لا شك أن الصبي إذا أنزل فقد بلغ وزال الصبا، والإنزال موجب للغسل فهو متقدم عليه بالذات وإن قارنه في الزمان. وقيل: إنه متقدم عليه في الزمان أيضا، وهذا الخلاف جار في كل علامة شرعية، ووجوب الغسل وغيره من التكاليف مشروط بالبلوغ، فالبلوغ متقدم على التكليف بالذات ايضا؛ لأنه شرطه، والشرط كالعلة في التقدم، فإذا كان الإنزال موجبا للبلوغ يكون البلوغ متأخرا عنه تأخر المعلول عن علته، ومتقدما على وجوب الغسل تقدم الشرط على مشروطه، فالبلوغ ووجوب الغسل معلولا علة واحدة فيجب اقترانهما، والبلوغ شرط لوجوب الغسل فيجب تقدمه، فيلزم أن يكون الشيء الواحد متقدما غير متقدم، وهو محال، وحل هذا بأن لا يجعل الإنزال موجبا للبلوغ، بل هو دليل عليه، ولست أعني بكونه دليلا كما نقول في الإنبات، وإنما أقول: إن البلوغ في الحقيقة المقتضي للتكليف هو بلوغ وقت النكاح، كما أرشد إليه تعالى بقوله: (إِذا بَلَغوا النِكاحَ)، والمراد: بلغوا وقته، وبلوغ وقت النكاح بالاشتداد والقوة والتوقان وما أشبه ذلك مما يتأهل به له، فهذا في الحقيقة هو البلوغ المشار إليه في الآية الكريمة، وضبطه الشارع بأنواع، أظهرها الإنزال، فإذا أنزل تحققنا حصول تلك الحالة؛ إما قبل الإنزال، وإما مقارنة له، لكنها قبله غير معتبرة لرفع القلم حتى يحتلم، فاعتبر
[ ٧٩ ]
الحالة المقارنة له، وهذا المعنى لا يستدعي بتقدم الإنزال على البلوغ لا بالذات ولا بالزمان؛ لأنه ليس فيه علة، ولكن علة في الحكم به وكاشفا عنه، وإذا عرف هذا فلا مانع من أن يكون وجوب الغسل الذي هو معلول الإنزال مشروطا بالبلوغ؛ إذ البلوغ حينئذ مقارن للإنزال لا متقدم عليه بالذات فلا استحالة.