٣٨/ ١٣٩ - قال أبو عبد الله: قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة، عن كريب -مولى ابن عباس- عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء. فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما.
قوله: (الصلاة أمامك) يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس ببيان فعل النبي ﷺ، وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء، بجَمْع على ما سنه
[ ١ / ٢٣٤ ]
رسول الله ﷺ بفعله، وبينه بقوله، ولو أجزأته في غير ذلك المكان لما أخرها ﷺ عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام، وفيه بيان أن لا صلاة بينهما، ولا أذان لواحدة منهما، ولكن يقام لكل صلاة منهما.
واستدل به الشافعي على أن الفوائت من الصلوات لا يؤذن لها وإنما يقال لها فقط.
وذهب غيره من الفقهاء إلى أن يؤذن للفوائت ويقام، كما يؤذن للصلوات التي يؤذن في أوقاتها المعلومة. وإليه ذهب فقهاء أهل الكوفة، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمة الله عليه- وفيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما وذلك لقوله: (ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ولكنه لا يتكلم فيما بين الصلاتين).
وأما (فعله) ﷺ حين نزل الشعب وتركه الإسباغ له، فإنما فعل ذلك ليكون مستصحبا للطهارة في مسيره إلى أن يبلغ جمعا، وكان ﷺ يتأخَّى في عامة أحواله أن يكون على طهر، وإنما تجوَّز في الطهارة ولم يسبغها لأنه لم يفعل
[ ١ / ٢٣٥ ]
ذلك ليصلي بها، ألا تراه قد أسبغها حين أراد أن يصلي وأكملها، وفي وضوئه لغير الصلاة دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يفعل لأجل الصلاة، وكان ﷺ يقدم الطهارة إذا أوى إلى فراشه ليكون مبيته على طهر.
[ ١ / ٢٣٦ ]