ومحمَّد بن أحمد بن دَلُّوْيَه وعبد الله بن محمَّدٍ الأشقر ومحمَّد بن هارون الحضرميُّ والحسين بن إسماعيل المحامليُّ وأبو عليٍّ الحسن بن محمَّدٍ الدَّاركيُّ وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكرٍ بن أبي داود ومحمود بن عنبرٍ النَّسفيُّ وجعفر بن محمَّد بن الحسن الجزريُّ وأبو حامد بن الشَّرقيِّ وأخوه أبو محمَّدٍ عبد الله ومحمَّد بن سليمان بن فارسٍ ومحمَّد بن المسيّب الأرغيانيُّ ومحمَّد بن هارون الرُّوياني وخلقٌ، وآخر من روى عنه «الجامع الصَّحيح» منصور بن محمَّدٍ البزدويُّ المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وآخر من زعم أنَّه سمع من البخاريِّ موتًا أبو ظهيرٍ عبد الله بن فارسٍ البلخيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئةٍ، وآخر من روى حديثه عاليًا (^١) خطيب الموصل في «الدُّعاء» للمحامليِّ بينه وبينه ثلاثة رجالٍ.
وأمَّا ذكاؤه وسَعَةُ حفظه وسيلان ذهنه؛ فقِيلَ: إنَّه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألف حديثٍ سردًا، ورُوِيَ أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدةً فيحفظ ما فيه من نظرةٍ واحدةٍ.
وقال محمَّد بن أبي حاتم ورَّاقه: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخرَ يقولان: كان البخاريُّ يختلف معنا إلى السَّماع وهو غلامٌ، فلا يكتب حتَّى أتى على ذلك أيَّامٌ، فكنَّا نقول له، فقال: إنَّكما قد أكثرتما عليَّ، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد ذلك على خمسة عشر ألف حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلبه، حتَّى جعلنا نُحكْم كُتُبَنا من حفظه، ثمَّ قال: أترون أنِّي أختلف هدرًا وأضيِّع أيَّامي، فعرفنا أنَّه لا يتقدَّمه أحدٌ.
_________________
(١) في (ص): «غالبًا».
[ ٣٠٨ ]
قالا: فكان أهل المعرفة يغدون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ، حتَّى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطرق، فيجتمع عليه ألوفٌ، أكثرهم ممَّن يُكْتَب عنه، وكان شابًّا.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سليمان بن مجاهدٍ يقول: كنت عند محمَّد بن سلامٍ البيكنديِّ، فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه، فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم؛ وأكثر، ولا أجيبك بحديثٍ عن الصَّحابة والتَّابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصَّحابة والتَّابعين إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ.
وقال ابن عديٍّ: حدَّثني محمَّد بن أحمد القومسيُّ (^١): سمعت محمَّد ابن عمرويه (^٢) يقول: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ، وقال: أخرجت هذا الكتاب -يعني: «الجامع الصَّحيح» - من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وقال: دخلت بَلْخ، فسألوني أنْ أُملي عليهم لكلِّ من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ، وقال: تذكَّرت يومًا في أصحاب أنسٍ، فحضرني في ساعةٍ ثلاث مئة نفسٍ.
وقال ورَّاقه: عمل كتابًا في «الهبة» فيه نحو خمس مئة حديثٍ، وقال: ليس في كتاب وكيع في «الهبة» إلَّا حديثان مسندان أو ثلاثةٌ، وفي كتاب ابن المبارك خمسةٌ أو نحوها.
_________________
(١) في (ب) و(س): «القوسي»، وهو تحريفٌ.
(٢) في غير (د): «حمرويه» وهو الذي في شرح الشيخ الأنبابي، وهو تحريفٌ.
[ ٣٠٩ ]
وقال أيضًا: سمعت البخاريَّ يقول: كنت في مجلس الفريابيِّ، فسمعته يقول: حدَّثنا سفيان عن أبي عروة (^١) عن أبي الخطَّاب عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» [خ¦٢٨٤]، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطَّاب، فقلت: أمَّا أبو عروة؛ فمَعْمَر (^٢)، وأما أبو الخطَّاب؛ فقتادة. قال: وكان الثَّوريُّ فعولًا لهذا؛ يكنِّي المشهورين.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ أيضًا: قدم رجاء الحافظ، فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حين بلغك؟ وفي أيِّ شيءٍ نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولا استعددت لذلك، فإن أحببت أن تسألني عن شيءٍ فافعل، فجعل يناظره في أشياء، فبقي رجاء لا يدري، ثمَّ قال أبو عبد الله: هل لك في الزِّيادة؟ فقال استحياءً منه وخجلًا: نعم، ثمَّ قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيُّوب (^٣)، فعدَّ نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكتٌ، فظنَّ رجاء أنَّه قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله، فاتك خيرٌ كثيرٌ، فزيَّف أبو عبد الله في أولئك سبعةً، وأغرب عليه أكثر من ستِّين رجلًا، ثمَّ قال لرجاء (^٤): كم رويت في العمامة السَّوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: يُروَى من أربعين حديثًا، فخجل رجاء، ويبس ريقه.
وأمَّا كثرة اطِّلاعه على علل الحديث؛ فقد رُوِينا عن مسلم بن الحجَّاج أنَّه قال له: دعني أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله.
وقال التِّرمذيُّ: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتَّاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمَّد بن إسماعيل.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سُليم بن مجاهدٍ يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مئةٍ ممَّن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيَّام وأحبُّوا مغالطة محمَّد بن
_________________
(١) في الأصول «عروبةٍ» بدل «عروة» وهو تصحيف.
(٢) في (ص): «فعمر».
(٣) في (ص): «أبواب»، وهو تحريفٌ.
(٤) في (ص) و(م): «رجاء».
[ ٣١٠ ]
إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشَّام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشَّام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلَّقوا عليه بسقطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ: سمعت عدَّةً من المشايخ يحكون: أنَّ البخاريَّ قدم بغداد، فاجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مئة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرة أحاديث؛ ليلقوها على البخاريِّ في المجلس امتحانًا، فاجتمع النَّاس من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديِّين، فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب أحدهم، فقام وسأله عن حديثٍ من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتَّى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعضٍ ويقولون: الرَّجل فَهِم، ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز، ثمَّ انتدب آخر، ففعل كفعل الأوَّل، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه إلى أن فرغ العشرة أنفسٍ، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه (^١)، فلمَّا علم أنَّهم فرغوا التفت إلى الأوَّل،
_________________
(١) سقط من (م) قوله: «إلى أن فرغ العشرة أنفسٍ، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه».
[ ٣١١ ]
فقال: أمَّا حديثك الأوَّل؛ فقلتَ كذا، وصوابُه كذا، وحديثك الثَّاني كذا، وصوابه كذا، والثَّالث والرَّابع على الولاء، حتَّى أتى على تمام العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرَّ النَّاس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
وقال يوسف بن موسى المروزيُّ: كنت بجامع البصرة، فسمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًّا ليس في لحيته بياضٌ، يصلِّي خلف الأسطوانة، فلمَّا فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا ينادي في جامع البصرة، فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، فلمَّا كان من الغد حضر المحدِّثون والحفَّاظ والفقهاء والنُّظَّار، حتَّى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألف نفسٍ، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإملاء: يا أهل البصرة، أنا شابٌّ، وقد سألتموني أن أحدِّثكم، وسأحدِّثكم أحاديثَ عن أهل بلدكم تستفيدونها؛ يعني: ليست عندكم، فتعجَّب النَّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن (^١) جبلة بن أبي روَّاد العتكيُّ بَلَدِيِّكُم، قال: حدَّثنا أبي عن شعبة عن منصورٍ وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالكٍ ﵁: «أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، الرَّجل يحبُّ القوم …» الحديث، ثمَّ قال: هذا ليس عندكم عن منصورٍ، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ (^٢)، قال يوسف بن موسى: فأملى مجلسًا على هذا
_________________
(١) زيد في (ص): «أبي»، وهو خطأٌ.
(٢) سقط من (م) قوله: «إنما هو عندكم عن غير منصورٍ».
[ ٣١٢ ]
النَّسق، يقول في كلِّ حديثٍ: روى فلانٌ هذا الحديث وليس عندكم كذا، فأمَّا رواية فلانٍ؛ يعني التي يسوقها؛ فليست عندكم.
وقال الحافظ أبو حامدٍ الأعمش: كنَّا عند البخاريِّ بنيسابور، فجاء مسلم بن الحجَّاج، فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزُّبير عن جابرٍ، قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّةٍ ومعنا أبو عبيدة …» الحديث بطوله [خ¦٤٣٦١]. فقال البخاريُّ: حدَّثنا ابن أبي أويسٍ، حدَّثني أخي عن سليمان بن بلالٍ عن عبيد الله …، فذكر الحديث بتمامه، قال: فقرأ عليه إنسانٌ حديث حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إِلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له مسلمٌ: في الدُّنيا أحسن من هذا الحديث: ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح، يعرف بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا؟ فقال له محمَّد بن إسماعيل: إلَّا أنَّه معلولٌ، فقال مسلمٌ: لا إله إلَّا الله -وارتعد- أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله تعالى، هذا حديثٌ جليلٌ، رواه النَّاس عن حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ. فألحَّ عليه وقبَّل رأسه، وكاد أن يبكيَ، فقال: اكتب إن كان ولا بدَّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدَّثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «كفَّارة المجلس …»، فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلَّا حاسدٌ، وأشهد أن ليس في الدُّنيا مثلك.
وقد روى هذه القصَّة البيهقيُّ في «المدخل» عن الحاكم أبي عبد الله على سياقٍ آخر، فقال: سمعت أبا نصرٍ أحمد بن محمَّدٍ الورَّاق يقول: سمعت أحمد بن حمدون القصَّار هو أبو حامدٍ الأعمش يقول: سمعت مسلم بن الحجَّاج، وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل، فقبَّل ما (^١) بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذِين وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله، حدّثنا محمَّد بن سلَّامٍ، حدَّثنا محمَّد بن مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريجٍ،
_________________
(١) «ما»: مثبتٌ من (د) و(ص).
[ ٣١٣ ]