أعيا فحولَ العلم حَلُّ رموز ما … أبداه في الأبوابِ من أسرارِ (^١)
وإنمَّا بلغت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة؛ لما رُوِيَ أنَّه بيَّضها بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وأنَّه كان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين.
وأمَّا تقطيعه للحديث واختصاره، وإعادته له في الأبواب وتكراره؛ فقال الحافظ أبو الفضل (^٢) بن طاهرٍ في «جواب المتعنِّت»: اعلم أنَّ البخاريَّ - رحمه الله تعالى - كان يذكر الحديث في كتابه في مواضعَ، ويستدلُّ به في كل بابٍ بإسنادٍ آخر، ويستخرج منه معنًى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلَّما يورد حديثًا واحدًا (^٣) في موضعين بإسنادٍ واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، وإنَّما يورده من طريقٍ أخرى لمعانٍ يذكرها، فمنها: أنَّه يخرِّج الحديث عن صحابيٍّ، ثمَّ يورده عن صحابيٍّ آخر؛ والمقصود منه: أن يُخْرِجَ الحديث من حدِّ الغرابة، وكذا يفعل في أهل الطَّبقة
_________________
(١) في (ل): «أستار».
(٢) في (د) و(م): «بكر»، وليس بصحيحٍ.
(٣) «واحدًا»: مثبتٌ من (م).
[ ٢٧٠ ]
الثَّانية والثَّالثة وهلمَّ جرًّا إلى مشايخه، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصَّنعة أنَّه تكرارٌ، وليس كذلك؛ لاشتماله على فائدةٍ زائدةٍ، ومنها: أنَّه صحَّح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كلُّ حديثٍ منها على معانٍ متغايرةٍ، فيورده في كلِّ بابٍ من طريقٍ غير طريق الأوَّل، ومنها: أحاديثُ يرويها بعض الرُّواة تامَّةً وبعضهم مُختصرةً، فيرويها (^١) كما جاءت؛ ليُزيل الشُّبهة عن ناقلها، ومنها: أنَّ الرُّواة ربَّما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديثٍ فيه كلمةٌ تحتمل معنًى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكلِّ لفظةٍ بابًا مفردًا، ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل، فاعتمده وأورد الإرسال منبِّهًا على أنَّه لا تأثيرَ له عنده في الموصول، ومنها: أحاديثُ تعارض فيها الوقف والرَّفع، والحكم فيها كذلك، ومنها: أحاديثُ زاد فيها بعض الرُّواة رجلًا في الإسناد، ونَقَصَهُ بعضُهم، فيوردها على الوجهين، حيث يصحُّ عنده أنَّ الرَّاوي سمعه من شيخٍ حدَّثه به عن آخر، ثمَّ لقي آخر فحدَّثه به، فكان يرويه على الوجهين، ومنها: أنَّه ربَّما أورد حديثًا عنعنه راويه، فيورده من طريقٍ أخرى، مصرِّحًا فيها بالسَّماع، على ما عُرِفَ من طريقه في اشتراط ثبوت اللِّقاء من المعنعن.
وأمَّا تقطيعه للحديث في الأبواب
_________________
(١) في (ص): «فيؤدِّيها».
[ ٢٧١ ]
تارةً، واقتصاره منه على بعضه أخرى؛ فلأنَّه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنِّه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدةٍ حديثيَّةٍ، وهي إيراده له عن شيخٍ سوى الشَّيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فيُستفَاد بذلك كثرة (^١) الطُّرق لذلك الحديث، وربَّما ضاق عليه مَخْرَج الحديث حيث لا يكون له إِلَّا طريقٌ واحدٌ، فيتصرَّف حينئذٍ فيه، فيورده في موضعٍ موصولًا، وفي آخرَ معلَّقًا، وتارةً تامًّا، وأخرى مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعدِّدةٍ لا تَعَلُّقَ لإحداها بالأخرى فإنه يخرِّج كلَّ جملةٍ منها في بابٍ مستقلٍّ فرارًا من التَّطويل، وربَّما نَشِطَ فساقه بتمامه. وقد ذُكر أنَّه وقع في بعض نسخ البخاريِّ في أثناء «الحجِّ» بعد «باب قصر الخطبة بعرفة»، «باب التَّعجيل إلى الموقف»، قال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ، ولكنِّي لا أريد أن أُدخِل فيه مُعادًا، وهذا كما قال في «مقدِّمة الفتح»: يقتضي أنَّه لا يتعمَّد أن يخرِّج في كتابه حديثًا مُعادًا بجميع إسناده ومتنه، وإن كان قد وقع له من ذلك شيءٌ فعن غير قصدٍ وهو قليلٌ جدًّا. انتهى.
_________________
(١) في (د) و(م): «تكثير».
[ ٢٧٢ ]
قلت: وقد رأيت ورقةً بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ تعليقًا، أحضرها إليَّ صاحبنا الشَّيخ العلَّامة المحدِّث البدر المشهديُّ، نصُّها: نبذةٌ من الأحاديث التي ذكرها البخاريُّ في موضعين سندًا ومتنًا:
حديثُ عبد الله بن مغفَّلٍ: «رمى إنسانٌ بجرابٍ فيه شحمٌ» في آخر «الخُمس» [خ¦٣١٥٣] وفي «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٥٠٨].
حديث «في نحر البدن» في «الحج» عن سهل بن بكَّارٍ عن وُهَيبٍ (^١) ذكره في موضعين متقاربين [خ¦١٧١٢] [خ¦١٧١٤].
حديث أنسٍ: «أُصِيب حارثة، فقالت أمُّه …» في «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٨٢] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥٥٠]
حديث: «أنَّ رجلين خرجا ومعهما مثل المصباحين» في «باب المساجد» [خ¦٤٦٥] وفي «باب انشقاق القمر» [خ¦٣٦٣٩].
حديث أنس: «أنَّ عمر استسقى بالعبَّاس» في «الاستسقاء» [خ¦١٠١٠] و«مناقب العبَّاس» [خ¦٣٧١٠].
حديث أبي بكرة: «إذا التقى المسلمان» في «باب وإن طائفتان» [خ¦٣١]
_________________
(١) في جميع النُّسخ: «وهب»، وهو تحريفٌ.
[ ٢٧٣ ]
من «كتاب الإيمان»، وفي «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٨٧٥].
حديث أبي جُحيفة: «سألت عليًّا هل عندكم شيءٌ؟» في «باب العاقلة» [خ¦٦٩٠٣]، وفي «باب لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» [خ¦٦٩١٥].
حديث حذيفة حدَّثنا حديثين أحدهما: في «باب رفع الأمانة» من «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧]، وفي «باب إذا بقي في حثالة» من «الفتن» [خ¦٧٠٨٦].
حديث أبي هريرة: «في قول رجلٍ من أهل البادية: لسنا أصحاب زرعٍ» في «كتاب الحرث» [خ¦٢٣٤٨]، وفي «التَّوحيد» في «كلام الرَّبِّ مع الملائكة» [خ¦٧٥١٩].
حديث عمر: «كانت أموال بني النَّضير» في «باب المِجَنّ» من «الجهاد» [خ¦٢٩٠٤]، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٨٨٥].
حديث أبي هريرة: «بينا أيُّوب يغتسل عريانًا» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٩١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٣].
حديث: «لا يقتسم ورثتي» في «الخُمس» [خ¦٣٠٩٦] وقبله في «الجهاد» (^١) [خ¦٢٧٧٦].
حديث عبد الله بن عمروٍ: «مَنْ قَتل معاهدًا»
_________________
(١) جاء في «الوصايا»، لا في: «الجهاد» وهو عند مسلمٍ في «الجهاد».
[ ٢٧٤ ]
في «الجزية» (^١) «باب (^٢) مَنْ قَتل معاهدًا» [خ¦٣١٦٦]، وفي «الدِّيات» «باب مَنْ قَتل ذميًّا» [خ¦٦٩١٤].
حديث أبي سعيدٍ: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يستره» في «الصلاة» [خ¦٥٠٩]، وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٤].
حديث أبي هريرة: «وكَّلني بحفظ زكاة رمضان» في «الوكالة» [خ¦٢٣١١] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]، وفي «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠].
حديث عديِّ بن حاتمٍ: «جاء رجلان أحدهما يشكو العيلة» في «الصَّدقة قبل الرَّدِّ» [خ¦١٤١٣] وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٥].
حديث أنس: «انهزم النَّاس يوم أُحُدٍ» في «غزوة أُحُد» في «الجهاد» (^٣) [خ¦٢٨٨٠] و«مناقب طلحة» [خ¦٣٨١١].
حديث أبي موسى: «رأيتُ في المنام أنِّي أهاجر من مكَّة إلى أرضٍ ذات نخلٍ …» الحديث في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٦٢٢] وفي «المغازي» [خ¦٣٩٠٥]، وفي «التَّعبير» (^٤) [خ¦٧٠٣٥].
حديث ابن عبَّاس: «هذا جبريل» في «غزوة بدر» [خ¦٣٩٩٥] وفي «غزوة أُحُد» (^٥) [خ¦٤٠٤١].
حديث جابرٍ: «أَمر عليًّا أن يقيم على إحرامه» في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٧]، وفي «بعث عليٍّ» من «المغازي» [خ¦٤٣٥٢].
حديث عائشة: «كان يوضع لي المِرْكَن» في «الطَّهارة» [خ¦٢٥٠]، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٩].
_________________
(١) في غير (س): «الحرب».
(٢) في (د) و(ص): «وفي باب»، وفي (ب) و(س): «وباب»، ولعلَّ المُثبت هو الصَّواب.
(٣) في جميع النُّسخ: «وفي الجهاد»، ولعلَّ المُثبت هو الصَّواب.
(٤) في جميع النُّسخ: «التَّفسير»، وهو تحريفٌ.
(٥) سقط من (ص) قوله: حديث ابن عبَّاس: «هذا جبريل» في «غزوة بدر» [خ¦ ٣٩٩٥] وفي «غزوة أُحُد».
[ ٢٧٥ ]
هذا آخر ما وجدته بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ من ذلك، ورأيت في «البخاريِّ» أيضًا حديث أبي هريرة: «كان أهل الكتاب يقرؤون التَّوراة بالعبرانيَّة، ويفسِّرونها بالعربيَّة لأهل الإسلام» في «باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٦٢]، وفي «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٥]، وفي «باب ما يجوز من تفسير التَّوراة» في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٢].
وأمَّا اقتصاره -أي: البخاريِّ- على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضعٍ آخر؛ فإنَّه لا يقع له ذلك في الغالب إلَّا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصَّحابيِّ، وفيه شيءٌ قد يُحكَم برفعه، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي؛ لأنَّه لا تعلق له بموضوع كتابه، كما وقع له في حديث هُزَيل بن شُرحبيلَ عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهلية كانوا يسيِّبون» [خ¦٦٧٥٣]. هكذا أورده، وهو مختصرٌ من حديثٍ موقوفٍ أوَّله: «جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعودٍ، فقال: إنِّي أعتقت عبدًا لي سائبةً، فمات وترك مالًا ولم يدَعْ وارثًا، فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يسيِّبون، فأنت وليُّ نعمته، فلَكَ ميراثُه، فإن تأثَّمت وتحرَّجت في شيءٍ فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال». فاقتصر البخاريُّ على ما يُعطَى حكم الرَّفع من هذا الموقوف؛ وهو قوله: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون»؛ لأنَّه يستدعي بعمومه النَّقل عن صاحب الشَّرع لذلك الحكم، واختصر الباقي؛ لأنَّه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس، فقد اتَّضح أنَّه لا يعيد إلَّا لفائدةٍ، حتَّى لو لم يظهر لإعادته فائدةٌ من جهة الإسناد ولا من جهة المتن؛ لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه التَّرجمة الثَّانية موجبًا؛ لئلَّا يُعَدَّ تكرارًا بلا فائدةٍ، كيف لا وهو لا يُخْلِيْهِ مع ذلك من فائدةٍ إسناديَّةٍ، وهي إخراجه للإسناد عن شيخٍ غير الشَّيخ الماضي، أو غير ذلك.
[ ٢٧٦ ]