عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ، فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى - ثَلَاثًا - ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي» وَفِي لَفْظٍ «فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أع، أع، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ»
_________________
(١) ـ [حَدِيثُ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ] " أَبُو مُوسَى " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حضار - وَيُقَالُ: حُضَّارٌ - الْأَشْعَرِيُّ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَشَاهِيرِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - " فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " يُقَالُ: أَبْدَدْتَ فُلَانًا الْبَصَرَ: إذَا طَوَّلْتَهُ إلَيْهِ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ مَعْنَى التَّبْدِيدِ، الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ. وَيُرْوَى: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ " أَجْلَسُونِي فَأَجْلَسُوهُ،
[ ١ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَقَصَّرْتُ، وَنَهَيْتَنِي فَعَصَيْتُ، وَلَكِنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَبَدَّ النَّظَرَ، فَقَالَ: إنِّي لَأَرَى حَضْرَةً مَا هُمْ بِإِنْسٍ وَلَا جِنٍّ، ثُمَّ قُبِضَ " وَقَوْلُهَا " بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي " قِيلَ " الذَّاقِنَةُ " نَقْرَةُ النَّحْرِ، وَقِيلَ: طَرَفُ الْحُلْقُومِ وَقِيلَ: أَعْلَى الْبَطْنِ وَ" الْحَوَاقِنُ " أَسَافِلُهُ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ: مَا يَحْقِنُ الطَّعَامَ أَيْ يَجْمَعُهُ وَمِنْهُ الْمِحْقَنَةُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - الَّتِي يُحْتَقَنُ بِهَا، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: لَأَجْمَعَنَّ بَيْنَ ذَوَاقِنِكَ وَحَوَاقِنِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ الِاسْتِيَاكُ بِالرَّطْبِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْأَخْضَرَ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَحْسَنُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ، قَدْ نُدِّيَ بِالْمَاءِ، وَفِيهِ إصْلَاحُ السِّوَاكِ وَتَهْيِئَتُهُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " فَقَضَمْتُهُ " وَالْقَضْمُ بِالْأَسْنَانِ، وَمِنْ طَلَبِ الْإِصْلَاحِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ قَدْ نُدِّيَ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ، وَتَنْدِيَتُهُ بِالْمَاءِ: لِئَلَّا يَجْرَحَ اللِّثَةَ لِشِدَّةِ يَبِسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: الِاسْتِيَاكُ بِسِوَاكِ الْغَيْرِ، وَفِيهِ: الْعَمَلُ بِمَا يُفْهِمُ، مِنْ الْإِشَارَةِ وَالْحَرَكَاتِ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - " فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى " إشَارَةٌ مِنْهُ - ﷺ - إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، الْآيَةُ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] إشَارَةٌ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] فَكَأَنَّ هَذِهِ تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ صُنِّفَ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ يُفَسَّرُ فِيهِ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - " فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " الْأَعْلَى " مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَفْهُومٌ يُخَالِفُ الْمَنْطُوقَ، كَمَا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] وَلَيْسَ ثَمَّةَ دَاعٍ إلَهًا آخَرَ لَهُ بِهِ بُرْهَانٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] وَلَا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيِّينَ إلَّا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَوْنُ " الرَّفِيقِ " لَمْ يُطْلَقْ إلَّا عَلَى الْأَعْلَى الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ الرَّفِيقُ، وَيُقَوِّي هَذَا: مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ " وَلَمْ يَصِفْهُ بِالْأَعْلَى، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِلَفْظَةِ " الرَّفِيقِ الْأَعْلَى "، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّفِيقِ: مَا يَعُمُّ الْأَعْلَى وَغَيْرَهُ، ثُمَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
[ ١ / ١١٠ ]