جواب «لو» في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاء (^١) لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونُزِعت منه (^٢) ههنا؟ وأجاب: بأنَّ «لو» لمَّا كانت داخلةً على جملتين، مُعلَّقةٍ ثانيتهما بالأولى تعلُّق (^٣) الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلِّصةً للشَّرط كـ «إنْ»، و«لا» عاملةً مثلها، وإنَّما سرى فيها معنى الشَّرط اتِّفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملَتَيها أنَّ الثَّاني امتنع لامتناع الأوَّل، افتقرت في جوابها إلى ما يُنصبُّ علمًا على هذا التعلُّق (^٤)، فزيدت هذه اللَّام لتكون عَلَمًا على ذلك، فإذا حُذِفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه؛ فلأنَّ الشَّيء إذا عُلِم وشُهِر موقعُه وصار مألوفًا ومأنوسًا به لم يُبالَ بإسقاطه عن اللَّفظ استغناءً بمعرفة السَّامع، أو أنَّ هذه اللَّام مفيدةٌ معنى التَّوكيد لا محالةَ، فأُدخِلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدَّلالة على أنَّ أمر المطعوم مُقدَّمٌ على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروب إنَّما يُحتاج إليه تبعًا للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشُّرْبِ) بضمِّ المعجمة (وَمَنْ رَأَى) ولأبي ذرٍّ: «باب من رأى» (صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ فيما وصله التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن خزيمة: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ) بإضافة «بئر» إلى «رُومة» بضمِّ الرَّاء وسكون الواو فميمٌ فهاءٌ، بئرٌ معروفةٌ بالمدينة (فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا) أي: في البئر المذكورة (كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ) يعني: يوقفها ويكون حظُّه منها كحظِّ غيره منها (^٥) من غير مزيَّةٍ (فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁¬) ووقفها على الفقير والغنيِّ وابن السَّبيل، وقد تمسَّك به من جوَّز الوقف على النَّفس، وأُجيب بأنَّه كما لو كان وقف على الفقراء ثمَّ صار
_________________
(١) «﴿لَوْ نَشَاء﴾»: مثبتٌ من (ب) و(س).
(٢) «منه»: ليس في (د).
(٣) في (د): «تعليق».
(٤) في (ب) و(د) و(د ١): «التَّعليق».
(٥) «منها»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[ ٩ / ٥٢٣ ]
فقيرًا، فإنَّه يجوز له الأخذ منه، و«رُومة» قيل: إنَّه عَلَمٌ على صاحب البئر، وهو رومة الغفاريُّ كما ذكره ابن منده، فقال: يُقال: إنَّه أسلم، روى حديثه عبد الله بن عمر بن أبان، عن المحاربيِّ، عن أبي مسعودٍ (^١)، عن أبي سلمة بِشْر (^٢) بن بشيرٍ (^٣) الأسلميِّ، عن أبيه قال: لمَّا قدم المهاجرون المدينة استنكروا (^٤) الماء، وكانت لرجلٍ من بني غفارٍ عينٌ يُقال لها: رومة، كان يبيع منها القربة بالمُدِّ، فقال له رسول الله ﷺ: «بِعْنِيها بعينٍ في الجنَّة»، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسةٍ وثلاثين ألف درهمٍ، ثمَّ أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة عينًا في الجنَّة؟ قال: «نعم»، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين، قال في «الإصابة»: تعلَّق ابن منده على قوله: «أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة»؟ ظنًّا منه أنَّ المراد به صاحبُ البئر، وليس كذلك؛ لأنَّ في صدر الحديث أنَّ رومة اسم البئر (^٥)، وإنَّما المراد بقوله: «جعلت لرومة» أي: لصاحب رومة أو نحو ذلك، وقد أخرجه البغويُّ عن عبد الله بن عمر بن أبان فقال فيه: مثل الذي جعلت له، فأعاد الضَّمير على الغفاريِّ، وكذا أخرجه ابن شاهين والطَّبرانيُّ من طريق ابن أبان، وقال البلاذريُّ (^٦) في «تاريخه»: هي بئرٌ قديمةٌ كانت ارتطمت، فأتى قومٌ من مُزَينة حلفاء للأنصار فقاموا عليها وأصلحوها، وكانت رومة امرأةً منهم أو أمةً لهم تسقي منها النَّاس فنُسِبت إليها. انتهى. ويأتي في «الوقف» [خ¦٢٧٧٨]-إن شاء الله تعالى- أنَّ عثمان ﵁ قال: ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من حفر رُومة فله الجنة»، فحفرتها، وهذا يقتضي أنَّ رومة اسم العين
_________________
(١) «عن أبي مسعودٍ»: سقط من غير (ب) و(س) و(ج).
(٢) في (ب) و(س): «بشير»، وفي (م): «بسر»، وهو تحريفٌ.
(٣) في (د): «بِشْرٍ»، وهو تحريفٌ.
(٤) في (د): «اشتكوا».
(٥) زيد في (ب): «وليس كذلك»، وهو تكرارٌ.
(٦) في (د): «البلادزيُّ»، وهو تصحيفٌ.
[ ٩ / ٥٢٤ ]