والفرد: يكون مطلقًا؛ بأن ينفرد الرَّاوي الواحد عَنْ كلِّ واحدٍ من الثِّقات وغيرهم، ويكون
[ ١٢٤ ]
بالنِّسبة إلى صفةٍ خاصَّةٍ، وهو أنواعٌ:
ما قُيِّد بثقةٍ؛ كقول القائل في حديث قراءته ﷺ في الأضحى والفطر بـ «ق» و«اقتربت»، لم يروِه ثقةٌ إلَّا ضَمرة بن سعيدٍ، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي
[ ١٢٥ ]
واقدٍ الليثيِّ صحابِيِّهِ. أو ببلدٍ معيَّنٍ؛ كمكَّة والبصرة والكوفة؛ كقول القائل في حديث أبي سعيد الخدريِّ المرويِّ عند أبي داود في كتابَيْه «السُّنن»، و«التَّفرُّد»، عن أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن هَمَّام عن قتادة عن أبي نضرة عنه، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر». لم يروِ هذا الحديث غير أهل البصرة. قال الحاكم: إنَّهم تفرَّدوا بذكر الأمر فيه من صفة وضوء النَّبيِّ ﷺ: إنَّ قولَه: «ومسح رأسه بماءٍ غير فضلِ يده»، سنَّةٌ غريبةٌ تفرَّد بها أوَّل الإسناد إلى آخره، ولم يَشْرَكْهم في لفظه سواهم. وكذا قال في حديث عبد الله بن زيدٍ في أهل مصر لم يَشرَكْهم
[ ١٢٦ ]
أحدٌ، ولا يقتضي شيءٌ من ذلك ضعفَه، إلَّا أن يراد تفرُّدُ واحدٍ من أهل البصرة، فيكون من الفرد المطلق. والثَّالث: ما قُيِّد براوٍ مخصوصٍ حيث لم يروه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، كقول أبي الفضل بن طاهرٍ عقب الحديث المرويِّ في «السُّنن الأربعة» من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزُّهريِّ عن أنسٍ: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَوْلَمَ على صفيَّة بسويقٍ وتمرٍ)، لم يروِه عن بكرٍ إلَّا وائلٌ، ولم يروِه عن وائلٍ غيرُ ابن عُيينة، فهو غريبٌ؛ ولذا قال التِّرمذيُّ: إنَّه حسنٌ غريبٌ، قال: وقد رواه غير واحدٍ عن ابن عُيينة عن الزُّهريِّ؛ يعني: بدون وائلٍ وولده، قال: وكان ابن عُيينة
[ ١٢٧ ]
ربَّما دلَّسهما، والحكمُ بالتفرُّد يكون بعد تتبُّع طرق الحديث الذي يُظَنُّ أنَّه فردٌ، هل شارك راويه آخر أم لا؟ فإن وُجِدَ بعد كونه فردًا أنَّ راويًا آخر ممَّن يَصلُح أن يُخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه؛ فإن كان التَّوافق باللَّفظ سُمِّي متابعًا، وإن كان بالمعنى سُمِّي شاهدًا،
[ ١٢٨ ]
وإن لم يوجد من وجهٍ بلفظه أو بمعناه؛ فإنَّه يتحقَّق فيه التفرُّد المطلق حينئذٍ. ومظنَّة معرفة الطُّرق التي تحصل بها المتابعات والشَّواهد، وتنتفي بها الفرديَّة الكتب المصنَّفة في «الأطراف»، وقد مثَّل ابن حبَّان لكيفيَّة الاعتبار؛ بأن يروي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتابَع عليه عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟ (^١)، فإن وُجِد عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإن لم يُوجَد ذلك فثقةٌ غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلَّا فصحابيٌّ غير أبي هريرة رواه عن النَّبيِّ ﷺ، فأيُّ ذلك وُجِدَ عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإلا فلا. وكما أنَّه لا انحصار للمتابعات في الثِّقة كذلك الشَّواهد،
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟».
[ ١٢٩ ]
فيدخل فيهما رواية من لا يُحتَجُّ بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضُّعفاء، وفي «البخاريِّ» و«مسلمٍ» جماعةٌ من الضُّعفاء ذَكَرَاهم في المتابعات والشَّواهد، وليس كلُّ ضعيفٍ يصلح لذلك. ولذا قال الدَّارقطنيُّ: فلانٌ يعتبر به وفلانٌ لا يُعتبَر به. وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وإنَّما يُدخِلون الضُّعفاء لكون التَّابع لا اعتماد عليه، وإنَّما الاعتماد على من قبله. انتهى.
قال شيخنا: ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كلٌّ (^١) من المتابَع والمتابِع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوَّة، ومثال المتابع والشَّاهد: ما رواه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تَرَوُا الهلال، ولا تفطروا حتَّى تَرَوْهُ، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّةَ ثلاثين»، فإنَّه في جميع «الموطَّآت» عن مالكٍ بهذا السَّند بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له». وأشار
_________________
(١) «كلٌّ»: ليس في (م).
[ ١٣٠ ]
البيهقيُّ إلى أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بهذا اللَّفظ عن مالكٍ، فنظرنا، فإذا البخاريُّ روى الحديث في «صحيحه»، فقال: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، حدَّثنا مالكٌ به بلفظ الشَّافعيِّ سواءٌ، فهذه متابعةٌ تامَّةٌ في غاية الصِّحَّة لرواية الشَّافعيِّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله بن دينارٍ باللَّفظين معًا، وقد تُوبِع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر؛ أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد (^١) الله بن عمر عن نافعٍ، فذكر الحديث، وفي آخره:
_________________
(١) في (ص) و(م): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[ ١٣١ ]
«فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين». والثَّاني: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عاصم بن محمَّد بن زيد عن أبيه عن جدِّه ابن عمر بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فكمِّلوا ثلاثين». فهذه متابعةٌ، لكنَّها ناقصةٌ، وله شاهدان؛ أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاريُّ [خ¦١٩٠٩] عن آدم عن شعبةَ عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين». وثانيهما: من حديث ابن عبَّاسٍ، أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حُنينٍ عن ابن عبَّاسٍ (^١) بلفظ: حديث ابن دينار عن ابن عمر سواءٌ، وإنَّما أَطَلْتُ الكلام
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: «أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حنينٍ عن ابن عبَّاسٍ».
[ ١٣٢ ]