٥/ ٧ - قال أبو عبد الله: حدثنا أبو اليمان - الحكم بن نافع - قال: أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أعبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. ثم قال
[ ١ / ١٣٢ ]
لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء أن يأثِروا عليَّ كذبا لكذبته عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتاله إياكم؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال. ينال منا وننال منه. قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل أحد منكم قال هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحدٌ
[ ١ / ١٣٣ ]
قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتيني [يأتسي] بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمرك؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. وإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
قال: وكان رسول الله - ﷺ - كتب إليه فدعا بكتابه فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم
[ ١ / ١٣٤ ]
الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني لأدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، و﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ إلى قوله ﴿اشهدوا بأنا مسلمين﴾.
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات فأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر.
وفي هذا الحديث أن هرقل أذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم: هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، وذكر الحديث.
إذا تأملت معاني هذا الحديث الذي وقع في الفصل الأول من مسألته عن أحوال رسول الله - ﷺ - وأطواره وما استقراه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من جوامع شأنه، ولله دره من رجل ما كان أقله [؟] لو ساعد معقوله مقدوره.
فأما قوله في كتابه (إلى عظيم الروم) فمعناه إلى من تعظم الروم وتقدمه عليها، ولم يكتب إلى ملك الروم، بما يقتضيه هذا اسم من المعاني التي لا يستحقها من ليس من أهل دين الإسلام،
[ ١ / ١٣٥ ]
ولو فعل ذلك لكان فيه التسليم لملكه، وهو بحكم الدين معزول، ومع ذلك فلم يخله من نوع من الإكرام في المخاطبة، ليكون آخذا بأدب الله تعالى في تليين القول لمن يبتدئه بالدعوة إلى دين الحق.
وقوله: أدعوك بدعاية الإسلام، يريد دعوة الإسلام، وهي كلمة الشعار التي إليها يدعى أهل الملل الكافرة، والدعاية مبنية من قولك: دعا يدعو، كما قيل: شكا يشكو شكاية، وقد تقام المصادر مقام الأسماء، وبيان الدعاية في قوله:
﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾ الآية.
وأما قوله: (فإن عليك إثم اليريسيين) فإنه رواه هكذا بالياء، وهو في سائر الروايات: فإن عليك إثم الأريسيين. هكذا حدثناه حمزة بن الحارث قال: حدثنا عبيد بن شريك البزار قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثني الليث بن سعد عن
[ ١ / ١٣٦ ]
يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس وذكر الحديث إلى أن قال: (أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين).
وقال فيه: فلما فرغ من قراءة الكتاب كثر اللجب، مكان قوله (الصخب).
قال بعض أهل اللغة: واحد الأريسيين: أريسي، وهو منسوب إلى الأريس وهو الأكار. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال ابن الأعرابي: الأريس الأكار ويجمع على الأريسين بتخفيف الياء، وقد أرس يأرس أرسا، إذا صار أريسا. ويقال أيضا: الإرِّيس ويجمع على إريسيين وأرارسة.
[ ١ / ١٣٧ ]
والمعنى أنك إن لم تسلم وأقمت على دينك كان عليك إثم الزراعين والأجراء الذين هم خول وأتباع لك، ويقال: إنهم كانوا مجوسا.
فأما اليريسي إن صح من الرواية فإن الياء فيه مبدلة عن الهمزة.
وفي الخبر دليل على أن النهي عن أن تسافر بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو في حمل المصحف من القرآن المجموع فيه السور أو الآيات الكثيرة دون الآية والآيتين ونحوها مما تقع به الدعوة.
وقوله: (من أن يأثروا علي كذبا) معناه أن يرووا أو يرفعوا عليه كذبا، يقال: أثرت الحديث آثُره: إذا رويته.
وقوله: الحرب بيننا وبينه سجال: أي دول ونوب، وأصله أن يستقي الرجلان فينزع هذا سجلا وهو الدلو، وينزع صاحبه سجلا، يقال: تساجل الرجلان وبينهما مساجلة: أي مباراة أيهما يغلب.
وقوله: ولقد أمر أمر ابن أبي كبشة، فإن كبشة فيما يروى رجل
[ ١ / ١٣٨ ]
من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور، وكان المشركون ينسبون رسول الله - ﷺ - إلى أبي كبشة تشبيها له لمخالفته إياهم في الدين. ومعنى أمِر: عظُم وارتفع، وأصله الكثرة. يقال: أمر القوم إذا كثر عددهم. ويقال: أمَّرت الشيء بمعنى كثرته.
وبنو الأصفر: هم الروم.
واللجب: صوت ذو اختلاط في مثل صخب أو شغب. يقال: عسكرٌ لجب، وسحاب لجب بالرعد والريح.
والدسكرة على هيئة القصر فيها منازل وبيوت للحشم والخدم. وقوله: حاصوا حيصة حمر الوحش، معناه نفروا وحادوا، يقال: حاص وجاص بمعنى واحد.
[ ١ / ١٣٩ ]