(باب السمر) بفتح السين والميم وهو الحديث في الليل (في العلم) وللأربعة بالعلم، وفي اليونينية في العلم وضبب عليه، ومكتوب على الهامش بالعلم مصحح عليه، ولغير أبي ذر باب بالتنوين مقطوعًا عن الإضافة أي هذا باب في بيان السمر بالعلم.
١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».
[الحديث ١١٦ - طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١].
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء (قال: حدّثني) بالإفراد وللأصيلي حدّثنا (الليث) بن سعد عالم مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) زاد في رواية أبي ذر ابن مسافر أي الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة، وفي رواية حدّثني الليث حدّثه عبد الرحمن أي أنه حدّثه عبد الرحمن (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) أي ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، ولم يخرج له المؤلف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالم.
(أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال: صلّى بنا النبي) وفي رواية الأربعة لنا باللام بدل الباء يعني إمامًا لنا، وإلاّ فالصلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني رسول الله بدل قوله النبي (¬ﷺ العشاء) بكسر العين والمد أي صلاة العشاء (في آخر حياته) قبل موته ﵊ بشهر، (فلما سلَّم) من الصلاة (قام فقال: أرأيتكم) أي أخبروني وهو من إطلاق
[ ١ / ٢٠٨ ]
السبب على المسبب لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها والهمزة فيه مقررة أي قد رأيتم ذلك فأخبروني (ليلتكم) أي شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هذه) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة، وتاء أرأيتكم فاعل والكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب ولا تستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة، وليلتكم نصب مفعول ثانٍ لأخبروني، (فإن رأس) وللأصيلي فإن على رأس (مائة سنة منها) أي من تلك الليلة (لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المراد أرضه التي بها نشأ ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجد فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أي بعض الأرض التي صدرت الجناية فيها، فليست أل للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدل بهذا الحديث على موت الخضر ﵇ كالمؤلف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلمنا أن أل للاستغراق فقوله أحد عموم يحتمل إذ على وجه الأرض الجنّ والإنس والعمومات يدخلها التخصيص بأدنى قرينة، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال قاله الشيخ قطب الدين القسطلاني. وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة سنة.
١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الْغُلَيِّمُ» -أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا- ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
[الحديث ١١٧ - أطرافه في: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢٤، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) أي ابن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا الحكم) بفتح الحاء والكاف ابن عتبة بضم العين تصغير عتبة ابن النهاس فقيه الكوفة، المتوفى سنة أربع عشرة وقيل: خمس عشرة ومائة.
(قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال):
(بت) بكسر الموحدة من البيتوتة (في بيت خالتي ميمونة بنت الحرث) الهلالية (زوج النبي ﷺ¬) وهي أخت أمه لبابة الكبرى بنت الحرث ولبابة هذه أوّل امرأة أسلمت بعد خديجة، وتوفيت ميمونة ﵂ سنة إحدى وخمسين بسرف بالمكان الذي بنى بها فيه النبي ﷺ وصلى عليها ابن عباس لها في البخاري سبعة أحاديث. (وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها) المختصة بها بحسب قسم النبي ﷺ بين أزواجه (فصلى النبي ﷺ العشاء) في المسجد، (ثم جاء) منه (إلى منزله) الذي هو بيت ميمونة أم المؤمنين، والفاء في فصلى هي التي تدخل بين المجمل والمفصل لأنّ التفصيل إنما هو عقب الإجمال لأن صلاته ﵊ العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة ولم يكونا بعد الكون عندها. (فصلى) ﵊ عقب دخوله (أربع ركعات ثم نام) بعد الصلاة على التراخي، (ثم قام) من نومه (ثم قال: نام الغليم) بضم الغين المعجمة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية تصغير شفقة، ومراده ابن عباس وقوله نام استفهام حذفت همزته لقرينة المقام أو إخبار منه ﵊ بنومه (أو) قال (كلمة تشبهها) أي تشبه كلمة نام الغليم شك من الراوي وعبر بكلمة على حدّ كلمة الشهادة (ثم قام) ﵊ في الصلاة، (فقمت عن يساره) بفتح الياء وكسرها شبّهوها في الكسر بالشمال وليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا هذه، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد (فجعلني عن يمينه فصلى) وفي رواية ابن عساكر وصلّى (خمس ركعات) وفي الرفع كأصله من غير رقم عشرة ركعة، (ثم صلى ركعتين ثم نام) ﵊ (حتى) أي إلى أن (سمعت غطيطه) بفتح الغين المعجمة وكسر المهملة الأولى وهو صوت نفس النائم عند استثقاله. وفي العباب وغطيط النائم والمخنوق نخيرهما (أو خطيطه) بفتح الخاء المعجمة وكسر المهملة شك من الراوي وهو بمعنى الأوّل، ثم استيقظ ﵊ (ثم خرج إلى الصلاة) ولم يتوضأ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه لأن عينه تنامان ولا ينام قلبه، لا يقال إنه معارض بحديث نومه ﵊ في الوادي إلى أن طلعت الشمس لأن
[ ١ / ٢٠٩ ]
الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب. ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجده ﵊.
فإن قلت: ما المناسبة بين هذا الحديث والترجمة؟ أجيب: باحتمال أن يطلق السمر على الكلمة وهي هنا قوله ﵊: "نام الغليم" أو هو ارتقاب ابن عباس لأحواله ﵊، لأنه لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل. وتعقب بأن المتكلم بالكلمة الواحدة لا يسمى سامرًا، وبأن صنيع ابن عباس يسمى سهرًا لا سمرًا لأن السمر لا يكون إلا عن تحدّث.
وأجيب: بأن حقيقة السمر التحدّث بالليل ويصدق بكلمة واحدة ولم يشترط أحد التعدّد، وكما يطلق السمر على القول يطلق على الفعل بدليل قولهم: سمر القوم الخمر إذا شربوها ليلًا. وأجاب الحافظ ابن حجر: بأن المناسبة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى في التفسير عند المؤلف بلفظ: بتّ في بيت ميمونة، فتحدّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة قال: وهذا أولى من غير تعسّف ولا رجم بالظن، لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن.
وتعقبه العيني بأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في باب آخر بطريق أخرى وألفاظ متغايرة هل يقال مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر. قال: وأبعد من هذا أنه علّل ما قاله بقوله لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، لأن هؤلاء ما فسروا الحديث هنا بل ذكروا مطابقة الترجمة بالتقارب.