ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من «باب الوحي» الذي هو كالمقدِّمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدِّينيَّة، وبدأ منها بالإيمان لأنَّه مِلاك الأمر كلّه؛ لأنَّ الباقيَ مبنيٌّ عليه ومشروطٌ به، وهو أوَّل واجبٍ على المكلَّف، فقال مبتدئًا بقوله:
«٢» (بسم الله الرحمن الرحيم) كأكثر كتب هذا «الجامع» تبرُّكًا وزيادةً في الاعتناء بالتَّمسُّك بالسُّنَّة، واختلفت الرِّوايات في تقديمها هنا على «كتاب الإيمان» أو تأخيرها عنه، ولكلٍّ وجهٌ، ووجه الثَّاني: بأنَّه جعل التَّرجمة قائمةً مقام تسمية السُّورة، ووجه الأوَّل ظاهرٌ.
هذا (كِتَابُ الإِيمَانِ) بكسر الهمزة، وهو لغةً: التَّصديق، وهو كما قاله التَّفتازانيُّ: إذعانٌ لحكم المخبر وقبوله وجعله صادقًا، إفعالٌ من الأمن، كأنَّ حقيقة «آمن به»: آمَنَهُ التَّكذيب
[ ٤٦٥ ]
والمُخالَفة، يُعدَّى باللَّام؛ كما في قوله تعالى حكايةً عن إخوة يوسف ﵊: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّقٍ لنا، وبالباء؛ كما في قوله ﷺ: «الإيمان أن تؤمن بالله …» الحديث، فليس حقيقة التَّصديق أن يقع في القلب نسبة التَّصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعانٍ وقبولٍ، بل هو إذعانٌ وقبولٌ لذلك؛ بحيث يقع عليه اسم التَّسليم، على ما صرَّح به الإمام الغزاليُّ، والكتاب: من الكَتْب؛ وهو الجمع والضَّمُّ، ومن ثمَّ استُعمِل جامعًا للأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضَّمُّ فيه بالنِّسبة إلى الحروف المكتوبة حقيقةٌ، وبالنِّسبة إلى المعاني المُرَادة منها مجازٌ (^١)، ولم يَقُلْ في الأوَّل: كتاب بدء الوحي؛ لأنَّه كالمقدِّمة، ومن ثمَّ بدأ به؛ لأنَّ من شأن المقدِّمة كونَها أمام المُراد، وأيضًا: فإنَّ مِنَ الوحيِ عُرِفَ الإيمانُ وغيره (^٢).
_________________
(١) وفي نسخة (ج) و(ل): «حقيقةً … ومجازًا».
(٢) من هنا بدأ السقط في (د)، وينتهي أثناء الحديث (٩٦) من كتاب العلم.
[ ٤٦٦ ]