. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ حَدِيثٍ آخَرَ «فَانْسَلَلْتُ مِنْهُ» وَرُوِيَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَيْضًا «فَانْبَخَسْت مِنْهُ» مِنْ الْبَخْسِ، وَهُوَ النَّقْصُ، وَقَدْ اُسْتُبْعِدَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَوُجِّهَتْ - عَلَى بُعْدِهَا - بِأَنَّهُ اعْتَقَدَ نُقْصَانَ نَفْسِهِ بِجَنَابَتِهِ عَنْ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَوْ مُصَاحَبَتِهِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ نَفْسِهِ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ، وَقَوْلُهُ " كُنْتُ جُنُبًا " أَيْ كُنْتُ ذَا جَنَابَةٍ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَمْعِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﵌ - " إنِّي كُنْتُ جُنُبَا " وَقَدْ يُقَالُ: جُنُبَانِ، وَجُنُبُونَ، وَأَجْنَابٌ، وَقَوْلُهُ " فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ " يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الطَّهَارَةِ فِي مُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - إنَّمَا رَدَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَمْ تَزُلْ، بِقَوْلِهِ " إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " لَا رَدًّا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ اسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِمُلَابَسَتِهِ - ﷺ - وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ " سُبْحَانَ اللَّهِ، " تَعَجُّبٌ مِنْ اعْتِقَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّنَجُّسَ بِالْجَنَابَةِ، وَقَوْلُهُ " إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " يُقَالُ: نَجَسَ وَنَجُسَ، يَنْجُسُ - بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ. [طَهَارَة الْمَيِّتِ مِنْ بَنِي آدَمَ] ١ وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَيِّتِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَالْحَدِيثُ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ بِالْمُؤْمِنِ، وَالْمَشْهُورُ التَّعْمِيمُ، وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ: يَرَى أَنَّ الْمُشْرِكَ نَجَسٌ فِي حَالِ حَيَّاتِهِ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ: إنَّهُ " نَجَسٌ " بِمَعْنَى أَنَّ عَيْنَهُ نَجِسَةٌ، وَيُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ " نَجِسٌ " بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَنَجِّسٌ بِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ، وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ عَيْنَهُ لَا تَصِيرُ نَجِسَةً؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِإِصَابَةِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَنْفِي ذَلِكَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الثَّوْبَ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ: هَلْ يَكُونُ نَجِسًا أَمْ لَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَأَنَّ اتِّصَالَ النَّجَسِ بِالطَّاهِرِ مُوجِبٌ لِنَجَاسَةِ الطَّاهِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الثَّوْبَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ اسْتِصْحَابُهُ فِي
[ ١ / ١٢٨ ]
٢٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا» .
_________________
(١) ـ الصَّلَاةِ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَةِ، فَلِهَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ بَدَنَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالنَّجَاسَةِ، وَهَذَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ حَالَةُ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ، فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبَدَنِ ثَبَتَ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، أَوْ يَقُولُ: الْبَدَنُ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ: مِنْ مَوَاضِعِ النِّزَاعِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَجَسٍ، وَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ - مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ حَمْلُهُ عَلَى نَجَاسَةِ الْعَيْنِ - يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَدْ يُدْعَى أَنَّ قَوْلَنَا " الشَّيْءُ نَجِسٌ " حَقِيقَةً فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، فَيَبْقَى ظَاهِرُ الْحَدِيثِ دَالًا عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْمُؤْمِنِ لَا تَنْجُسُ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ حَالَةُ النَّجَسِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ. الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهَا " كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْفِعْلِ عَنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا " اغْتَسَلَ " بِمَعْنَى شَرَعَ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فَعَلَ إذَا شَرَعَ، وَفَعَلَ إذَا فَرَغَ، فَإِذَا حَمَلْنَا
[ ١ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ اغْتَسَلَ " عَلَى " شَرَعَ " صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ وَقْتًا لِلْبَدَاءَةِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقْتًا لِلِاسْتِعَاذَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: يُقَالُ " كَانَ يَفْعَلُ كَذَا " بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَكَانَ عَادَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ، وَ«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ» وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ " كَانَ " لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ؛ وَوُقُوعِ الْفِعْلِ، دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالْأَوَّلُ: أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ ". الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَدْ تُطْلَقُ " الْجَنَابَةُ " عَلَى الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، أَوْ الْإِنْزَالِ، وَقَوْلُهَا " مِنْ الْجَنَابَةِ " فِي " مِنْ " مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ، مَجَازًا عَنْ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ مَصْدَرٌ لِلْمُسَبَّبِ وَمُنْشَأٌ لَهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهَا " غَسَلَ يَدَيْهِ " هَذَا الْغَسْلُ قَبْلَ إدْخَالِ الْيَدَيْنِ الْإِنَاءَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهَا " وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ الْغَسْلِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ، يَقَعُ الْبَحْثُ فِي أَنَّ هَذَا الْغَسْلَ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ: هَلْ هُوَ وُضُوءٌ حَقِيقَةً؟ فَيُكْتَفَى بِهِ عَنْ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لِلْجَنَابَةِ، فَإِنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاحِدٌ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ غَسْلَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْجَسَدِ تَكْرِيمًا لَهَا وَتَشْرِيفًا، وَيَسْقُطُ غَسْلُهَا عَنْ الْوُضُوءِ بِانْدِرَاجِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى تَحْتَ الْكُبْرَى. فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: قَوْلُهَا " وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ، تَقْدِيرُهُ: وُضُوءًا مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ الْمَغْسُولَةُ مَغْسُولَةً عَنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً عَنْ الْوُضُوءِ حَقِيقَةً لَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ عَنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ؛؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا مَغْسُولَةً لِلْجَنَابَةِ صَحَّ التَّغَايُرَ، وَكَانَ التَّشْبِيهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَجَوَابُهُ - بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُشَبَّهًا بِهِ - مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ الْوُضُوءُ الْوَاقِعُ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ غُسْلِ
[ ١ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الْجَنَابَةِ، وَالْوُضُوءُ - بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ - مُغَايِرٌ لِلْوُضُوءِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَيَحْصُلُ التَّغَايُرُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّشْبِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ كَوْنِهِ وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً. الثَّانِي: لَمَّا كَانَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ لَهُ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ، شُبِّهَ هَذَا الْفَرْدُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْخَارِجِ بِذَلِكَ الْمَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: أَوْقَعَ فِي الْخَارِجِ مَا يُطَابِقُ الصُّورَةَ الذِّهْنِيَّةَ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهَا " ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ " التَّخْلِيلُ هَهُنَا: إدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّعْرِ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّخْلِيلَ هَلْ يَكُونُ بِنَقْلِ الْمَاءِ، أَوْ بِإِدْخَالِ الْأَصَابِعِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ؟ وَأَشَارَ بِهِ إلَى تَرْجِيحِ نَقْلِ الْمَاءِ، لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ» فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: نَقْلُ الْمَاءِ لِتَخْلِيلِ الشَّعْرِ: هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: يُخَلِّلُ بِأَصَابِعِهِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ الْمَاءِ، قَالَ: وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا، فَقَالَ " بَابُ تَخْلِيلِ الْجُنُبِ رَأْسَهُ " وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ - ﵂ - فِيهِ، «فَقَالَتْ فِيهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُشْرِبُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا» قَالَ: فَهَذَا بَيِّنٌ فِي التَّخْلِيلِ بِالْمَاءِ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " التَّخْلِيلَ " يَكُونُ بِمَجْمُوعِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ لَا بِالْخَمْسِ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهَا " حَتَّى إذَا ظَنَّ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ " الظَّنُّ " هَهُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، مِنْ رُجْحَانِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ الْآخَرِ، وَلَوْلَا قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ " أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " لَتَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُكْتَفَى بِهِ، أَيْ بِرَيِّ الْبَشَرَةِ، وَإِذَا كَانَ مُكْتَفَى بِهِ فِي الْغُسْلِ تَرَجَّحَ الْيَقِينُ، لَتَيَسُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْوَاجِبِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ فِي هَذَا الْبَابِ، فَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهَا " أَرْوَى " مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّيِّ، الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْعَطَشِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي ابْتِلَالِ الشَّعْرِ بِالْمَاءِ، يُقَالُ: رَوَيْتُ مِنْ الْمَاءِ - بِالْكَسْرِ - أَرْوَى رِيًّا وَرَيًّا، وَرُوِيَ،
[ ١ / ١٣١ ]