيه.
أخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة (قالوا): لمن يا رسول الله؟ قال:
[ ١ / ١٨٨ ]
لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
وأخبرنا ابن الأعرابي قال: حدثنا إبراهيم بن فهد قال: حدثنا أبو همام الدلال قال: حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
النصيحة: كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ويقال: إن هذه الكلمة من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، فإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تُستوفى بها العبارة عن معنى هذه
[ ١ / ١٨٩ ]
الكلمة، حتى يضم إليها شيء آخر، كما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، حتى صار ليس يعدله شيء من الكلام في معناه، ولذلك قالوا: أفلح الرجل: إذا فاز بالخير الدائم الذي لا انقطاع له. ويقال: إن أصل النصيحة مأخوذ من قولهم: نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، والنصاح: الخيط، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط، فيما يسده من خلل الثوب، ويلأمه من فتوقه، ويجمعه من الصلاح فيه. وقيل: إنها (مأخوذة) من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول والعمل من شوب الغش والخيانة بتخليص العسل من الخلط الذي فيه.
وقوله: (الدين النصيحة ثلاثا)، يريد أن عماد أمر الدين وقوامه إنما هو النصيحة، وبها ثباته وقوته، كقوله ﷺ: (الأعمال بالنيات) أي ثباتها وصحتها بالنيات، وكما قال: (الحج عرفة) أي عماد الحج ومعظمه
[ ١ / ١٩٠ ]
عرفة، لأن من أدركها فقد أدرك الحج، وأمكنه أن يجبر سائر الفوات من أعماله، ومن لم يدركه فاته الحج، فلم يستدركه بشيء، وكما يقال: الناس تميم، والمال الإبل ونحوها من الكلام.
ولما كانت النصيحة من باب المضاف استفصلت، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولنبيه ولأئمة المؤمنين وعامتهم، فجعلها شائعة في (كل سهم) من سهام الدين، وفي كل قسم من أقسامه، وفي كل طبقة من طبقات أهله.
فأما النصيحة لله ﷿، فمعناه منصرف إلى الإيمان به، ونفي اعتقاد الشرك معه، وترك الإلحاد في صفاته، وبذل الطاعة له، وإخلاص العمل فيما أمر به، ونهى عنه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمه، والشكر له عليها، وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصيحة نفسه لله، ودعوة غيره من الخلق هإلى هذه الخصال في أمر خالقه ﷿، والله سبحانه غني عن نصح كل ناصح، وإرشاد كل مرشد، وبه نال الرشد المرشدون، وبنوره اهتدى المهتدون، وبرحمته نجا الفائزون.
وأما النصيحة لكتابه، فمعناه الإيمان به، وبأنه كلام الله ووحيه وتنزيله، وأنه لا يشبه شيئا من كلام المربوبين، ولا يقدر على مثله أحد من المخلوقين، وإقامة حروفه في التلاوة، وتحسينه عند القراءة، والذب عنه في تأويل المحرفين له، وطعن الطاعنين عليه،
[ ١ / ١٩١ ]
والتصديق بوعده ووعيده، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعلم بفرائضه وسننه وآدابه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والتفقه في علومه، والتبين لمواضع المراد من خاصه وعامه، وناسخه وسائر وجوهه.
وأما النصيحة لرسوله ﷺ فإنما هي في تصديقه على الرسالة وقبول ما جاء به ودعا إليه، وطاعته فيما سن وشرع، وبين من أمر الدين وشرح، والانقياد له فيما أمر ونهى وحكم وأمضى، وترك التقديم بين يديه وإعظام حقه وتعزيره وتوقيره ومؤازرته ونصرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة، وإشاعة السنة، ونفي التهمة في جميع ما قاله ونطق به، فإنه لكما وصفه ربه وباعثه فقال: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
وأما النصيحة لأئمة المؤمنين فإن الأئمة هم الولاة من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ممن يلي أمر الأمة ويقوم به، ومن نصيحتهم بذل الطاعة لهم في المعروف، والصلاة خلفهم، وجهاد
[ ١ / ١٩٢ ]
الكفار معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم، إذا ظهر منهم حيف أو سوء سيرة، وتنبيههم عند الغفلة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى بالصلاح لهم. وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن نصيحتهم قبول ما رووه إذا انفردوا، وتقليدهم ومتابعتهم على ما رأوه إذا اجتمعوا واتفقوا.
وأما نصيحة عامة المسلمين فجماعها تعليم ما يجهلونه من أمر الدين وإرشادهم إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، والترحم على صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، كنحو ما أرشد إليه في قوله ﷿: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ فقيل: إن المجادلة بالتي هي أحسن ما كان نحو قوله ﷿ حكاية عن إبراهيم: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾.
وكقوله: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾. فإن مثل هذه المجادلة تقيم الحجة، ولا تورث الوحشة، وهو معنى الدعاء إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، والله أعلم.
[ ١ / ١٩٣ ]