وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ
[ ١ / ٢٢٨ ]
مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ ﷿.
(باب قول المحدث) أي الذي يحدث غيره (حدثنا أو أخبرنا) وللأصيلي وغيره: وأخبرنا (وأنبأنا) هل بينهما فرق أو الكل واحد؟ ولكريمة بإسقاط وأنبأنا، وللأصيلي بإسقاط وأخبرنا، وثبت الجميع في رواية أبي ذر. (قال) لنا (الحميدي) بضم المهملة وفتح الميم فياء تصغير وياء نسبة أبو بكر بن عبد الله بن الزبير المكّي المذكور أوّل الكتاب (كان عند ابن عيينة) سفيان، وللأصيلي وكريمة وقال لنا الحميدي، وكذا ذكره أبو نعيم في المستخرج فهو متصل، وأفاد جعفر بن حمدان النيسابوري أن كل ما في البخاري من قال ليس فلان فهو عرض أو مناولة. (حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدًا) لا فرق بين هذه الألفاظ الأربعة عند المؤلف كما يعطيه قوة تخصيصه بذكره عن شيخه الحميدي من غير ذكر ما يخالفه، وهو مروي أيضًا عن مالك والحسن البصري ويحيى بن سعيد القطان ومعظم الكوفيين والحجازيين، وممن رواه عن مالك إسماعيل بن أبي أُويس فإنه قال: إنه سئل عن حديث أسماع هو فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع.
وقال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعته يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب ونقل هو وغيره أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم. وقال آخرون بالتفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فلما سمع من لفظ الشيخ سمعت أو حدّثنا، ولما قرأه على الشيخ أخبرنا، والأحوط الإفصاح بصورة الواقع فيقول إن كان قرأ قرأت على فلان أو أخبرنا بقراءتي عليه، وإن كان سمع: قرأ علي فلان وأنا أسمع، وأخبرنا فلان قراءة عليه وأنا أسمع، وأنبأنا ونبأنا بالتشديد للإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال حدّثني، ومن سمع مع غيره جمع فقال حدّثنا، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع فقال أخبرنا، وأما قال لنا أو قال لي واذكر لنا وذكر ليس ففيما سمع في حال المذاكرة، وجزم ابن منده بأنه للإجازة، وكذا قال أبو يعقوب الحافظ، وقال أبو جعفر بن أحمد أنه عرض ومناولة. قال في فتح المغيث: وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتصال أيضًا على رأي الجمهور لكنه مردود عليهم، فقد أخرج البخاري في الصوم من صحيحه حديث أبي هريرة قال: قال: إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فقال فيه حدّثنا عبدان، وأورده في تاريخه بصيغة قال ليس عبدان، وأورد حديثًا في التفسير من صحيحه عن إبراهيم بن موسى
[ ١ / ٢٢٩ ]
بصيغة التحديث، ثم أورده في الإيمان والنذور منه أيضًا بصيغة قال ليس إبراهيم بن موسى في أمثلة كثيرة. قال: وحقّقه شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة يعني بانفرادها إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يقول ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك في المتابعات والشواهد، وإنما خصّوا قراءة الشيخ بحدّثنا لقوّة إشعاره بالنطق والمشافهة، وينبغي ملاحظة هذا الاصطلاح لئلا يختلط المسموع بالمجاز، قال الإسفرايني: لا يجوز فيما قرأ أو سمع أن يقول حدّثنا ولا فيما سمع لفظًا أن يقول أخبرنا، إذ بينهما فرق ظاهر، ومن لم يحفظ ذلك على نفسه كان من المدلسين، ثم عطف المؤلف ثلاثة تعاليق يؤيد بها مذهبه في التسوية بين الصيغ الأربعة فقال:
(وقال ابن مسعود) عبد الله ﵁ (حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق) في نفس الأمر (المصدوق) بالنسبة إلى الله تعالى أو إلى الناس أو بالنسبة إلى ما قاله غيره أي جبريل له، وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في القدر.
(وقال شقيق) بفتح المعجمة أبو وائل السابق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله من كتاب الإيمان (عن عبد الله) أي ابن مسعود، وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة (سمعت النبي) ولأبي ذر والأصيلي سمعت من النبي (¬ﷺ كلمة) وهذا وصله المؤلف في الجنائز.
(وقال حذيفة) بن اليمان صاحب سرّ رسول الله ﷺ في المنافقين، المتوفى بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة ومقول قوله: (حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين) وهذا وصله المؤلف في الرقاق، وساق التعاليق الثلاثة تنبيهًا على أن الصحابي تارة يقول حدّثنا، وتارة يقول سمعت، فدلّ على عدم الفرق بينهما. ثم عطف على هذه الثلاثة ثلاثة أخرى فقال: (وقال أبو العالية) بالمهملة والمثناة التحتية هو رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران بكسر الميم الرياحي بالمثناة التحتية والحاء المهملة، أسلم بعد موته ﷺ بسنتين، وتوفي سنة تسعين. وقال العيني، كالقطب الحلبي: هو البراء بتشديد الراء نسبة لبري النبل، واسمه زياد بن فيروز القرشي البصري المتوفى سنة تسعين. قال ابن حجر: وهو وهم فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه، وتعقبه العيني بأن كل واحد منهما يروي عن ابن عباس، وترجيح أحدهما عن الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل، وبأن قوله: فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه يحتاج إلى نقل عن أحد يعتمد عليه. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن المصنف وصله في التوحيد، ولو راجعه العيني من هناك لما احتاج إلى طلب الدليل. (عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه) ﷿.
(وقال أنس) بن مالك ﵁ (عن النبي ﷺ يرويه عن ربه ﷿ وللأصيلي فيما يرويه عن ربه، ولأبوي ذر والوقت ﵎ بدلًا عن قوله ﷿.
[ ١ / ٢٣٠ ]
(وقال أبو هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم ﷿ بكاف الخطاب مع ميم الجمع، وهذه التعاليق الثلاثة وصلها المؤلف في كتاب التوحيد، وأوردها هنا تنبيهًا على حكم المعنعن، والذي ذهب إليه هو وأئمة جمهور المحدّثين أنه موصول إذا أتى عن رواة مسمّين معروفين بشرط السلامة واللقاء، وهو مذهب ابن المديني وابن عبد البر والخطيب وغيرهم. وعزاه النووي للمحققين بل هو مقتضى كلام الشافعي. نعم لم يشترطه مسلم بل أنكر اشتراطه في مقدمة صحيحة وادّعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه لكنه اشترط تعاصرهما فقط، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا وتشافها يعني تحسينًا للظن بالثقة وفيما قاله نظر يطول ذكره.
٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ. ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ».
[الحديث ٦١ - أطرافه في: ٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٣٢، ٦١٤٤].
وبالسند إلى المؤلف ﵀ قال: (حدّثنا قتيبة) زاد في رواية ابن عساكر ابن سعيد وقد مرّ قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) المذكور في باب علامة المنافق (عن عبد الله بن دينار) السابق في باب أمور الإيمان (عن ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال: قال رسول الله ﷺ¬):
(إن من الشجر) أي من جنسه (شجرة) بالنصب اسم إن وخبرها الجار والمجرور ومن للتبعيض. وقوله (لا يسقط ورقها) في محل نصب صفة لشجرة وهي صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها دون غيرها (وإنها مثل المسلم) بكسر الهمزة عطفًا على أن الأولى وبكسر ميم مثل وسكون المثلثة كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية الأصيلي وكريمة مثل بفتحهما كشبه وشبه لفظًا ومعنى، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجيبة أو الصفة الغريبة كأنه قال: حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة أو صفته الغريبة كصفتها فالمسلم هو المشبه والنخلة هي المشبه بها.
وقوله: (فحدّثوني) فعل أمر أي إن عرفتموها فحدّثوني (ما هي) جملة من مبتدأ وخبر سدّت مسد مفعول التحديث (فوقع الناس في شجر البوادي) أي جعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع وذهلوا عن النخلة، (قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄: (ووقع في نفسي أنها النخلة) بالرفع خبر أن وبفتح الهمزة لأنها فاعل وقع (فاستحييت) أن أتكلم، وعنده أبو بكر وعمر وغيرهما ﵃ هيبة منه وتوقيرًا لهم (ثم قالوا: حدّثنا) بكسر الدال وسكون المثلثة (ما هي يا رسول الله: قال) ﷺ: (هي النخلة). وعند المؤلف في التفسير من طريق نافع عن ابن عمر قال: كنا عند
[ ١ / ٢٣١ ]
رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا ذكر النفي ثلاث مرات على طريق الاكتفاء، وقد ذكروا في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا يبطل نفعها.