(باب) بالتنوين (الزكاة من الإسلام) أي من شعبه مبتدأ أو خبر ويجوز إضافة الباب للاحقه (وقوله) بالرفع والجرّ على ما لا يخفى وللأصيلي: ﷿، ولابن عساكر: سبحانه: ﴿وما أُمروا﴾ أي أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، ولأبي ذر باب الزكاة من الإسلام وما أُمروا ﴿إلا ليعبدوا الله﴾ حال كونهم (مخلصين له الدين) لا يشركون به فما أُريد به وجه الله فقط إخلاص ما لم يشبه ركون أو حظ كطهره لله تعالى مع نيّة تبرد وصومه لله تعالى بنيّة الحمية ونحوها، أو يعتكف له بمسجد ويدفع مؤونة
[ ١ / ١٣٢ ]
مسكنه، وهذه النية لا تحبطه لصحة حجه لله تعالى مع نية تجارة إجماعًا، فالإخلاص ما صفا عن الكدر وخلص من الشوائب، الرياء آفة عظيمة تقلب الطاعة معصية، فالإخلاص رأس جميع العبادات ﴿حنفاء﴾ مائلين عن العقائد الزائغة ﴿ويقيموا الصلاة﴾ التي هي عماد الدين وهو من باب عطف الخاص على العام ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ ولكنهم حرّفوا وبدّلوا ﴿وذلك﴾ المذكور من هذه الأشياء هو ﴿دين القيمة﴾ [البينة: ٥] أي دين الملّة القيّمة أي المستقيمة وسقط عند الأصيلي وذلك دين القيّمة.
وفي رواية أبي الوقت من قوله حنفاء إلى آخر الآية فقال: ﴿مخلصين له الدين﴾ الآية.
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا نُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.
[الحديث أطرافه ٤٦ - في: ١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس الأصبحي المدني المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين (قال: حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي حدّثنا (مالك بن أنس) الإمام وسقط عند الأصيلي وابن عساكر قوله ابن أنس (عن عمه أبي سهيل بن مالك) واسم أبي سهيل نافع المدني (عن أبيه) مالك بن أبي عامر (أنه سمع طلحة بن عبيد الله) بن عثمان القرشي التيمي أحد العشرة المبشرة بالجنة المقتول يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وله في البخاري أربعة أحاديث (يقول):
(جاء رجل) هو ضمام بن ثعلبة أو غيره (إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد) بفتح النون وسكون الجيم وهو كما في العباب وغيره ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذر جاء رجل من أهل نجد إلى رسول الله ﷺ (ثائر) بالمثلثة أي متفرق شعر (الرأس) من عدم الرفاهية فحذف المضاف للقرينة العقلية، أو أطلق اسم الرأس على الشعر لأنه نبت منه، كما يطلق اسم السماء على المطر أو مبالغة بجعل الرأس كأنها المنتفشة، وثائر بالرفع صفة لرجل أو بالنصب على الحال ولا يضر إضافتها لأنها لفظية (نسمع) بنون الجمع (دويّ صوته) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء منصوب مفعولًا به (ولا نفقه) بنون الجمع كذلك (ما يقول) أي الذي يقوله في محل نصب على الفعولية، وفي رواية ابن عساكر يسمع ولا يفقه بضم المثناة التحتية فيهما مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله ودوي وما يقول نائبان عنه. والدوي شدة الصوت وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء (حتى دنا) أي إلى أن قرب فهمناه. (فإذا هو يسأل عن الإسلام) أي عن أركانه وشرائعه بعد التوحيد والتصديق أو عن حقيقته، واستبعد هذا من حيث إن الجواب يكون غير مطابق للسؤال وهو قوله (فقال رسول الله ﷺ¬): هو (خمس صلوات في اليوم والليلة) أو خذ خمس صلوات ويجوز الجرّ بدلًا من الإسلام، فظهر أن السؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا. ويؤيده ما في رواية إسماعيل بن جعفر عند المؤلف في الصيام أنه قال: أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة وليس الصلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذف تفديره إقامة خمس صلوات في اليوم والليلة،
وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها (فقال) الرجل المذكور، ولابن عساكر قال (هل عليّ غيرها) بالرفع مبتدأ مؤخر خبره عليّ (قال) ﷺ (لا) شيء عليك غيرها وهو حجة على الحنفية حيث أوجبوا الوتر وعلى الإصطخري من الشافعية حيث قال: إن صلاة العيدين فرض كفاية (إلا أن تطوع) استثناء من قوله لا منقطع أي لكن التطوّع مستحب لك، وعلى هذا لا تلزم النوافل بالشروع فيها، لكن يستحب إتمامها ولا يجب. وقد روى النسائي وغيره أن النبي-ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوّع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحرث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النص في الصوم والباقي بالقياس ولا يرد الحج لأنه امتاز عن غيره بالمضي في فاسده، فكيف في صحيحه أو الاستثناء متصل على الأصل، واستدل به على أن الشروع في التطوّع يلزم إتمامه. وقرره القرطبي من المالكية بأنه نفي وجوب شيء آخر أي: إلا ما تطوّع به، والاستثناء من النفي إثبات
[ ١ / ١٣٣ ]
ولا قائل بوجوب التطوع، فتعيّن أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوّع فيلزمك إتمامه.
وفي مسند أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين فأهديت لنا شاة فأكلنا، فدخل علينا النبي ﷺ فأخبرناه فقال "صوما يومًا مكانه" والأمر للوجوب، فدلّ علي أن الشروع ملزم.
(قال) وفي رواية أبي الوقت والأصيلي فقال (رسول الله ﷺ وصيام) بالرفع عطفًا على خمس
صلوات وفي رواية أبي ذر وصوم (رمضان. قال) الرجل (هل عليّ غيره؟ قال) ﷺ: (لا إلا أن تطوّع) فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه أو إلا إذا تطوّعت، فالتطوّع يلزمك إتمامه لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وفي استدلال الحنفية نظر لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما، وأيضًا فإن الاستثناء عندهم من النفي ليس للإثبات بل مسكوت عنه كما قاله في الفتح. (قال) الراوي طلحة بن عبيد الله (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة قال) وفي رواية الأصيلي وأبي ذر فقال الرجل المذكور: (هل عليّ غيرها؟ قال) ﷺ (لا إلا أن تطوّع، قال) الراوي (فأدبر الرجل) من الإدبار أي تولى (وهو يقول) أي والحال أنه يقول: (والله لا أزيد) في التصديق والقبول (على هذا ولا أنقص) منه شيئًا أي قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القبول، أو لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص منه عند الإبلاغ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم، لكن يعكر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوّع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا، أو المراد لا أغير صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلًا ركعة أو يزيد المغرب، (قال رسول الله ﷺ: أفلح) الرجل أي فاز (إن صدق) في كلامه. واستشكل كونه أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيات
ولا المندوبات. وأجيب: بأنه داخل في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفر المروي عند المؤلف في الصيام بلفظ: فأخبره رسول الله ﷺ-بشرائع الإسلام.
فإن قلت: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الجواب أولى، وفي هذا الحديث أن السفر والارتحال لتعلّم العلم مشروع وجواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة ورجاله كلهم مدنيون وتسلسل بالأقارب، لأن إسماعيل يرويه عن خاله عن عمه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في الصوم وفي ترك الحيل، وأخرجه مسلم في الإيمان، وأبو داود في الصلاة والنسائي فيها وفي الصوم.